Minbar Libya

 بقلم د. محمد التومي

يعتبر عبد الله الغذّامي القبيلة أصل الهوية في ما بعد الحداثة ، وإن العودة القوية إلى الهويات القبلية في ليبيا كان في إطار العودة إلى الهويات الأصلية بأقوى صيغها حتّى لتبدو أشدّ حدّة مما كانت عليه في عهد المقبور القذافي.

وهي تكشف عن خروج الكامن إلى المعلن سياسيا وثقافيا وسلوكيا، يقابل ذلك تراجع لقيم الحرية والوحدة وهو ما بات يهدد ليبيا.

الجزء الثالث

دور القبيلة في تشكيل الحياة السياسية في ليبيا:

كانت القبيلة، ولا تزال، تلعب دورا مهما في تشكيل المشهد الليبي، سياسيا وديمغرافيا، فالانتماء إلى القبيلة والارتباط الوثيق بها لا يزال عميقا وغائرا في هذا المجتمع، ولا يزال ليبيون كثيرون يشعرون بالفخر بانتمائهم للقبيلة، بل ويرون أن أي حل للمشكل الليبي لن يكتب له النجاح، ما لم يكن مبنيا على تفاهم قبلي، يفرض تطبيقه على أرض الواقع.

وقد استغل نظام القذافي هذا العنصر، وأتقن العزف عليه، وجعله عاملا مهما في تقوية حكمه وتثبيت أركانه، وكلف من أجل ذلك بعض رموز حكمه الذين لهم دراية بتاريخ القبائل الليبية لتولي هذه المهمة.

وقد نجحوا في استقطاب القبائل التي لها ثقل داخل المجتمع، وتقريبها منه، وتعيين أفراد منها بتعيينهم في صلب الدولة وقد أغدق عليهم العطايا بما يضمن ولاءهم وولاء قبائلهم له ومساندته في تسليط العقاب على معارضيه، من خلال إرغام القبائل على التبرؤ ممن عارضوه، وجعلهم منبوذين داخل قبائلهم، بل وطردهم، هم وعائلاتهم، ورفض دفن أمواتهم داخل مقابر القبيلة، وجعل هذه القبائل تتسابق إلى تقديم وثائق العهد والمبايعة التي كان النظام يحرض عليها، ويوليها أهمية بالغة.

وقد أدت تلك الجهود إلى تشكيل خريطة الولاءات والانتماءات، وتم بناء عليها رسم الاستراتيجيات التي تضمن بقاء هذا النظام من خلال هذه القبائل.

وفي السياق نفسه، بما يخدم هذه المصلحة أيضا، تولى كتّاب ظهروا فجأة في تلك الفترة، وبإيعاز من اللجان الثورية، وبدعم مالي وقبلي، تم تأليف كتبٍ تمجّد دور القبائل الليبية المساندة للنظام في جهادها ضد المستعمر الإيطالي، مدحا أو قدحا، حسب موقف تلك القبيلة من النظام، وحسب التعليمات الصادرة إلى هؤلاء الكتاب.

أولئك الكتاب كانوا مزوّرين لحقائق كثيرة، ومسيئين إلى قبائل كثيرة، حاولوا طمس تاريخها الجهادي الذي يعرفه كل المتابعين لحركة الجهاد الليبي عبر التاريخ وتصدّرت مصراتة وأولاد سليمان هذه القبائل المناوئة عقابا لها على موقفٍ معيّن، فسّره النظام بأنه خارج عمّا يريد ويهوى.

وقد أدى ذلك إلى تكريس الفرقة القبلية، وتوزيع المناصب والامتيازات والنفود بناء على الثقل القبلي، والولاء العشائري، تحت مبدأ فرّق تسدومن ثمة كان الحقد والكراهية سمةً مميزةً، تحكم علاقات قبائل كثيرة.

سقط القذافي وانهار نظامه سنة 2011، ودخلت ليبيا في فراغ سياسي شامل، فلا دستور يمكن الاحتكام إليه، ولا مؤسسات سياسية أو خدمية أو أمنية معتبرة، ويمكن الاعتماد عليها في تسيير البلاد سواء من الناحية الأمنية أو السياسية، ما أدى إلى ظهور دور القبيلة، وبقوة من جديد، للقيام بالدور السياسي والخدمي والأمني، بما يمكّنها من الدفاع عن نفسها، وعن أراضيها التي تعيش عليها من خلال تشكيل مليشيات قبلية تحت مسمى “المجالس العسكرية”.

تلك المجالس ضمت في أغلبها من اشتركوا في إطاحة نظام القذافي، والذين استطاعوا الحصول على الأسلحة النوعية غنائم من كتائب القذافي ومعسكراته الأمنية، أو مساعدات من دول أجنبية كان لها دور رئيس في اسقاط النظام.

وظلت القبيلة بعد “فبراير 2011″، تلعب الدور المهم نفسه الذي كانت تلعبه، حيث تخندقت وراء مليشياتها ومجالسها العسكرية، واستغلت بعض أفرادها لتحقيق مصالح ومنافع شخصية وعائلية.

ونتيجة للفراغ الأمني الذي تلا الثورة، دخلت قبائل ليبية عدة في مواجهات وحروب مع قبائل تشاركها نفس المجال الجغرافي، خصوصا التي كان بينها عداء تاريخي، إما بسبب الأرض أو بسط النفوذ وكان هذا الصراع، في غالبه، امتدادا لحروب قبلية قديمة.

ولعل اقتحام مدينة بني وليد في سنة 2011، وتزعّم مصراتة ذلك الاقتحام، وطرد تاورغاء إلى الشرق والحرب بين قبيلتي أولاد سليمان والقذاذفة في الجنوب، ما يدل دلالة واضحة على العمق التاريخي لهذه الحروب، مع ملاحظة أن الاصطفافات السياسية والأيديولوجية لعبت دورا مهما أيضا في كثير منها، فعلى سبيل المثال اصطفاف كل من ورشفانة والزاوية إلى ثوار 17 فبراير  في حين انتكست الزنتان بعد إخراجها بالقوة من المطار  والتحقت بما سمي بالجيش الليبي بقيادة حفتر.

ولعل ما حصل من تفاهم بين قبيلتي الزنتان والمشاشية يأتي محصلة للاتفاق حيث وافقت الزنتان على رجوع المشاشية إلى أراضيها، موقعين اتفاقيات عدم الاعتداء وحسن الجوار، وتكليف لجنة مشتركة بينهما، تتولى النظر في كل المشكلات العالقة أو اللاحقة.

وقد سعى الجنرال خليفة حفتر  في المنطقة الشرقية، أن ينتهج طريقة القذافي نفسها في شراء الولاءات القبلية، خصوصا ذات الثقل الاجتماعي، جعل لهذه المنطقة خصوصيةً تختلف عن باقي المناطق الليببية، فعندما فشل حفتر، في انقلابه الذي أعلنه في 14 فبراير/ شباط 2014، والذي أعلن فيه سيطرته على مقرّات حكومية داخل العاصمة طرابلس، وتجميد عمل “المؤتمر الوطني العام”، ذلك الانقلاب الذي لم يتجاوز الشاشات التي أعلن من خلالها، ولم يرتق حتى إلى مجرد محاولة الانقلاب، الأمر الذي جعله يغادر إلى المنطقة الشرقية، محاولا شراء ود شيوخ قبائلها، وإظهار نفسه شخصية توافقية تحارب الإرهاب في المنطقة، مستغلا الفوضى الأمنية هناك، واننتشار الاغتيالات والقتل والتفجيرات التي أرهقت الناس.

هذه الظروف جعلت معظم قبائل الشرق الليبي على كثرتها وأهميتها في تحديد سياسات الدولة، مثل قبائل العواقير والمغاربة والعبيدات، والمسامرة تدعم الجنرال المتقاعد حفتر، خصوصا في بداية حربه التي سمّاها عملية الكرامة.

إلا أنه، ومن الملاحظ الآن، أن كثيرا من هذه الولاءات أصبحت أكثر هشاشة، بعد أن اكتشفت أغلب القبائل أن الهدف الخفي من كل هذه الحروب هو الوصول إلى السلطة، وبناء مجد شخصي يمهّد للحكم الفردي المتسلط، وقد دفعت هذه القبائل فواتيره الباهظة من أبنائها الذين شاركوا في هذه الحروب القاسية، وأن الصراع الذي خالته حربا ضد مسمى الإرهابتحول من صراع إيديولوجي إلى صراع ونزاع قبلي لتولي المناصب والسلطات.

أما الجنوب الليبي، فإن انتشار آبار النفط وحقوله فيها جعل منها منطقةً ذات  مطامع جمة،  في اقتناء مبالغ طائلة من الحكومات المتعاقبة التي كانت في صرفها سخية دون الخوف من رقابة الشعب الثائر  على فساد ظل ينخر ليبيا أربعة عقود متتالية، وقد أوكلت إلى هذه القبائل النائية حراسة المنشآت النفطية.

وقد كانت معظم هذه القبائل تعي خطورة المهمة التي أسندت إليها لذلك مارست ضغوطا سياسية وابتزت القائمين على سياسة البلاد ما بعد الثورة بعدما خبرت ضعف سندها السياسي ، ولم تستنكف عن الفعل من خلال قفل صمامات النفط أو التلويح به، لكسب مزايا أو مكاسب تراها ضرورية.

وقد أدت هذه المزايا إلى صراع مسلح بين التبو والطوارق في الجنوب الغربي سنة 2014، ولا يزال الوضع، على الرغم من الهدوء الحذر، معرّضا للاشتعال في أي لحظة، وهو لا يقل خطورةً، ولا دمويةً، عما يحصل من مواجهات مسلحة بين قبيلتي الزوية والتبو في الجنوب الشرقي، وكذلك الصراع المسلح في الغرب الليبي بين نالوت والزنتان على قيادة المعبر في وازن /ذهيبة والصراع الدموي بين المشاشية والزنتان وبين الزاوية وزوارة على معبر راس جدير .

خاتمة:

على الرغم من كل السلبيات التي أظهرتها بعض القبائل الليبية نتيجة الفراغ السياسي الذي وجدته أمامها وهو ما حرّضها على تكوين مليشيات مسلحة في بلد غنيّ بالنفط والغاز  يحوي 20 مليون قطعة سلاح  وهو يكفي لتحرّك القبائل محاولة منها لرأب الصدع الذي تركته الثورة بين الفريقين المتصارعين من جهة ومن أجل التمكن من تأمين نصيبها من الثروة.

ويؤكد المتابعون أن مصراتة هي التي تتصدّر القبائل في الاستحواذ على أكبر قدر من الغنائم ( تمثل ذلك في مرفأ بحري يعدّ الأكبر في شمال إفريقيا) وكذلك من وظائف قيادية أو عادية أو عوائد مالية على شكل أموال أو مشروعات، باعتبار قوتها الضاربة التي أبانها شباب مصراتة في مواجهة اللجان الثورية زمن الثورة، وتمكنهم من الاستحواذ على مخازن السلاح وهو ما قوّى شوكتهم مقارنة مع القبائل الأخرى، ما يعني استحواذها على ما تستحقه، وما لا تستحق.

وهو أمر ينطبق على بقية القبائل الفاعلة في زمن الثورة  وهو ما أدى إلى عرقلة النظام السياسي وبعثرة جهود الصادقين من أبناء ليبيا الذين يطمحون إلى بناء دولة مدنية حديثة تكون المواطنة هي الرابط بين أفرادها وفق ما يقتضيه الدستور الذي ما يزال في طور الإخصاب.

وإلى أن يتم هذا الحلم ستظل القبيلة أهم معرقل للعمل السياسي الذي لم يستطع أن يحل مرتبة التقليد في ليبيا نتيجة تخوين التحزّب وضعف أداء الساسة وانهيار كل النظم التي بنى عليها القذافي دولته المافيوزية.

وقد أدى كل ذلك إلى فرض نظام المحاصصة خارج نطاق القدرة والإمكانات، مثلما فعلت الزنتان مثلا حينما دخلت مليشياتها إلى المطار مطالبة حقها في إدارة الدولة وقد أدت عملية إخراجهم إلى تدمير إحدى وعشرين طائرة .

لقد شكلت القبيلة عبر التاريخ  الحاضنة الاجتماعية التي تحمل في تاريخها إرثا ثقافيا، وقدرة على معالجة المشكلات القائمة، يمكن أن تلعب دورا أساسيا، في إحلال السلم، والتصالح بين مكونات المجتمع الليبي، خصوصا أنه مجتمع قبلي يعطي الأفراد في ليبيا الولاء والطاعة للقبيلة ولا يستطيعون التمرّد عليها بيسر.

وقد أدّى التدخل القبلي، في الأحداث الليبية ما بعد الثورة إلى نتائج جيدة تحسب لها وعجزت عنها الحكومات المتعاقبة منذ 2011 حيث نجحت المجالس القبلية في إبرام ثمانية وستين صلحا من أصل أربعة وسبعين، ونجحت في تبادل الأسرى في ثمان وثلاثين واقعة وحادثة من أصل سبع وخمسين بين المليشيات المتقاتلة.

وهو ما يشفع لها تدخلها في مجال الدولة ويجعلها أكثر فاعلية في إيجاد الحلول التي يرضاها الجميع، وتفرض نفسها أخلاقيا واجتماعيا، حينما تغيب أجهزة الدولة.

*** 

الدكتور محمد التومي ـ باحث في السيراس

__________________