Minbar Libya

بقلم آنا بورشفسكايا و كاثرين كليفلاند

تُعتبر منطقة الشرق الأوسط رابطة موسّعة للنفوذ الروسي، مما يشكل تحد للاستقرار الإقليمي والمصالح الأمريكية على حد سواء.

وفي ضوء ذلك، يصبح الفهم الدقيق لخفايا استراتيجيات موسكو، بما فيها التلاعب بالمعلومات، أمراً حيوياً.

الجزء الرابع

ما بعد “روسيا اليوم” و “سبوتنيك”

إن المصلحة الروسية في تحديد معالم الرسائل في وسائل الإعلام العربية تتجاوز على الأرجح روسيا اليومو سبوتنيكلتمتد إلى الإنترنت الأوسع نطاقا. وبالتالي، خصّصت وسائل الإعلام المستقلة الناطقة باللغة الإنجليزية مصادرة كثيرة لفهم منحنى آخر في وسائل الإعلام الحكومية الروسية: إعادة تقديم تقارير روسيا اليومكمقالات مستقلةلا يمكن ربطها بسهولة بالبرنامج الروسي.

وتظهر ثلاثة أمثلة الفعالية المحتملة لهذا التكتيك. وتفتخر ريد فيشبنفسها على أنها جماعة مستقلة مقرها في برلين تعنى بالتوثيق مخصصة لكشف مؤامرات ونفاق الدولة على الصعيد الدولي، ولكن مع التركيز على الدول الغربية. كما أثبت برنامج إن ذا ناوالحواري نفسه في وسائل التواصل الاجتماعي.

فموقعا فيسبوكو تويترالتابعان له قدّما محتوى مصمما لاستقطاب جيل الألفية، مكررين الانتقادات الحرة الشعبية لسياسة التوسّع وتدخل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وفي حين أنها تختلف تماما من حيث التصميم، إلا أنه كان لدى المركز الإعلامي السوري والنية نفسها: توفير تغطية موالية لروسيا والأسد للأحداث السورية تحت ستار عدم التحيز. كما برز هذا النموذج في البلطيق حيث ظهرت وسائل الإعلام الممولة من الكرملين وكأنها مستقلة.

وفي كل مناسبة، كشف الصحفيون الناطقون باللغة الانجليزية العلاقات بين هذه المؤسسات المستقلة ظاهريا وتمويل الحكومة الروسية. وبالتالي من المنطقي الافتراض أن هذه الأنواع من وسائل الإعلام المستقلةموجودة باللغة العربية أيضا، مما يبرر تحقيق أعمق لتأكيد حالات معينة.

وتجدر الإشارة إلى أن لإثنين من الأمثلة الثلاثة برعاية روسية ـ إن ذا ناوو المركز الإعلامي السوريـ اهتمام خاص في سياسة الشرق الأوسط. فضلا عن ذلك، خلص تقرير صدر في الآونة الأخيرة إلى أنه في أعقاب الهجوم الكيمياوي الذي نفذه النظام السوري في 7 أبريل 2018 في دوما، تمّ نشر أقلية ملحوظة من الروايات الموالية للأسد على تويترمن قبل جهة حكومية منسقة بشكل جيد وذات تركيز ضيق، وبالتأكيد الإتحاد الروسي“.

وعلى نحو مماثل، يمكن لوسائل الإعلام المستقلة ظاهريا ولكن المتعاطفة الاعتماد على روسيا اليوم العربيةمن أجل المحتوى. وتظهر مقارنة وسيلتين إعلاميتين أعادتا نشر مقال في أغسطس 2018 “واشنطن تحذّر طهران من الخطأ الأكبر كيف أن نسخةروسيا اليوم العربيةتظهر من جديد على مواقع أخرى ناطقة بالعربية.

ومن جهة أخرى، تعيد مدونة أخبارنشر المقال الرئيسي وكأن آت مباشرة من روسيا اليوم، مع الإبقاء في الوقت نفسه على إسناد المصدر الاصلي لـ روسيا اليوم العربيةإلى رويترز“. وفي المقابل، يعدّل الموقع الإخباري اللبناني اللواءالعنوان ويزيل أي ذكر لـ روسيا اليومنفسها، إلا أنه يترك متن النص دون تغيير.

وهنا، يشير الاقتباس من رويترزكمصدر إلى أن المحتوى مأخوذ مباشرة من رويترزنفسها، وليس من روسيا اليوم العربية“. كما توضّح شراكة سبوتنيكالأخيرة الإهراموالعلاقة التكافلية لـ روسيا اليوم العربيةالمشار إليها سابقا مع وسائل إعلام حكومة الاسد، أن روسيا اليوم العربيةو سبوتنيكتعملان بجهد لتوسيع نطاق انتشار موادهما في المنطقة وفي مصر على وجه التحديد. علاوة على ذلك، يشير تقرير مطوّل صدر في الآونة الأخيرة عن التلاعب بالمعلومات في موسكو إلى أن نطاق وسائل الإعلام التي تنشر عقيدة الكرملين، وفي بعض الأحيان من دون قصد، تواصل توسعها“.

الحكم على نجاح موسكو

أظهرت موسكو التزاما متسقا بالوصول إلى الجمهور الناطق بالعربية، حتى أكثر مما سعت فيه إلى الجمهور الغربي، وهذا ليس من أجل التقليل من أهمية تركيز الكرملين على الجمهور الغربي، لكن التركيز الواضح على الشرق الأوسط منذ البداية غاليا ما لا يتم الإبلاغ عنه. ولكن إلى أي مدى نجح ذلك؟ وما هو التعريف الأنسب للنجاح؟

إن النقاش العام بشأن نجاح الحملية الدعائية والتلاعب بالمعلومات من قبل موسكو قديم العهد. ويعود أساسا إلى الحرب الباردة على الأقل ويبقى دون تغيير نسبيا حتى يومنا هذا. ولا يزال التقييم الدقيق بمثابة تحد. ولا تعتبر الإحصاءات بشان عدد المشاهدين وحدها، التي تمت مناقشتها في فقرات سابقة، بالضرورة مؤشرا جيدا على النفوذ، ولكنها تقدم معلومات معمقة مفيدة كما تفعل الروايات والدراسات النوعية. وإذا ما أخذت هذه المعلومات سوية، فهي تعطي إحساسا عاما عن تأثير روسيا اليومو سبوتنيك عربي“.

وكما اشرنا سابقا، يوفّر الشرق الأوسط أرضا خصبة لأجندة الكرملين ـ وهي مكوّن رئيسي لنجاح موسكو. واستنادا إلى أحدث استفتاء للشباب العربي، وهو استطلاع سنوي للفئات العمرية المتراوحة بين 18 و 24 عاما في أرجاء المنطقة، يعتبر 20% من المستطلعين أن روسيا حليف بارز، متخطية الولايات المتحدة للسنة الثانية على التوالي.

ويشير بحث أُجري مؤخرا حول التلاعب بالمعلومات إلى أن مساعي الحملة الدعائية تميل إلى تعزيز وجهات النظر القائمة بدلا من تلك الجديدة، وربما يساعد فهم موسكو للاستعارات الموجودة في وسائل الإعلام العربية التقليدية في تعزيز وجهات النظر المؤيدة للكرملين، والتي لا يمكن إلا أن تلحق الضرر بالمصالح الأمريكية.

ومع ذلك، فإن موقعا لا يحتاج إلى الشعبية ليكون ناجحا ـ عليه فقط أن يكشف لبعض الأفراد الرئيسين عن أفكار محددة يمكن أن يعيدوا نشرها. وفي بعض الأحيان، يكون الهدف قسما فرعيا ضئيلا من إجمالي المشاهدين المحتملين: وكما خلص تقرير طويل صدر مؤخرا حول التلاعب بالمعلومات، إن عدد المشاهدين لا يأخذ في الحسبان طبيعة هؤلاء المشاهدين: فرسالة تصل إلى 2% فقط من السكان قد يكون لها أثر ملحوظ إذا كانت هذه النسبة عنيفة ومستعدة للتحرك“.

وقد لا يولي الكرملين أولوية للتحريض على العنف، ولكن إذا وصلت رسالته إلى النخبة، فقد يكون لها أهمية أكبر من وصولها إلى شريحة كبيرة من الجمهور ـ وهذ هي الطريقة التي ربما يعرّف فيها الكرملين النجاح، فضلا عن ذلك، تقدم مخرجات روسيا اليوم العربيةو سبوتنيك عربيوجهة نظر واضحة ترتبط مباشرة بمصالح موسكو في المنطقة، ويسهل للقراء فهمها وفي الحالات الارتباط بها.

ويشير الباحثون أيضا إلى أن المعلومات، سواء قَبِلَ القارئ صحتها أم لا، يمكن أن تساعد على تحديد معالم الفهم المستقبلي للأحداث. كما أن تحوّل وسائل التواصل الاجتماعي من فسحة التواصل الشخصية إلى مصدر رئيسي للأخبار ساعد على فصل المعلومات عن مصدرها. بالإضافة إلى ذلك، يركّز الكرملين بوضوح على وسائل التواصل الاجتماعي وطفرة الشباب في العالم العربي، مما يشير إلى لعبة أطول أمداً مع جهود قد تؤتي ثمارها في المستقبل.

وحيث أن وسائل الإعلام المطبوعة وشبكات البث تضع المعلومات ضمن السياق الروائي لناشرها أو منتجها، يتم الآن مشاركة المقالات الفردية أو حتى ملخصات المقالات ـ مثل الرسم البيانية ـ بسرعة وسهولة أكبر أو إعادة نشرها على غرار مخططات المعلومات البيانية ـ من دون الترويج للمستخدم الأصلي. ويمكن أن يحصل على عدم الترويجهذا بشكل طبيعي: قارئ يقتبس إحصائية عبر الإنترنت تمت قراءتها في مكان آخر، أو موجهة من هدف أيديولوجي، مصادر إخبارية أصغر تصف نفسها بالمستقبل، ولكن تعيد نشر مقالات حرفية من مصدر حكومي.

وكما تشير دراسة حديثة لـ مؤسسة راند، فإن الانطباعات الأولى تتسم بالمرونة الشديدة وفقا لعلماء النفس، وبما أن وسائل الإعلام الدعائية لا تهتم بالحقيقة، فإن قدرتها على النشر بسرعة ومن دون التحقق من الوقائع تميل إلى صبغ انطباعات الجمهور الأولى. فضلا عن ذلك، وكما توضح الدراسة نفسها، ينجح الكرملين في استخدام ما يدعى بالروايات المجمعة، التي تجمع حججا متناقضة ولكن متعددة من خلال مصادر متنوعة وبأحجام كبيرة.

وحتى إن لم يحقق استثمار الكرملين الخاص في الجمهور الناطق بالعربية عائدا نسبة إلى الجهود المبذولة، فإن الاستثمار المستمر في وسائل التواصل الاجتماعي التي تصل إلى الشباب العربي يشير إلى أنه يمكن لهذا الجهد أن يؤتي ثماره في نهاية المطاف.

إن محاولات وسائل الإعلام الإخبارية للترفيه ليست بجديدة على الإطلاق: فالعناوين الحماسية، أو الصور المروعة، أو فضائح روايات الجريمة تعكس محاولات قديمة لإثارة اهتمام متابعي وسائل الإعلام. ومع ذلك، فإن الحملات الدعائية ـ غير المقيدة بالحاجة إلى فصل الواقع عن الخيال ـ ستزدهر أكثر ببساطة في بيئة إعلامية قائمة بشكل متزايد على مقاييس قيمة الترفيه.

وهذا صحيح في الشرق الأوسط، والولايات المتحدة، وأماكن أخرى. ولكن في منطقة الشرق الأوسط على وجه التحديد، فإن هذا التطور لوسائل الإعلام يجعل من الاسهل نجاح الحملة الدعائية الروسية. ولا يجب أن يستخف الغرب بهذا التأثير باعتباره غير منطقي.

التوصيات في مجال السياسة العامة

إن البحث عن الحقيقة يدعم جميع الأنظمة الديمقراطية، بما في ذلك الإقرار بأن الحقيقة يمكن أن تكون معقدة ولها زوايا مختلفة. وكما أشار أرتش بودينغتون، باحث متميز في دراسات الديمقراطية في فريدم هاوس، هناك مفارقة في الطريقة التي تساهم فيها بعض عناصر الأنظمة الديمقراطية في الحملة الدعائية والتلاعب بالمعلومات. وصوّر الأمر كالتالي: “إن المقترحات التي تشير إلى أنه لا يوجد شئ يدعى حقيقة موضوعية، وأن التاريخ ليس سوى مسابقة بين روايات متنافسة، تدين بشعبيتها إلى واضعي النظريات المتطرفين وحتى إلى بعض الصحفيين“.

ويمثل هذا الموضوع تحديا دوليا متزايداً. وبالفعل، حذّر المنتدى الاقتصادي العالميفي نوفمبر 2013 من أن الانتشار السريع للمعلومات المضللة عبر الإنترنتكان منحى عالميا رائدا، ومع ذلك تمثل منطقة تحدياتها الفريدة الخاصة بها.

في ما يلي توصيات في مجال السياسة العامة بشأن مكافحة الدعاية والتلاعب في المعلومات التي تقوم بها روسيا في الشرق الاوسط:

ـ عدم صرف النظر أو التقليل من شأن التهديد الذي يطرحه التضليل الروسي في المنطقة. إدرسوه وقيّموه. ومن الصعب قياس التهديد، مما يعزز أسباب مراقبته ودراسته على أساس منتظم. وستكون مثل هذه الدراسة والتحليل المعتمدان أساسيين في تقييم التهديدات الأكثر دقة التي يمكن أن تسهّل وجود الردود المناسبة واستراتيجيات التواصل الأكثر فاعلية ـ وهي الاستراتيجيات التي لا يتخذ الغرب دائما موقفا دفاعيا تجاهها.

ـ الاستثمار في تدريب أوسع نطاقا للصحفيين في المنطقة. بالنسبة إلى صحفيي التحقيقات والمواطنين، برزت العديد من المصادر التعليمية عبر الإنترنت خارج مدارس الصحافة التقليدية، رغم أنها مختلطة من حيث الجودة. وفي حين أنه تم تطوير العديد من الجهود لتوعية صحفيي المواطنين في الدول الناطقة بالإنجليزية، فإن إمكانية النفاذ واللغة تشكل حواجز أمام تطبيقها على نطاق أوسع. ويمكن العمل على تعزيز برامج التدريب القائمة في المنطقة وتحسين النفاذ إلى الأدوات الخارجية على حد سواء أن يساعد على رفع سقف المعايير والتوقعات بالنسبة إلى وسائل الإعلام.

ـ بث رسالة امريكية واضحة في المنطقة، يتمثل أحد أسباب جاذبية روسيا اليومو سبوتنيكفي بساطتهما. وغالباً ما تكون وسائل الإعلام الغربية خائفة للغاية من التعبير عن وجهة نظر أمريكية واضحة، دون تقديم اعتذارات، سواء بشأن الطبيعة الإجرامية لنظام الأسد أو الخطر الذي تطرحه أنشطة إيران التخريبية في المنطقة.

وكما كتب الخبير في الشؤون الروسية كير جايلز، يمثل مطلب التوازن التحريري في الغرب مشكلة: “النتيجة لهذا المطلب، على سبيل المثال، حتى تقرير يعدّه مراسل دبلوماسي محترم يشرح فيه طبيعة الحرب الهجينةيجب أن يتضمن ست فقرات عن الرفض الروسي، التي تدعي أن المفهوم ككل هو مجرد إفتراء يرمي إلى تشويه سمعة روسيا“. يجب أن يكون الوضوح الاستراتيجي والأخلاقي هو المرشد.

ـ التفكير على المدى الطويل، غالبا ما يكون للحملة الدعائية والتلاعب بالمعلومات أثار تراكمية، حتى لو كانت بعض العمليات قصيرة الأمد وعبارة عن استجابة للأحداث الفورية، على غرار القصص بشأن الخوضات البيضاء. ويتمثل التحدي على المدى الطويل في محاربة التدهور البطئ للقيم، وخلق الانقسامات واستدامتها، وتصاعد التوترات، والأسوأ من ذلك. الكرملين باقٍ في هذه اللعبة لفترة طويلة، وعلى الغرب أن يحذو حذوه ايضا.

***

المؤلفتان تشكران لورا فريدريكس وجودي القنيبط على مساعدتيهما البحثية المفيدة.

***

 آنا بورشفسكايا ـ هي زميلة أقدم في معهد واشنطن، حيث تركز على سياسة روسيا تجاه الشرق الأوسط. وهي طالبة دكتوراه في جامعة جورج ميسون، وزميلة في المؤسسة الأوروبية للديمقراطية“. ويتم نشر تحليلاتها على نطاق واسع في فورين أفيرز، ذي هيل، ذي نيو كريتوريون، ذي ميدل إيست كوورترلي، و فوربز“. وهي مؤلفة دراسة المعهد لعام 2016، روسيا في الشرق الأوسط“.

 كاثرين كليفلاند ـ هي زميلة أقدم في معهد واشنطن ومحررة منتدى فكرة“. وقد حصلت مؤخراً على درجة الماجستير في دراسات الشرق الأوسطمن جامعة شيكاغو“.

____________