Minbar Libya

بقلم سامي براهم

هل مازال لتيار الإسلام السياسي رصيد و دور في مستقبل المنطقة ؟ وما هي التحدّيات المطروحة على هذا التيّار السياسي ذي الطّابع العقائدي الشّمولي ؟

الجزء الثاني

الإسلام الحضاري

والمقصود به تجاوز إسلام الشّعار والتحدّي و الاغتراب والإثبات الهووي نسبة إلى الهويّة إلى إسلام تجديديّ يؤسّس لمقومات نهوض جديد واستئناف حضاري يؤسّس على كلّ منجز بشريّ أصيل وذو جدوى بكلّ ما يعنيه ذلك من مدنيّة و رقيّ قيمي و رفاه اجتماعي و تقدّم في مجال العلوم والمعارف والثّقافة والإبداع والفنون والصّناعات والمحافظة على البيئة.

هي ليست مهمّة حزب أو فئة أو فصيل أو مذهب بل مهمّة كلّ من يؤمن بالمرجعيّة الحضاريّة للإسلام نقلا وعقلا وتجربة تاريخية ومقاصد ومن يمتلك الطّاقة المعرفيّة والمنهجيّة والاجتهاديّة النّوعيّة ليبدع  قراءة للإسلام  تترجم قيمه وتعاليمه بالشكل الذي يبني مجتمع الحريّة والكرامة والعدالة الاجتماعيّة والمساواة.

وهي مهمة من يؤسّس لإسلام المواطنة والحقوق والعقلانيّة والتنوير والأخلاق باعتبار كلّ هذه المضامين روح الشّريعة و حكمتها وعللها وفلسفتها ومراميها ومقاصدها العليا التي تحقّق أهمّ مقاصد الخلق وهي التعارف الذي من أجله خلق النّاس شعوبا وقبائل على هيئة الاختلاف والتنوع لا التّماثل.

ودعاة هذا التوجّه الحضاري للإسلام إذا انتظموا في أحزاب أو جمعيّات أو مراكز بحث فيجب أن تكون مدنيّة عصريّة  تحتضن أفضل النّخب والعاملين الذين حصّلوا أفضل تكوين وتأطير وتدريب يواكب التطورات المعرفيّة ولا سيما في مجال التصرّف والموارد البشريّة .

 الإسلام الحضاريّ كونيّ إنسانيّ مُحاور لكلّ ثقافات العالم منفتح على كلّ جهد بشري يتّسم بالحكمة و يؤسّس للحقوق و الكرامة الآدميّة .

هذا الإسلام يتجاوز ثقافة الشّعار والإشهار والانفعال والاحتجاج والمناكفة والمماحكة والادبيّات التقويّة والوعظيّة والفقهيّة والكلاميّة والتفسيريّة التي تعيد إنتاج المعارف الوسيطة دون مراجعة أو نقد أو تجديد.

هو إسلام يبدع الشروط المعرفيّة والمنهجيّة لحداثة تنبع أسسها من داخل منظومته القيميّة ومعقوليّته وروحانيّته ومرجعيّته النصيّة المُتَعَقَّلَة المُتَدَبَّرَة .

إسلام يتجاوز حدود ثقافة الملّة و ترتيبات دار الإسلام ودار الكفر أو دار الدّعوة و دار الإجابة إلى سعة دار التّعارف الآدميّ التي يجمعها بين سكان معمورتها أب واحد و أمّ واحدة و تشترك في الآدميّة المكرّمة تكريما متأصّلا مركوزا في أصل الخلق و النّشأة بإرادة الخالق و مشيئته.

إسلام برنامجه إتمام مكارم الأخلاق باعتبارها جوهر الرّسالة المحمّديّة ومبتدأها ومنتهاها وأفقها الخلاصي الدّنيوي والأخروي.

هذا الإسلام لا يمكن أن تجسّده  حركات وأحزاب و تيارات سياسيّة تقليديّة ذات توجه  مذهبي طائفيّ يقوم ترتيب الشأن الدّاخلي فيها وفق نفس قواعد الملل والنّحل الدّينيّة وأدبيّات السياسة الشرعيّة السلطانيّة الوسيطة من سريّة وبيعة وطاعة في المنشط والمكره ومشيخيّة وشورى مُعلمة غير مُلزمة ونزعة طوباويّة عاطفيّة دون استيعاب لآليّات الدّيمقراطيّة العصريّة والسياسة المدنيّة القائمة على المؤسسات والتعاقد المدني واستيعاب لمقتضيات الواقع.

لا يمكن لهذا الإسلام الحضاري أن ينطلق ابتداء من توجه شمولي محمول بخلفيات عقائديّة دغمائيّة تبشّر بحكم العالم تحت لواء الإسلام بل يكتسب الإسلام بعده العالمي من خلال الاشتغال على الوطني وحسن استثمار المرجعيّة الإسلاميّة في محاورة الواقع المحلّي بكلّ تعقيداته وتفاصيله وتحدّياته ورهاناته ومطالبه منفتحة في ذلك على كلّ الزّخم المعرفي و القيمي والحقوقي والمنهجي العالمي ممّا يسهم في المثاقفة وتطوير ثقافة الذّات عن الذّات وعن الآخر.

لطالما اعتبرت تركيا في ظلّ حزب العدالة والتنمية نموذجا لنهضة الإسلام الحداثيّ الدّيمقراطي مع إغفال  تجارب أخرى أكثر تجذّرا و توازنا وانسجاما مع مخزونها الثقافي وتاريخها الحضاري رغم الإكراهات والمحاذير التي تحيط بها و نقصد بذلك مثلا التّجربة الماليزيّة التي ظهر فيها مصطلح الإسلام الحضاري في مقابل الإسلام السياسي والصّوفي والدّعوي والجهادي الذي يجزّئ الإسلام ويجرّده من بعده الحضاري الإنساني القيمي والمعرفي والعملي .

وقد طرح هذا التصوّر لأوّل مرّة رئيس وزراء ماليزيا داتو سري عبد الله أحمد بدوي باعتباره رؤية الإستراتيجية لماليزيا في أفق سنة 2020 تحقّق التنمية بكل ابعادها الروحيّة والجسديّة والقيميّة والتربويّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والسياسيّة

ويقوم تصوّر هذا المشروع الحضاري الشامل على عشر نقاط وردت في مقال د. محمد شريف بشير أستاذ جامعة العلوم الإسلامية بكولالمبور بعنوان الإسلام الحضاري، مشروع النهضة الماليزي” نشر في موقع “اسلام أونلاين”.

1- الإيمان و التقوىباعتبار أنّ الترقّي الرّوحي يتوقّف على البعد الأفقي في تزكية السّلوك ممّا يعدّ دافعا للعدل والعمل الصّالح والعلاقات السويّة في المجتمع.

2- الحكومة العادلة والأمينة

 3- الحرية والاستقلال

4- التمكن من العلوم والمعارف

5- التنمية الاقتصادية الشاملة والمتوازنة

6- تحسين نوعية الحياة

7- حفظ حقوق الأقليات والنّساء

8- رعاية القيم الثقافية الفاضلة

9- حفظ البيئة وحمايتها

10- تقوية القدرات الدفاعية للأمة

و تعتبر هذه النقاط تأطيرا لتصوّر  يقوم على محاور و تفاصيل و شروط وردت مفصّلة في المقال المذكور آنفا وتتعلّق بمشروع استراتيجي يؤهّل المجتمع للقيام بأدوار متقدّمة ويمهّد لتجربة صناعيّة وطنيّة متطوّرة تزمع ماليزيا أن تخوضها للانخراط في الاقتصاديات الحديثة دون أن تكون مرتهنة للمنظومة الاقتصاديّة والماليّة العالميّة و تقلّباتها واشتراطاتها المجحفة على حساب الاستقلال والسيادة والمقدّرات الحيويّة للبلد.

ويعتبر البروفيسور داتو عبد الله محمد زين، وزير الشئون الإسلامية والأوقاف بماليزيا أحد أبرز المفكرين الماليزيين الذين ساهموا في بلورة هذا المشروع وصياغته النّظريّة و يقول في تعريفه للإسلام الحضاري : “الإسلام الحضاري ليس دينا جديدا ولا مذهبا فقهيا مبتدعا، وإنما هو طريقة تقوم على مثل وقيم الإسلام الخالدة لتعزيز تقدم الحضارة ألإسلامية وهي طريقة لعرض الإسلام بواقعية  وعودة الأمة إلى مصادر الإسلام الأصيلة ومبادئه القويمة. ويعطي مشروع الإسلام الحضاري مزيدًا من الاهتمام لزيادة جودة الحياة الإنسانية لكل الناس بغض النظر عن أعراقهم وثقافاتهم ومعتقداتهم“.

و يضيف  الإسلام الحضاري هو اجتهاد بشري وليس وحيًا معصومًا؛ ولذلك هناك احتمال الاختلاف معه“.

وفي تحديده لخطّة هذا الإسلام  ليصبح مشروعا قائما في الواقع يقول : “الإسلام الحضاري يبدأ من أسفل إلى أعلى، ومن القاعدة إلى القمة، ومن الجمهور والقرى إلى القادة بطريقة منظمة ومتدرجة ورفيقة، وبالتركيز على الأولويات حيث العبرة بالمعاني والمقاصد لا الألفاظ والعبارات“.

نحن إذن أمام محاولة للاستئناف الحضاري الشّامل يطرحها عدد من رجال الدّولة في ماليزيا لا باعتبارها أيديولوجيا للتعبئة والحشد الشعبي الانتخابوي أو نموذجا للتّصدير ولا باعتبارها عنوانا لانتماء الهووي أي التمايز قائم على الهويّة في بلد متعدد الثقافات والأديان والأعراق ولا باعتباره برنامجا تفرضه الدّولة بقوّة الشرعيّة القانونيّة والرّصيد الانتخابي بل كمشروع وطني عملي ينطلق من المجتمع لتحقيق المدنيّة والرقيّ  الحضاريّ في إطار وطني ماليزي.

لذلك لم يتهافت الماليزيون  للتبشير بهذا التصوّر وتصديره للعالم الاسلامي باعتباره النموذج المثالي الخلاصي الجدير بالاحتذاء والاتّباع خاصّة وأنّه لا يزال قيد الاختبار والتّفعيل في الواقع وسط كلّ الإكراهات الدّوليّة والإقليميّة والمحليّة.

إنّ كلّ ما أوردناه من تحليل يؤكّد أنّ عصر الإسلام السياسي بالمعنى الذي أسلفنا قد ولّى ولم يعد له من موجب والتّفكير في اللحظة الحضاريّة الرّاهنة وتحدّياتها الحضاريّة بوعي الإسلام السياسي سيكون ضربا جديدا من الاغتراب المركّب حيث سينضاف لاغتراب الإسلام السياسي المتأصّل منهجا وفكرا وممارسة اغترابات راهن ما بعد الثّورة.

هذه الاغترابات الجديدة التي يشترك في بعضها مع كلّ مكوّنات الساحة السياسيّة التي لم يستوعب عقلها السياسي التقليدي وإيديولوجياتها التّماميّة المغلقة ومسلكيتها الاحتجاجية والميكيافليّة القديمة المتبعة زمن الاستبداد متطلبات لحظة الانعتاق السياسي والنّهوض الحضاري التي انفتحت مثل طاقة القدر لتدقّ أبواب الشّرق و تستنهضه من جديد للقيام بأدوار حضاريّة إنسانيّة متقدّمة.

*** 

 سامي براهم ـ باحث في الفكر والحضارة

_____________