Minbar Libya

ماذا بعد حادثة مقهى كازا في بنغازي؟

بقلم آمال سليمان العبيدي

ما حَدَث في مدينة بنغازي فيما عُرِفَ بحادثة مقهى كازا، واقتحام أحد الأجهزة التابعة لوزارة الداخلية بالحكومة المؤقتة، شرطة الأدابفي شرق ليبيا لتجمع فتيات في المقهـى وهو فضاء عام، يوم 27 ديسمبر 2018، شَكل رصيداً إضافياً لانتهاكات حقوق الإنسان وحقوق المرأة في ليبيا.

فما حَدث هو استمرار لعمل ممنهج بدأ منذُ أن وضِعَ السياج الحديديللفصل بين النساء والرجال في ساحة المحكمة ساحة الحريةفي مدينة بنغازي في فبراير 2011، واستمر سلب مكتسبات وحقوق المرأة التي ربطها البعض بالمرحلة الدكتاتورية، فيما رأى البعض الآخر أنها تتنافى مع قيم المجتمع الليبي وعاداته وتقاليده.

ولم يعترف هؤلاء عموما بأن هذه الاستحقاقات التي تحصلت عليها المرأة، هي نتيجة نضال مستمر للمطالبة بهذه الحقوق عبر الزمن، مَهدت له رائدات نهضة المرأة في ليبيا منذ أوائل القرن العشرين.

فعلى الرغم من أن الخطاب السياسي المُعلن خلال المرحلة الانتقالية الأولى لثورة فبراير عام 2011، أكد على أن المرأة في ليبيا هي شريكة في بناء الدولة كما كانت شريكة في الثورة، إلا أنه يمكن رصد العديد من الممارسات السلبية والمواقف العملية التي تبرز تغيراً واضحاً في مسألة الالتزام السياسي بقضية المرأة.

وبَرزت عديد المؤشرات التي شَكّلت جوانب مهمة في تحديد النظرة للمرأة وطبيعة دورها في ليبيا، خاصة ما يتعلق منها بمحاولات إقصائها، وسلب بعض المكتسبات التي تحصلت عليها عبر الزمن. من أبرز تلك المواقف:

ـ الخطاب الذي ألقاه السيد مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي بمناسبة التحرير يوم 23 أكتوبر 2011، حيثُ فاجأ الجميع بعدم حديثه عن استحقاقات مرحلة ما بعد التحرير وبناء ليبيا، وأعلن في أول خطاب تأسيسي لاستحقاقات الدولة الليبية بعد القضاء على نظام القذافي، بأنه يسقط حق المرأة في التوقيع على وثيقة تسمح لزوجها الزواج من أخرى. مضيفاً بأنه سيعمل على إستصدار قانون لا يمنع الرجل من تعدد الزوجات.

ظهر وفقاً لذلك في فبراير 2013 حكم الدائرة الدستورية العليا بالمحكمة العليا التي قضت بعدم دستورية النص الوارد في قانون الأحوال الشخصية رقم 10 لسنة 1984 بشأن الأحكام الخاصة بالزواج والطلاق وآثارهما والذي يشترط موافقة كتابية من الزوجة، أو صدور إذن من المحكمة“.

ـ طرد مقدمة برنامج الحفل الرسمي لتسليم السلطة من المجلس الوطني الانتقالي المؤقت إلى المؤتمر الوطني العام المنتخب، يوم 8 أغسطس 2012 بطرابلس، حيث طَلب السيد مصطفى عبد الجليل من مقدمة البرنامج احترام القيم الإسلامية ووضع غطاء على رأسها أو تخرج، ففضَّلت المقدمة أن تنسحب من تقديم برنامج الحَفل، واستُبدلت برجل ليواصل تقديم البرنامج.

تم نقل بعض تصريحات للشيخ مفتي الديار الليبية د. الصادق الغرياني منذ عام 2012، والتي تؤكد على سَعي دار الإفتاء لاستصدار قرار بمنع التعليم المختلط وفصل الذكور عن الإناث في مراحل التعليم المختلفة. علماً بأن التعليم الجامعي في ليبيا مختلط، إضافة إلى مرحلة التعليم الأساسي.

وتجدر الإشارة إلى أن مرحلة التعليم الأساسي خَضعت لسياسة التأنيث منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي. نتج عن هذه الدعوة هجوم بعض الأشخاص المنتمين لبعض التيارات المتشددة على مكتب وزير التعليم في الحكومة الانتقالية المؤقتة الأولى بطرابلس، مطالبين بفصل الذكور عن الإناث، وإلغاء تأنيث مرحلة التعليم الأساسي.

كما تجدر الإشارة إلى أن كثيراً من السياسات الإقصائية بدأ تطبيقها فعلياً دون قرارات، وتم فرض سلطة الأمر الواقع، ومُررت دون أية مواجهة مجتمعية عامة أو أية احتجاجات من النساء أنفسهن.

ثمة مخاوف أخرى تتعلق بمنع المرأة من الاستمرار في مجال القضاء. ويشار إلى أن بعض أعضاء المؤتمر الوطني العام حينذاك نُقل عنهم معارضتهم لتقلد المرأة لوظيفة قاضي، والبعض اتهم القاضيات العاملات بأنهن قاضيات القذافي“.

وبصفة عامة لم يصدر قرار رسمي بذلك، ونتوجس خيفة مع كل حركة قضائية من صدور قرار قد يمنع النساء من ممارسة هذه المهنة. علماً بأنه تم تشجيع المرأة في ليبيا منذ تسعينيات القرن الماضي للانخراط في مجال القضاء، ولم يكن يسمح في السابق بقبول النساء كقاضيات لأسباب ثقافية.

ولقد تأكد ذلك قانونياً في سنة 1976 وفق قانون نظام القضاء الذي نص في فقرته السابعة من المادة الثالثة والأربعين على أنهيشترط في من يولى القضاء أن يكون رجلاً لا تقل سنه بالنسبة إلى المستشارين عن خمس وثلاثين سنة، وبالنسبة للقضاء عن سبع وعشرين سنة“.

ولقد سمح للمرأة بممارسة الوظائف القضائية بموجب القانون رقم 8 لسنة 1989 بشأن حق المرأة في تولي المناصب القضائية حسب المادة الأولى منه. وتم وفقاً لذلك تعيين أول قاضيتين ليبيتين في سنة 1991.

ويمكن الإشارة إلى كثير من الانتهاكات المسكوت عنها والتي تمارس بحق المرأة كل يوم. منها تكرر حوادث القتل، والاغتيالات، والخطف، والإهانة للمرأة وانتهاك آدميتها. ولعل أبرز تلك الحالات قتل المحامية ونائبة رئيس هيئة الحوار الوطني السيدة سلوى بوقعيقيص على يد مسلحين قاموا باقتحام منزلها في بنغازي يوم 25 يونيو 2014، واختطاف زوجها. كذلك عملية اغتيال عضو الموتمر الوطني العام عن مدينة درنة السيدة فريحة البركاوي في مدينة درنة، وقتل الناشطة انتصار الحصائري في مدينة طرابلس، وغيرها من الحالات التي قُيد أغلبها ضد مجهول.

إضافة إلى ذلك محاولات الخطف والتهديد التي طالت بعض الإعلاميات والناشطات في المجتمع المدني، والأكاديميات، والقاضيات، والمحاميات، وغيرهن. نتج عن ذلك نزوحهن ومغادرتهن للبلاد.

كما يمكن الإشارة إلى صدور قرار يقضي بمنع النساء في المنطقة الشرقية حتى سن الستين من السفر بدون مُحرم، وتم تعديل القرار بعد الحملة التي استهدفته من قبل نشطاء المجتمع المدني وداعمي حقوق المرأة ليعدل بعد ذلك ليستهدف منع الجنسين دون سن الخامسة والأربعين من السفر دون الحصول على تصريح أمني.

 ومع تكرار تلك الحوادث، تتعاظم مخاوف النساء في ليبيا خاصة الناشطات منهن، من تزايد وتيرة الإقصاء والتهميش والتخوّف من سلب كثير من الاستحقاقات والمكاسب التي تحصلت عليها المرأة عبر الزمن نتيجة لعمل تراكمي دؤوب للمطالبة بتلك الحقوق.

كما يمكن ملاحظة ازدياد مخاوف المرأة من الإقصاء والتهميش في مختلف المجالات، خاصة في مواقع صنع القرار والمواقع القيادية، ومع تغول القبلية والشللية والمحاصصة المناطقية التي غالباً لا يكون للمرأة حضور فيها، يزداد التهميش والإقصاء للمرأة التي يمثل وجودها في القطاع العام أكثر من 70%، وفي التعليم العالي حوالي 65%، حيث بلغ نسبة التحاق الإناث بكلية الحقوق بجامعة طرابلس خلال العام الجامعي 2004-2005، ما نسبته 66% مقابل 34% من الذكور.

أما كلية الحقوق بجامعة بنغازي فقد بلغت نسبة التحاق الإناث بالكلية 65% مقابل 35%من الذكور.

أما المشاركة السياسية للمرأة في ليبيا، يمكن القول بأن نسبة تمثيل المرأة في مواقع صنع القرار، والمواقع القيادية بصفة عامة لم يتناسب مع نسبة تعليم المرأة ومشاركتها في جميع القطاعات.

ويمكن رصد تواضع نسبة تمثيل المرأة في المواقع القيادية حتى خلال فترة نظام القذافي، حيثُ لم يتجاوز حضورها في الجانب التشريعي 11%، وفي الجانب التمثيلي لم تتجاوز نسبة حضورها 2%.

 ولم يتغير الحال كثيراً بعد فبراير 2011، حيثُ كان تمثيل المرأة في المجلس الانتقالي الذي تأسس في مارس 2011، 2%، أما في المكتب التنفيذي الذي تشكل خلال الثورة ليكون حكومة إدارة أزمة، فقد ضم من بين أعضائه الخمسة عشر إمرأة واحدة فقط تقلدت دائرة الشؤون الاجتماعية بالمكتب التنفيذي.

أما في انتخابات المؤتمر الوطني العام الجسم التشريعي الذي تم انتخابه في يوليو 2012، فقد كان تمثيل المرأة فيه 16%، وتحصلت المرأة على 33 مقعداً، وكذلك الحال بالنسبة لانتخابات مجلس النواب التي انعقدت في يونيو 2014، حيثُ كانت نسبة تمثيل المرأة 16%، وتحصلت على 30 مقعداً. أما في انتخابات الهيئة التأسيسة لصياغة مشروع الدستور، فقد خصص للنساء عدد ستة مقاعد وزعت على بعض الدوائر الانتخابية تترشح لها النساء فقط

أما تجربة المرأة في المجالس المحلية، والمجالس البلدية تبدو متواضعة جداً. حيثُ توجد عضو واحد ممثلاً للمرأة في معظم المجالس البلدية والمحلية في ليبيا، على الرغم من أن القانون رقم 59 لسنة 2012 بشأن الإدارة المحلية لم يحد من مشاركة المرأة على المستوى المحلي.

ختاماً، على الرغم من الدور الذي قامت به المرأة في ليبيا خلال فترة الثورة كشريك حقيقي فيها، إلا أن الإقصاء والتهميش المتعمدين لها في مرحلة بناء الدولة بات واضحاً، وسيستفحل ما لم تتحرك النساء دفاعا عن حقوقها وعن وجودها.

***

آمال سليمان العبيدي ـ أستاذ مشارك بقسم العلوم السياسية، كلية الاقتصاد، جامعة بنغازي. أستاذ زائر لجامعة بايرويث، بألمانيا.

____________