Minbar Libya

بقلم محمد عمران كشادة

تحت عنوان النيجر بوابة واشنطن لاقتحام مراكز نفوذ فرنسا في أفريقيا ” . نشر تقرير في صحيفة العرب اللندنية جاء فيه : “تشهد منطقة الساحل الأفريقي صراع نفوذ محموم بين الولايات المتحدة كقوة عالمية وفرنسا كقوة استعمارية سابقةفي المنطقة، إذ تتسابق القوتان إلى توسيع تواجدهما في المنطقة الاستراتيجية الغنية بالثروات الطبيعية.

الجزء الثاني

3 البعد الديموغرافي

في  كثير من الأحوال يؤدي  الجوار الجغرافي  إلى مشاكل ديموغرافية تؤثر على علاقات الدول فيما بينها،  والمشكلة تكمن  في  حركة الجماعات البشرية والقبائل بين الحدود ، وهي  جماعات كانت تتحرك وتتنقل بحرية بين الحدود ،  وبعد أن تم رسم الحدود الدولية المتعارف عليها اليوم كانت هناك قبائل  تسكن على جانبي الحدود المشتركة ، وهي قبائل مترابطة ولها نفس الانتماء.

كما توجد في بعض الأحيان قبائل من قوميات  وأعراق أخرى تعيش في شكل أقليات  في أراضي لا تنتمي إليها   ،  ويمكن القول بان  نظرة مستقبلية بشئ  من التمعن تؤكد بان  استمرار تدفق أفواج المهاجرين غير الشرعيين ، والهجرات الوافدة  إلى ليبيا ، واستقرار الأفراد والجماعات في  مناطق جنوب ليبيا خاصة  سيخلق بلا شك مشكلة ديموغرافية في  المدى البعيد ،  إلا إذا استطاعت الدولة إن تضع إستراتيجية للتعامل مع المهاجرين لحماية أمنها القومي.

وهذا أمر ليس بالسهل في ظل ظروف ليبيا الحالية وعدم قدرة الدولة على تأمين الحدود الطويلة مع جيرانها  الأفارقة ،  والمشكلة الديموغرافية تشكل تهديدا للأمن والاستقرار  لأي  دولة، خاصة في  ظل تدخل أطراف خارجية وهي  تؤدى إلى الحروب المدمرة.

ورغم ذلك يمكن القول  بأن هناك عوامل قوة لصالح الدولة الليبية مع جيرانها الأفارقة ، ذلك التفاعل التاريخي والعلاقات التاريخية التي تجسدت بوضوح في القرن التاسع عشر مثلا ، ترسخ وتؤكد الحضور القوي للدولة الليبية فيما وراء حدودها ، حيث تعيش قبائل ليبية كثيرة هاجرت  الى تشاد والنيجر نتيجة أحداث سياسية تاريخية  ، كما توجد قبائل عربية أيضا.

وللعامل الاقتصادي أيضا دورا في ذلك ، وفي توثيق التفاعل بين ليبيا وجيرانها وترسيخ العلاقات التاريخية.

الجاليات الليبية في تشاد والنيجر

  • تشاد

تنتشر قبائل أولاد سليمان القادمة من ليبيا منذ عام  1842م ، مع جماعات أخرى من القبائل الليبية في إقليم بوركو وأنيدي وتيبستي، وفي أجزاء أخرى من تشاد  لاسيما في محافظة كانمبو شمال بحيرة تشادإن أبناء القبائل  الليبية على نحو خاص والعرب عموماً ينتشرون في جميع أرجاء تشاد، وإن كانت نسبتهم تزداد ارتفاعاً في المناطق الشرقية والوسطى والشمالية وحول بحيرة تشاد، وجنوب شرقي البلاد، وفي العاصمة أنجامينا، وهو ما يعني تمركزهم في محافظات: السلامات، البطحاء، شاري، باقرمة، ووادي، بوركو، تيبستي، قيرا، البحيرة، لوغون، شاري الأوسط، ويقل تركيزهم كلما اتجهنا نحو أقصى الغرب وأقصى الجنوب.

وتقدّر بعض المصادر الجالية العربية في تشاد عند الاستقلال في عام  1960م ، بحوالي 40 ألف نسمة يدينون بالولاء السياسي والديني لأراضيهم في ليبيا والسودان ، بينما ذهب الإحصاء الرسمي الذي أُجري للسكان في عام 1993م  إلى أن نسبة العرب هي 12.3% من مجموع سكان تشاد، أي: ما يعادل 774.761 ألف نسمة، من أصل سكان تشاد البالغ 6,193,538  مليون نسمة، وهذا كما اسلفنا القول يعد عامل قوة للدولة الليبية.

  • النيجر 

تعد الجالية الليبية في النيجر من أكبر الجاليات العربية الليبية الموجودة في الخارج بعد تشاد، إذ يبلغ عدد أفرادها المسجلين بسجلات القنصلية حوالي 6000 مواطن وفق إحصاء يعود إلى عقد السبعينات من القرن الماضي  ،  إلى جانب عدد كبير منها لم يتمكن من قيد أسمائهم لظروف مختلفة، ويتمركز ثقل هذه الجالية وكثافتها في الجزء الشرقي ، والشمال الشرقي من النيجر من منطقتي انقيرطي، وانقيقني ، وتعد قبيلة المحاميد من أشهر القبائل الليبية التي تستوطن في أراضي النيجر منذ أكثر من 160 عام .

4 البعد الاقتصادي

إن قدر ليبيا السعيد أنها أغنى من جوارها الإفريقي  في  تشاد والنيجر ،  وإذا نظرنا إلى العالم من حولنا سنجد بان الموارد الطبيعية المشتركة بين دول  الجوار تؤدى إلى مشاكل كثيرة وتصل حتى إلى تفجر  الصراعات والحروب ، وإذا نظرنا إلى الحرب العراقية الإيرانية في  عام 1981م  فان مشكلة  شط العرب والثروات التى يزخر بها  كان من أهم أسباب الحرب، واليوم قد لا نجد أي  موارد أو ثروات مشتركة في مناطق الحدود  بين ليبيا وكلأ من تشاد والنيجر، إلا إنه للعامل الاقتصادي تأثيره في رسم وجهة  العلاقات بين الدول ، في توثيقها والدفع نحو التعاون أو خلق الصراعات.

ان العلاقات الاقتصادية بين ليبيا وكل من تشاد والنيجر ليست وليدة القرن العشرين عندما تشكلت معالم الدولة الوطنية في ليبيا وفي جوارها الإفريقي  ، بل هناك إرث تاريخي وعلاقات اقتصادية متينة منذ أيام الدولة العثمانية ، ووقائع التاريخ في القرن التاسع عشر تؤكد ذلك . فقد  سعت السلطات الليبية خلال العهدين القرهمانلي والعثماني الثاني إلى تحقيق الإشراف الكامل على حركة تجارتها الخارجية مع بلاد السودان الأوسط والغربي، استكمالاً لتحقيق السيادة الفعلية الكاملة على مقومات تجارة العبور الليبية، والمحافظة على استمرارية شرايين التجارة الصحراوية عبر الأراضي الليبية، لاسيما تلك التي كانت تخضع لمنافسة شديدة لصالح خطوط النقل الأخرى عبر الأراضي الجزائرية بتأثير التدخلات الفرنسية.

ومنذ بداية القرن التاسع عشر رسم ولاة طرابلس سياساتهم التجارية على أساس الاتصال المباشر بمصادر الإنتاج والتجارة للسلع الأفريقية، وتنظيم حركة التجارة ومراقبة نشاطات التجار، وإبرام الصفقات  التجارية، وبهذا فقد تعددت أساليب السياسة الاقتصادية للدولة العثمانية تجاه المناطق الأفريقية ما وراء الصحراء، حسب مقتضيات تلك المرحلة ، ويمكن أن  نلقي نظرة على بعض السياسات في تلك الفترة كما يلي :

ـ تأمين خطوط التجارة الصحراوية

في  السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين  شواهد كثيرة يستدل بها على تحمل السلطات الطرابلسية مسؤولية ضبط حركة المرور على الطرق الصحراوية الممتدة آلاف الكيلو مترات التي كانت ترتادها حركة القوافل من غارات القبائل الصحراوية ، من البدو والطوارق والتبو في شكل كفالات وتعهدات واتفاقيات عقدتها السلطات الليبية ممثلة في حكام فزان مع زعماء تلك القبائل من أجل سيادة الأمن، واستتبابه في الربوع الليبية والأفريقية التي كانت من ضمن مسؤولية القبائل الصحراوية.

ـ تنشيط حركة التبادل التجاري

استمرت حيوية تجارة القوافل بين ليبيا والبلاد الأفريقية، فيما يلي الصحراء جنوباً في  فترات تاريخية قديمة محققة انتعاشاً ملحوظاً في منتصف القرن التاسع عشر حتى قرابة عام  1903م  في طرابلس، وفي عام  1911م  في بنغازي.

ولقد بلغت الحركة التجارية بين طرابلس والسودان أوج مجدها خلال العقد المحصور بين عامي  1872م -1881م ، حيث سجلت التجارة العابرة من السودان المصدّرة عن طريق ميناء طرابلس قيمة مقدارها أربعة ملايين وسبعمائة فرنك ذهبي، وانخفضت القيمة في العقد التالي إلى ثلاثة ملايين ومائتين ألف فرنك، أما في السنوات الأولى من القرن العشرين فقد تدنت إلى أقل من ثلاثة ملايين فرنك ذهبي.

وتركزت الواردات من بلاد السودان في عدة أصناف، هي: جلود الحيوانات، وريش النعام، والعاج، وغبار الذهب، واللبان، والشمع، والحُصر، والحناء، والرقيق، أما الصادرات فكانت: ملابس القطن، الحرير، الخرز، المرايات، التوابل، سروج الخيل، القهوة، الأسلحة والذخيرة، الزجاج، الورق، الشاي، السكر.

 وفي عهد القذافي أصبحت الدولة الليبية قادرة على أن  تتحرك اقتصاديا وبقوة في إفريقيا، كان ذلك نتيجة استخراج النفط وتصديره ، لقد منح النفط للدولة الليبية موارد ضخمة ، سنجد كثيرا من المساعدات التي قدمت للدول الإفريقية ، وأيضا سنجد كثيرا من المشروعات والاستثمارات الناجحة والأخرى الفاشلة في إفريقيا والتي خدمت أهدافاً سياسية لنظام القذافي أكثر مما كانت تمثله من جدوى اقتصادية ومردود يعود بالنفع على الدولة الليبية.  

يمكن القول أيضا بان الاستثمارات الليبية في كل من تشاد والنيجر كان تسجل حضورا قويا، وكان نظام القذافي حريصا على أن يكون له نصيب الأسد من الاستثمارات في دول جواره الأفريقي ، وليس بدوافع اقتصادية فقط، بل كانت هناك دوافع سياسية وأمنية .

ونحن هنا لسنا في محل استعراض العلاقات الاقتصادية بين ليبيا في عهد القذافي  وكل من تشاد والنيجر ، إنما نؤكد نقطة هامة وهي بان الجغرافيا وحقائق التاريخ قد فرضت على الدولة الليبية في عهد القذافي أن  تعزز من حضورها القوي سياسيا واقتصاديا في جوارها الإفريقي “.

ثانيا: دول الجوار الإفريقي .. السمات والخصائص

هناك عدة سمات وخصائص لدول الجوار الإفريقي لليبيا ، ومن المهم التطرق لها والوقوف على بعض الحقائق الهامة ، ولدول الجوار الإفريقي سمات وخصائص هي :

ـ دول الجوار غير رئيسية في النظام الدولي 

لا توجد بين دول الجوار الإفريقي لليبيا  أي  دول كبرى أو عملاقة في  مستوى الدول الكبرى في العالم والتي  تملك أن تؤثر فى النظام الدولي  بشكل رئيسي وفاعل،  وهذا الأمر يتعلق ببعض عوامل القوة التي تمنح أي دولة قدرة على التأثير   في النظام  الدولي، مثل القوة العسكرية وقوة الاقتصاد والسكان وغيرها .

ـ دول الجوار تنتمي إلى دول العالم الثالث

إن دول الجوار الإفريقي لليبيا  تعتبر  من دول العالم الثالث،  ووفقأ للمعايير الاقتصادية  الدولية فهي دول  يقل فيها نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي عن 500  دولار في  العام،  حسب تصنيف تقرير التنمية البشرية لعام   1993م، والذي  صدر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، جاء في التقرير  بان نصيب الفرد من الناتج القومي الإنمائي في تشاد  نحو  180  دولار في العام،  والنيجر نحو  310  دولار في العام.

تشاد والنيجر  تعتبر دول  تعاني  من تدهور في  أوضاعها الاقتصادية وصل  إلى درجة المجاعة في بعض الأعوام، وقد اعتبرتها منظمات الأمم المتحدة في بعض تقاريرها دولأ منكوبة.

 ـ دول الجوار ترتبط اقتصاديا واستراتجيا مع الدول الكبرى

 إن تشاد ذات علاقة وثيقة مع فرنسا ولديها عضوية في  منظمة الفرانكفونية، والنيجر  ترتبط مع بريطانيا بروابط قوية وتنتمي  إلى منظمة الكومنولث ، كما ترتبط بعلاقات وطيدة مع فرنسا أيضا. ومن الناحية الاقتصادية فان دول الجوار الإفريقي لليبيا مندمجة في  اقتصاديات الدول الرأسمالية الغربية.

تؤكد ذلك حركة تجارتها الخارجية، حيث غالبية صادراتها ووارداتها  ترتبط مع الدول الغربية، كما توجد شركات أوروبية وغربية لديها استثمارات ضخمة في كل من تشاد والنيجر، ومثال ذلك شركة اريفا الفرنسية في النيجر التي تهيمن على صناعة اليورانيوم.

ومن الناحية الإستراتيجية والعسكرية تؤكد القواعد الفرنسية في تشاد والنيجر، بالإضافة إلى القاعدة الأمريكية الجديدة في اغاديس شمال النيجر مدى ارتباط جيراننا الأفارقة بالدول الكبرى .

البقية في الجزء التالي بدأً بـ (ثالثا : تشاد والأزمة الليبية)

***

محمد عمران كشادة ـ باحث بمركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية  بتونس

_____________