Minbar Libya

بقلم أسامة عكنان

لم يكن المشهد الثقافي الليبي في فترة حكم القذافي في أحسن أحواله لأسباب كثيرة، إذ لم يَعِشْ أفضل أيّامه منذ سقوطه وحتى الآن كما قد يحلو للكثيرين أن يتصوروا أو يعتقدوا.

الجزء الاول

كان ذلك ليس بسبب الظروف السياسية والأمنية السيئة فقط، بل ولأن الشعب الليبي الذي كان يعيش في شرنقة من الكبت والخوف والتردد في كلِّ شيء، جعلته حالة الانفلات التي أعقبت مقتل القذافي يُخْرِجُ أسوأ ما فيه من سلوكات تُجَسِّد انطلاق المارد من قمقمه، لا بوصفه رسولا للتجاوب مع كوامن الخير في ذلك المصباح، بل بوصفه منتقما يستجيب لتوازع الشر فيه، رغبة منه في صبِّ جام غضبه على كل ما حوله.

لذلك فقد كان من المنطقي أن تكون المحصلة من كل ذلك انعكاسا لهذا المشهد الصعب والسريالي، وبالتالي فإن الأخبار الثقافية الليبية منذ 2011 بقيت قليلة قلّة الفعاليات الثقافية نفسها، وشحيحة المضمون شُحَّ التناغم والانسجام الداعي إلى الحرية التي تعتبر البيئة الخصبة للإبداع الثقافي عامة.

وإذا كان ثمّة من حراك ثقافي ما، فمن المؤكّد أنه سيضيع في زحمة أخبار العنف والدمار والتجاذبات السياسية التي تشهدها الساحة الليبية منذ سنوات.

مقدمة:

في هذا السياق المحتقن، استوقفتنا بعض نماذج الفعل الثقافي الفني التي تصب في هذا الاتجاه، من تلك التي شهدتها الساحة الليبية منذ سقوط القذافي وحتى الآن، وجدنا أن الحديث المُرَكَّز عنها يُعَدُّ مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مسؤولية فنية أو معرفية، بسبب أن فيه – أي في الحديث عنها – ضربا من ضروب توثيق المشهد الثقافي في ليبيا في هذا الوضع المترنِّح، على شحِّ مُخرجات هذا المشهد من جهة، وبسبب أن فيه من جهة أخرى نوعا من التحدي لتداعيات الحالة الأمنية والسياسية الصعبة. ومن هذه النماذج التي استوقفتنا، اخترنا لهذا المقالنموذجين الأول مسرحي، والثاني سينمائي.

أولا: النموذج المسرحي

إن المشهد المسرحي جزءٌ من المشهد الثقافي العام، ومن ثم فهو يواجه الأسئلة ذاتها حول الواقع والمعرقلات والمستقبل والمصير، بل ربما كانت الأسئلة ذاتها عندما تنصب حول المسرح تبدو أكثر حدة وعمقا في الوقت ذاته.
وبما أن حركة الفن الرابع” – المسرح – هذه تتطلّب شروطاً يصعب توفيرها في ظل الظروف الراهنة، وبسبب كونها تعتبر البداية والمنطلق لأيِّ فن درامي فيما بعد، إذ لا يمكن أن تنشأ كلٌّ من السينما والدراما التلفزيونية إلا من قلب الدراما المسرحية، وبأيدي وسواعد المسرحيين ابتداء.

، المسرحيون إذاً يحاولون القفز من الخشبة الصغيرة في مواجهة جمهور يشاهد الممثل مباشرة، إلى الخشبة الأكبر في مواجهة جمهور يشاهد الصورة المتحركة، سواء ذهب إليها هو حيث هي في السينما، أو جاءت إليه هي حيث هو لتطل عليه عبر شاشة التلفزيون.

ولهذه الأسباب كان المسرح في ليبيا محورا رئيسا لسؤال طُرح في ندوةٍ بعنوان المسرح الليبي.. حاضره ومستقبله، نُظّمت ضمن فعاليات الدورة الـ 49 من معرض القاهرة الدولي للكتاب التي انطلقت فعالياته مطلع عام 2018.

طرح المشاركون في الندوة الكثير من الأسئلة حول العقبات التي تعترض طريق المسرح الليبي، وواقع حرية التعبير وقضايا النص والرقابة والمجتمع.

بينما تساءل رئيس الندوة، عبد الله السويد، عمّا إذا كانت ليبيا تمتلك من الإطارات ما يؤهّلها لإحداث نهضة مسرحية، وكان هذا السؤال والمحور النقاشي الذي انبثق عنه، من أهم ما أثار اهتمام وانتباه المشاركين والحاضرين.

وفي قلب الإجابات المتعددة على هذا السؤال رأىعبد الحميد المهديأن المسرح الليبي يتعرَّض لمحاولات هدم مستمرة من قِبل من قال إنهم يكرهون المسرح والفن، ويحاولون القضاء عليهما، داعياً إلى إنقاذه من هذه الجريمة التي تستهدفه، من خلال تأسيس مبادرات حقيقية لإحياء الحركة المسرحية، مشيراً إلى أن المسرحيِّين الليبيين طالما دفعوا ضريبة نضالهم ضد الفساد والظلم والاستعمار، ومن ثم فإن من مظاهر استمرار نضالهم ضد كل ذلك حرصهم الدؤوب على إنقاذ المسرح الليبي من هذه الجريمة.

وهنا يؤكد المهديوآخرون على أن المعضلة الحقيقية لهذا المسرح بل ولأي مكوِّن من مكونات الفن والثقافة في ليبيا، تكمن لا في المعرقلات المادية، وإنما في المعرقلات الذهنية، لأن الأُولى هيكلية، يعتبر التعاطي معها أمرا سهلا إذا كانت المعضلة في سياقها الذهني البنيويمحلولة.

أي أن على المتعاطين مع الشأن المسرحي في ليبيا النضال باتجاه جعل الذهن الليبي ذهنا يتقبل المسرح، ويتقبل الفنون عموما باعتبارها تجسيدا لإنسانيته، وباعتبارها الجسر الذي يمكن لليبيته أن تَعْبُرَه لتُعَبِّرَ عن نفسها أمام العالم.

فضلا عن ذلك، فإنّ عبد الحميد المهدي يرفض ما اعتاد الكثير من المخرجين المسرحيين الليبيين على اعتباره شماعة يبررون بها ويعلقون عليها ضَعْفَ المسرح الليبي بعزو المسألة إلى ما يعتبرونه أزمة نص“.

فالمهدي يعتبره ادعاءً مفرغا من أي مضمون، إذ لا وجود في نظره لأزمة نص مسرحي إلا في عقول المخرجين الأغرار الذين لا يحبون أن يقرؤوا.

وفي تحليله لظاهرة ادعاء غياب النص المسرحي الذي يؤسس لنهضة مسرحية في ليبيا، نجده يعود إلى تحليل الظاهرة تاريخيا عندما يقول أن كلمة الدراما في أصلها اليوناني تعنى الكلام المتزامن مع الحركة، وهذا النوع من الأدب البصري لم يعرفه العرب، وإنما عرفوا وعشقوا الفنون السمعية، إذ أن ذوق الإنسان العربي هو في الأصل ذوقٌ يعتمد على حاسة السمع لا على حاسة البصر، وذلك كنتيجة لولعه الشديد بالشعر الذي كان في الأساس شعرا غنائياً وجدانياً وليس حكائياً درامياً.

وقد تجسَّد هذا الولع في ظاهرة ثقافية تاريخية شهيرة هي سوق عكاظالذي كان مجرد مباراة كلامية يُشَنِّف فيها الناس أسماعَهم بأحلى الكلام، شعراً كان أم نثراً، ثم شاع فن النثر عن طريق رواة أخبار العرب، وفي العصر العباسي ظهر أدب المقامات، مثل مقامات بديع الزمان الهمداني، ومقامات الحريري، ومقامات الزمخشري، وهي جميعها تسعى إلى متعٍ سمعية، لا مكان للمتعة البصرية فيها، وإن كانت تخلِّق نوعا من المتعة التخيلِّيَّة التي لا يستهان بها، لأن الفن المسموع والمقروء، أكثر قدرة على شحذ الخيال من الفن المرئي.

وعندما استورد العرب المسرح في وقت لاحق بفضل احتكاكهم بالحضارة الغربية التي تركز كثيرا على المتعة البصرية التي أدت إلى انتشار وذيوع الفن التشكيلي وإلى الاهتمام بالدراما المسرحية، جعلوه مسرحاً غنائياً يحفل بالشعر قبل سواه، فلا غرو إذن إن افتقد المسرحيون العرب التركيز على القيمة البصرية في أعمالهم الدرامية، وانشغلوا بالتالي بالموضوع أكثر من الانشغال بطريقة العرض وفق حِرَفِيَّة المسرح.

في هذا السياق ورداً على من يُعزي أزمة المسرح العربي إلى غياب النص، يتساءل بعض المختصين في المسرح تأليفا ونقدا وعلى رأسهم عبد الحميد المهدي“:

الأول: ما هو النص الذي يبحث عنه الأساتذة المخرجون ولم يجدونه في كتاب الدراما العربية؟ إن القول بغياب النص ليس سوى تبرير للتكاسل وعدم الاطلاع، والافتقار لشهية القراءة، ولو أن شهية القراءة عند المخرجين العرب كانت مفتوحة لما قالوا هذا القول.

لقد حفلت صحف ومجلات ومؤسسات عربية بنشر وترجمة وطباعة عدد غير قليل من المسرحيات العربية والعالمية، فأين ذهب هذا الكم الهائل من المسرحيات إذن؟

الثاني: في مطلع السبعينات من القرن الماضي ظهرت فكرة التأليف الجماعي، وهو أن يبدع المسرحيون نصوصاً ارتجالية ثم يعيدون صياغتها حسب معايير وشروط الدراما. وهذه أيضا وسيلة جيدة لتوفير النص المناسب للفرق المسرحية.

الثالث: ثمة حالياً نظرية تدعو إلى التمرد على المؤلف المسرحي وتحرض رجال المسرح على إيجاد نصوصهم الخاصة التي تستجيب لفكرهم وقدراتهم وإمكاناتهم. وعليهم أن يفعلوا.. وعندئذ سيتضح لهم أن غياب النص كذريعة لادعاء ضعف المسرح ليس سوى أكذوبة.

يتبع في الجزء التالي بدأً بـ (تحليل المشهد المسرحي مسرحية أحوال حايلة)

***

أسامة عكنان ـ كاتب أردني

__________________