Minbar Libya

بقلم محمد عمران كشادة

تحت عنوان النيجر بوابة واشنطن لاقتحام مراكز نفوذ فرنسا في أفريقيا ” . نشر تقرير في صحيفة العرب اللندنية جاء فيه : “تشهد منطقة الساحل الأفريقي صراع نفوذ محموم بين الولايات المتحدة كقوة عالمية وفرنسا كقوة استعمارية سابقةفي المنطقة، إذ تتسابق القوتان إلى توسيع تواجدهما في المنطقة الاستراتيجية الغنية بالثروات الطبيعية.

الجزء الثالث

ثالثا : تشاد والأزمة الليبية

يمكن القول بان تشاد دولة غير صديقة للثورة الليبية ، وهي حليف لنظام القذافي ، وتصريحات الرئيس التشادي إدريس ديبي دليل على ذلك ،  في مقابلة  مع صحيفة لوفيغارو اليمينية الفرنسية قال ديبي : ”  إن ليبيا   قد تنفجر في وجوهنا  بسبب تحولها الى قاعدة للإسلاميين  المتطرفين كافة.

إنها  تصريحات  لا تبين فقط حقيقة عداء تشاد  للإسلاميين ، بل تؤكد تهويل تشاد لحجم  الخطر القادم من ليبيا والذي يستهدف دول الجوار ، استخدام فزاعة الإرهاب ، خاصة الإرهاب في فزان والادعاء بأنها أصبحت ملاذ امن للإرهابيين.

في عام 2014م   قوات تشادية تتوغل  إلي داخل الأراضي الليبية في الجنوب وتتمركز  في منطقة كوريدي ،  جاء ذلك على لسان  خالد الشريف وكيل وزارة الدفاع بحكومة الإنقاذ الوطني وقتها ،  الذي اعتبر بان دخول القوات التشادية  إلي الأراضي الليبية  يعد انتهاك للسيادة الوطنية  وان الدولة الليبية لديها القدرة والإمكانيات للرد على ذلك الاعتداء  وحماية أمنها.

تشاد بين الحين والآخر تعلن بان قوات المعارضة تتمركز في ليبيا وإنها تشكل خطرا على أمنها ، لذلك لن تتردد في انتهاك السيادة الليبية مستغلة انهيار الدولة وانشغال الليبيين بصراعاتهم.

نحن نعلم بان نظام إدريس ديبي حليف قوي لفرنسا ، وانه هناك اتفاقية دفاع مشترك موقعة بين فرنسا  وتشاد في عام 1960م ، كما أنّ انجامينا تحتضن قاعدة عسكرية جوية فرنسية.

في فبراير  عام  2008م   بعد  الهجوم الذي شنته قوات المعارضة التشادية على العاصمة انجامينا في محاولة لإسقاط نظام إدريس ديبي، لم تتردد فرنسا في إظهار دعمها للرئيس ديبي   حيث جاء   وزير الدفاع الفرنس ايرفيه موران  إلى انجامينا لإعلان دعم باريس له ،  وقال وزير الدفاع الفرنسي للصحافيين : ” إنه يحمل  رسالة سياسية إلى الرئيس ديبي  تؤكد دعم فرنسا ورغبتها في أن تحتفظ تشاد بوحدتها “.

وأضاف موران قائلاً : ” بأنه كرر أمام الرئيس إدريس ديبي   دعم الحكومة الفرنسية لحكومة تشاد الشرعية وتصميم فرنسا على صون سلامة أراضي هذا البلد واستقراره” .  

 في أواخر  عام  2014م   وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان  يزور القاعدة الجوية الفرنسية في انجامينا وبمناسبة عيد رأس السنة ، ويدعو  المجتمع الدولي إلى التحرك  لمنع قيام  ملاذ آمن للإرهابيين  في  ليبيا    سيزعزع على حد وصفه  استقرار المنطقة برمتها ويهدد أوروب “.

ويقول أيضا :إن  ما يجري في ليبيا  في ظل الفوضى السياسية والأمنية  ليس إلا انبعاث ملاذ إرهابي في المحيط المباشر للقارة الأوروبية،  وأضاف قائلاً : ” إن  المجتمع الدولي سيرتكب خطأ جسيما إذا ما بقي مكتوف الأيدي أمام قيام مثل هكذا ملاذ للإرهاب في صميم البحر المتوسط  ، هذا أمر لا يجب القبول به“.

إن تطابق وجهات النظر والمواقف السياسية تجاه الأزمة الليبية بين تشاد وفرنسا ، تجعلنا نشعر بان تشاد لن تتردد في إرسال قوات عسكرية إلى فزان ، أو أي منطقة في الجنوب الليبي إذا طلبت منها فرنسا ذلك.

   رأينا كيف أرسل إدريس ديبي قواته إلي شمال مالي للمشاركة في الحرب ضد الإرهاب كما دخلت القوات التشادية إلي شمال الكاميرون و نيجيريا لمواجهة جماعة بوكو حرام التي احتلت مدينة باجا في شمال شرق نيجيريا  على ضفاف بحيرة تشاد.

تشاد تدعم كل الجهود الفرنسية في المنطقة ، وتتحرك عسكريا لدعم فرنسا وهذا مصدر قلق بالنسبة لنا في ليبيا. ويمكن القول بانه سياسيا ودبلوماسيا كان لتشاد نصيب من اهتمام أطراف الصراع في ليبيا، نظرا لأنها من دول الجوار وعند حدودنا الجنوبية.

في 18 أكتوبر 2018م  خليفة  حفتر يزور  أنجامينا ‏عاصمة تشاد  ويلتقي  بالرئيس إدريس ديبي ، وحسب ما هو معلن من أهداف الزيارة إنها  لبحث العلاقات الثنائية والأمنية بين البلدين، خاصة الأوضاع الأمنية في الجنوب الليبي ، وأيضا الأوضاع السياسية في ليبيا .

في 25 أكتوبر 2018م   قام  السيد فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني  بزيارة الى تشاد  والتقى بالرئيس  إدريس ديبي ، وقد تناول   اللقاء  العلاقات الثنائية بين البلدين والبحث عن حل للأزمة الليبية ، كما تم مناقشة تداعيات الأزمة  الليبية  على  منطقة الساحل والدول المجاورة لليبيا.

وقد أدان فائز السراج  عمليات التهريب الغير مشروع بشتي أشكاله الذي تقوم به الجماعات الإرهابية وعصابات المرتزقة في ليبيا ، واعتبر ذلك   تهديدا حقيقيا للسلام والاستقرار في منطقة  الساحل  ، ودعى إدريس ديبي  الفرقاء السياسيين الليبيين  الى حل الأزمة داخليا ،  وعدم الاعتماد على الحلول الأجنبية التي تأتي دائما بأجندتها والتي لا تخدم مصلحة الشعب الليبي .

رابعا : النيجر والأزمة الليبية

لا تختلف مواقف النيجر المعلنة من الأزمة الليبية عن موقف تشاد جارتها.   رئيس النيجر محمد يوسفو  أعلن عن دعم بلاده لحكومة الوفاق في ليبيا، ودعمه للمصالحة  الشاملة التي أعلن  عنها  السراج أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أنه كثير الحديث عن وجود الإرهاب في فزان، وأن  الإرهاب سينتقل من ليبيا إلى دول الجوار ويهدد أمنها، بل وطالب المجتمع الدولي بالتدخل في فزان ، وهي بلا شك مواقف معادية للثورة الليبية.

ونحن لا نستبعد أن تكون النيجر طرفاً في أي عمل عسكري دولي تقوده فرنسا  بحجة مكافحة  الإرهاب في فزان وجنوب ليبيا . ويبدو أن النيجر قد استاثرت أكثر من جارتها تشاد باهتمام وزيارات المسؤولين الليبيين من كل أطراف الصراع ، ولقد رأينا دبلوماسية ليبية نشطة تجاه النيجر.

وفي 7 سبتمبر عام  2016م  رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح يصل إلى نيامي عاصمة النيجر برفقة   رئيس الحكومة المؤقتة عبد الله الثني ، ووفد  يضم وزير الاقتصاد منير عصر، ووكيل مساعد وزارة الخارجية علي إبراهيم، وتم عقد سلسلة من الاجتماعات مع  رئيس جمهورية النيجر محمد يوسفو  تركزت  حول الأزمة التي تمر بها ليبيا ، وضبط الحدود ومكافحة الإرهاب وسبل دعم العلاقات الثنائية بين البلدين ، ودور دول الجوار والاتحاد الأفريقي في حل الأزمة الليبية

وعقب انتهاء  الاجتماع توجه عقيلة صالح والوفد المرافق له   إلى مقر برلمان النيجر حيث استقبلهم عدد من أعضاء البرلمان ، وألقى رئيس البرلمان النيجري  اوسيني تني  كلمة ترحيبية برئيس مجلس النواب الليبي ورئيس الحكومة المؤقتة والوفد المرافق لهما.

تحدث الرئيس  اوسيني تني  عن عمق العلاقات التاريخية بين ليبيا والنيجر وأواصر  الترابط بين الشعبين على كافة الأصعدة ، وقال : ”  أن أمن ليبيا من أمن النيجر والمنطقة ، وان تتضامن  النيجر مع ليبيا في حربها ضد الإرهاب” .

كما  أن  عقيلة صالح ألقي كلمة بمقر البرلمان ، تحدث فيها عن الأزمة الليبية والتدخل الخارجي الذي زاد المشهد تعقيدا حسب قوله ، وأكد بان  مجلس النواب ملتزم بالإعلان الدستوري فيما يخص الاتفاق السياسي ، إلا انه أعلن عن   رفض المجلس لعودة التيارات الإسلامية المتطرفة التي انقلبت على الشرعية منذ انتخاب مجلس النواب عندما خسرت الانتخابات ومكنت المليشيات المسلحة التي دمرت مقدرات الشعب لأجل بقائهم في السلطة رغم رفض الشعب الليبي لهم .

في 25 سبتمبر عام  2016م التقى  فائز السراج في نيويورك برئيس النيجر محمدو إيسوفو ، وتم بحث  العلاقات الثنائية بين البلدين،  والاتفاق على  التعاون والتنسيق بينهما لتأمين الحدود المشتركة بين ليبيا والنيجر، واتفق الجانبان على أهمية إيجاد آلية لمراقبة الحدود وتبادل المعلومات.

  كما تم التطرق الى قضية  الهجرة غير الشرعية، وطرق الحد منها ،  وأيد  رئيس النيجر  الرؤية الليبية التي تدعو الى  عدم الاكتفاء بالحل الأمني وضرورة علاج السبب الرئيسي للهجرة في بلدان المنشأ عبر التنمية الاقتصادية وتوفير فرص العمل في تلك البلدان ، وعبر رئيس النيجر عن دعمه  لحكومة  الوفاق في ليبيا وتأييده للمصالحة الشاملة.

وفي 3 يناير عام  2018م   فائز السراج يزور النيجر ، ويصل إلى العاصمة نيامي   بدعوة رسمية من رئيس جمهورية النيجر محمد يوسفو لبحت العلاقات الثنائية بين البلدين. 

وفي 5 ابريل عام 2018م أثناء انعقاد الاجتماع الوزاري الاستشاري بين ليبيا والسودان وتشاد والنيجر ، محمد سيالة وزير الخارجية بحكومة الوفاق يجري مباحثات مع رئيس النيجر  محمد يوسفو  ، وبرفقته وزير الداخلية  عبد السلام عاشور ، واوحيدة نجم وزير الدفاع المكلف ،  واللواء عبد المجيد الضبع  نائب رئيس جهاز  المخابرات ،   وأكد سيالة في أثناء اللقاء مع محمد يوسفو بان : “إعلان نيامي الصادر عن الاجتماع يعد محورا أساسيا في معالجة القضايا الأمنية وكذلك التنموية لدول المنطقة  ” .

وقدم محمد  سيالة للرئيس  يوسفو  إحاطة عن الوضع بالجنوب الليبي ، وكذلك  الازمة الليبية،  وأكد الحاضرون  على أن العلاقات الليبية النيجرية علاقات جوار وتبادل للمصالح ويسودها التفاهم والتنسيق المستمر حيال كل  الأزمات بالمنطقة والقضايا ذات الاهتمام المشترك .
وأكد  الرئيس يوسفو : ” بان إعلان نيامي يعطي رسالة للعالم بأن هناك عمل مشترك بين الدول الاربع المتجاورة ،مشيرا إلى أن ذلك يعد تجسيدا لإرادة قوية للعمل المشترك ولتحقيق الاستقرار في المنطقة ،
 وانه  هناك إرادة قوية وأكيدة لتنفيذ إعلان نيامي بما يحقق الأمن والاستقرار والطمأنينة لشعوب الدول الأربعة المتجاورة وللمنطقة بصفة عامة  “. 

وفي 28 نوفمبر عام  2018م     فائز السراج بزور النيجر  بدعوة رسمية من رئيس جمهورية النيجر محمد يوسفو لبحت العلاقات الثنائية بين البلدين.

عموما يمكن القول بان مواقف كل من تشاد والنيجر هي مواقف معادية للثورة الليبية ، وان أي تغير في هذه المواقف نحو توجهات اقل عداء وايجابية  ، أو تصعيد لهجة العداء تجاه الثورة الليبية ، والقيام بأي فعل على الأرض مثل التدخل العسكري ، أو دعم أي تدخل عسكري أجنبي في جنوب ليبيا إنما يتوقف على عدة أسباب :

ـ مدى قدرة السلطات  الليبية على ضبط الأمن وضمان الاستقرار وفرض هيبة الدولة على إقليم فزان والجنوب الليبي ، ومدى قدرتها على تامين الحدود .

ـ إرادة الدول  الكبرى لها دور كبير ومؤثر على تعاطي كل من تشاد والنيجر مع الأزمة الليبية .

ـ إحراز التقدم والنجاح  في  العملية السياسية المتعثرة في ليبيا ، وتوافق الليبيين ، واستعادة هيبة الدولة على كامل إقليمها السياسي .

ـ دور الدبلوماسية الليبية في احتواء كل من تشاد والنيجر ، والقدرة على خلق مصالح مشتركة.

ـ أجواء الصراع الدولي في منطقة الساحل الإفريقي ، وانعكاسات ذلك الصراع وتأثيراته على سياسات كل من نشاد والنيجر .

وينبغي التطرق الى  الاجتماعات التي عقدتها دول جوار جنوب ليبيا ، والتي كان للسودان دور كبير فيها، وهي كما هو معلن الهدف من أمن الحدود ، والمساهمة في حل الأزمة الليبية ،  فقد تم  توقيع اتفاق امني في يونيو عام  2018م  بين   كل من السودان وليبيا وتشاد والنيجر لمراقبة وضبط الحدود ،  وتعزيز التعاون في مجال أمن ومراقبة الحدود المشتركة.

  ثم عقد  اجتماع ثان  يوم  الأربعاء 8 أغسطس 2018م ، حيث استضافت الخرطوم  الاجتماع الوزاري الثالث حول تعزيز التعاون في مجال أمن ومراقبة الحدود المشتركة بين ليبيا والنيجر والسودان وتشاد، ثم أتى اجتماع الخرطوم في 29 نوفمبر 2018م ، ليكون   تتويجا لكل الجهود المبذولة ، إلا أن الاختبار الحقيقي لنجاح هذه الاجتماعات والجهود هو وجود الإرادة السياسية لدى جيران ليبيا تشاد والنيجر للتعاون فعليا في تامين الحدود.

ولن يكون هناك أي تقدم او نجاح إلا إذا اتخذت دول جوار جنوب ليبيا قرار تاريخي بإنشاء قوة مشتركة لتامين الحدود ومواجهة التحديات وهو أمر صعب.

هل ستجرؤ هذه الدول على مواجهة فرنسا الداعمة  للقوة  الإفريقية المشتركة التي تشكلت في يوليو 2017م ، والتي  تضم تشاد والنيجر ومالي وموريتانيا وبوركينا فاسو ؟.

البقية في الجزء التالي بدأً بـ (خامسا : تشاد والنيجر: الصراع الدولي ومصالح الدول الكبرى)

***

محمد عمران كشادة ـ باحث بمركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية  بتونس

_____________