Minbar Libya

يهدف الأورومتوسطي إلى أن يكون هذا التقرير مساعداً لمنظمات المجتمع المدني في ليبيا والمؤسسات الأكاديمية والحقوقية في فهم أبعاد المشكلة بما يسهم في حلها قانونياً ومجتمعياً وبما يتوافق مع التزامات ليبيا بموجب قوانين حقوق الإنسان.

الجزء الثالث

أولا: مدى جواز زواج الليبية من الأجنبي

2 ـ حماية المرأة، أو تقييد تعسفي لحقِّها في اختيار زوجها؟

مدير فرع وزارة الشؤون الاجتماعية في مصراتة، عياد الشويهدي، علل تقييد حرية المرأة في الزواج بحماية المرأة الليبية وصون النسيج الاجتماعي الليبي، حيث قال بأن بعض من تقدموا للزواج من ليبيات كانوا لا يملكون أوراقا ثبوتية ودخلوا ليبيا بطريقة غير شرعية، وبعضهم الآخر مطلوبون للعدالة في بلدانهم.

ولفت الشويهدي إلى أن القيود الواردة في القانون رقم 15 لسنة 1984 هدفها التثبت والتيقن من الشخص الراغب في الزواج، نظرا لوجود حالات جرى فيها التقدم للزواج من ليبية في غضون أسبوع فقط من دخول الشخص لليبيا.

وقال: “هناك العديد من النساء الليبيات تزوجن من أجانب دون الحصول على موافقة وزارة الشؤون الاجتماعية، وبالرغم من موافقة أهلهن، تبين بعد ذلك أن أزواجهن كانوا مجرمين وملاحقين قضائيا في دولهم، وانتحلوا شخصيات غير موجودة أساسا. إضافة إلى أن بعض الوثائق التي يحملونها تبين أنها مزورة

واستشهد مدير فرع وزارة الشؤون الاجتماعية في مصراتة بحادثة تقدم فيها شخص مصري الجنسية لخطبة فتاة من مدينة مصراتة بأوراق ومستندات تبدو رسمية، وعندما خاطبت الوزارة سفارة بلاده في ليبيا تبين أن الإسم يعود لشخص متوفٍ وأن الأوراق والمستندات الي كانت بحوزته مزورة.

غير أن وسام سليمان الصغيّر، وهو محام ليبي يعمل في مسائل الزواج والطلاق، رأي بأن الإجراءات المنصوص عليها في القانون غير مقبولة. حيث لا يوجد أساس قانوني واضح لتقييد حرية المرأة في الزواج من أجانب، خاصة وأن الكثير من الليبيات تزوجن من أجانب حتى دون موافقة وزارة الشؤون الاجتماعية، وكان زواجهن ناجحاً، بحسب الصغيّر.

وأضاف الصغيّر: “فكرة حماية المرأة الليبية من خلال وضع قيود على الزواج من أجنبي غير دقيقة. هنا العديد من الليبيات تزوجن من ليبيين ويتعرضن للإعتداء والضرب، أو تخلى عنهن أزواجهن بالهروب خارج البلاد، ولم تفعل الدولة لهن شيئاً.

وذكر محام التقاه الأورومتوسطي أنه كان محاميا لفتاة تعرضت للإعتداء الجسدي أثناء الأحداث التي وقعت في ليبيا في 2011، إبان الإطاحة بحكم القذافي، وهو ماجعل فرص التقدم لخطبتها في ليبيا محدود بسبب العادات الإجتماعية التي تنظر بطريقة سلبية للمرأة التي تعرضت لإعتداء جسدي.

ثم تقدم لخطبتها شاب سوري الجنسية، ومع ذلك لم يحصل على موافقة وزارة الشؤون الاجتماعية الليبية، فتم الزواج بدون إذن من السلطات في ليبيا. ومع القود التي عاشها الإثنان في ليبيا، سواء من الناحية القانونية في ظل عدم الاعتراف بزواجهما رسميا، أو من الناحية الاجتماعية في ظل النظرة السلبية لهما كونهما تزوجا خارج نطاق القانون، أضطرا للخروج من ليبيا واللجوء إلى هولندا حيث يعيشان اليوم حياة ناجحة، ولديهما إثنين من الأبناء.

يشار إلى أن نسبة الذكور إلى الإناث في ليبيا هي بمعدل 1 إلى 3 تقريبا، بمعنى أن كل ذكر تقابله 3 إناث، وذلك وفقا لآخر إحصائية صادرة عن وزارة الداخلية الليبية.

ويرى محامون ونشطاء مجتمع مدني التقاهم المرصد أن الأولى بالسلطات الليبية وبالمجلس الأعلى للقضاء في ظل هذه الأرقام العمل على تخفيف القيود المفروضة على الزواج، مع حماية حقوق المرأة في الوقت ذاته، حيث يرون أن عدم تسهيل إجراءات الزواج من الأجنبي لها ارتباط وثيق بارتفاع معدلات العنوسة في البلاد، والتي قاربت على 35%.

غير أن دار الإفتاء الليبية ترى، بحسب تصريح لمفتي ليبيا العام الصادق الغرياني، ضرورة وضع قيود صارمة على زواج الليبيات من أجانب، وقد أصدرت توصيات للجهات الرسمية في الدولة بهذا الشأن خاصة في الفترة الحالية“. وذلك ـ وفقا لدار الإفتاء ـ لمنع الزواج من الشيعة حرصا منها على صون حقوق الليبيات والحفاظ على الهوية الإسلامية السنية“.

وقال بعض رجال الدين المقربين من دار الإفتاء إنهم تلقوا شكاوي من نساء تزوجن من أجانب عرب وغير عرب، وظلوا معهم فترة زمنية قصيرة قبل فرارهم ورجوعهم لبلدانهم أو هجرتهم لبلدان أخرى، تاركين وراءهم زوجاتهم وأطفالهم يعانون ويلات الظلم والتشرد.

ثانيا: الآثار القانونية المترتبة على زواج الليبيات من أجانب

1ـ الليبية التي تتزوج من أجنبي قد تفقد جنسيتها، وهي لا تمنحها لزوجها، وربما لأولادها

من أهم الآثار القانونية المترتبة على الزواج المختلط في ليبيا هو ما يتعلق بمسألة فقد وكسب الجنسية. فإذا تزوجت الليبية من أجنبي واكتسبت الجنسية الأجنبية، فإن زواجها هذا يفقدها جنسيتها الليبية، حيث نصت المادة 5 من قانون الجنسية الليبي رقم 24 لسنة 2010 على أنه يفقد الجنسية الليبية من يكتسب باختياره جنسية أجنبية، ما لم تأذن له بذلك وزارة الداخلية“.

وقد ترك القانون المذكور الباب مفتوحا أمام المرأة الليبية التي تتزوج من أجنبي، فإذا هي رغبت في اكتساب جنسية زوجها باختيارها، أو أعطاها قانون دولة زوجها جنسيته، فإنها تفقد الجنسية الليبية، إعمالا لنص المادة السابقة.

وبالاطلاع على قانون الجنسية، يلاحظ أنه منح الجنسية لثلاث فئات فقط، وهي كل من ولد في ليبيا لأب ليبي، أو من ولد بالخارج لأب ليبي، أو من ولد في ليبيا لأم ليبية وأب مجهول الجنسية، أو لا جنسية له، أو كان مجهول الأبوين .

وكما هو واضح، فقد حرم هذا القانون زوج الليبية المتزوجة من أجنبي وأبناءها من الجنسية الليبية، وهم يعتبرون من حيث الأصل أجانب.

وبالرغم من أن المادة 11 من القانون أجازت لمصلحة الجوازات والجنسية بوزراة الداخلية منح المتزوجة من أجنبي الجنسية، غير أن هذه المادة غير فعالة في الواقع العملي لسببين:

ـ هذه المادة لا تلزم ولا تجبر السلطات في ليبيا بمنح الجنسية لأبناء الليبية المتزوجة من أجنبي، وإنما تركت للسلطات ذات الاختصاص مطلق الحرية واعتبرت المسألة جوازية من حيث المنح أو الرفض، من خلال قولها يجوز منح …”، وعلى خلاف ذلك، فإن أبناء الليبي المتزوج من أجنبية، يعتبرون ليبيين ويتمتعون بالجنسية الليبية بقوة القانون، ما يعتبر تمييزا واضحاً.

ـ المادة نفسها (المادة 11) قيدت منح الجنسية لأبناء الليبية بما تنص عليه اللائحة التنفيذية للقانون، ووفق نصوص المادتين السادسة والسابعة من هذه اللائحة، هناك العديد من الضوابط المتعلقة باكتساب الجنسية في هذه الحالة. حيث لا يجوز منح الجنسية لأبناء الليبية إلا بعد أن يبلغوا سن الرشد، إلا في حالة كان الوالد متوفياً أو مفقوداً بحكم القانون.

وإذا بلغ إبن الليبية المتزوجة من أجنبي الرشد، فيجوز أن تمنح له الجنسية الليبية بعد طلبها، وبعد موافقة الوالدين، والجهة المختصة بوزارة الشؤون الاجتماعية على الزواج الذي كان قد تم بين أبويه، كما جاء في اللائحة أنه يحظر منح الجنسية الليبية لأبناء المواطنات الليبيات المتزوجات من فلسطيني الجنسية.

2ـ حقوق التعليم والصحة والتملك

لا يحق لأبناء الليبية المتزوجة من أجنبي التمتع بمجانية التعليم والرعاية الصحية، بسبب اعتبارهم أشخاصاً غير ليبيين، حيث يصادر حقهم كاملاً في المواطنة. ولايعترف لهم بأية حقوق مدنية أو سياسية. كما أن التشريعات الليبية لا تعطي للأجنبي المتزوج من ليبية الحق بتملك العقارات والمباني إلا لغاية استثمارية، وبشرط شراكته مع أسهم ليبية أو رأي مال ليبي، أما تملك المنقولات فجائزة وممكنة.

وفضلا عن أنه لا يمكن للرجل الأجنبي المتزوج من ليبية أن يتملك عقاراً في ليبيا في حياتها، فإنه إذا توفيت زوجته، تثير مسألة انتقال الميراث إليه إشكالية، من حيث إمكانية انتقال ملكية العقار إليه، في ظل عدم جواز تملّكه في ليبيا، طالما أنه لا يملك جنسيتها. فيما يمكن انتقال ملكية العقار للأولاد الناجمين عن هكذا زواج بمجرد وفاة الأم.

وبالرغم من أن الحق في التعليم والصحة مكفولان بموجب المواثيق الدولية ولا يجوز التمييز فيها، إلا أن وزارة التعليم التابعة لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا أصدرت قرارا حددت بموجبه وفرضت رسوما مالية على كل شخص أجنبي يرغب في الالتحاق بالمدارس الحكومية، ولم تستثن من ذلك أبناء الليبية، فيما أن أبناء الليبي يمكن لهم الدراسة مجانا.

وفي هذا السياق، أوضحت ع. م” (45 عاماً)، وهي إمرأة ليبية من سبهاومتزوجة من شخص سوداني الجنسية، أنها تعاني وضعاً تمييزياً صعبا للغاية، وذلك عقب حصول ابنتها على معدل عال في الثانوية العامة، غير أنه من ذلك تعذر التحاقها بكلية الطب البشري في ليبيا، كون هذا التخصص مقصور على الليبيين فقط، ومع افتراض إمكانية دخول هذا التخصص في بعض الجامعات، فلابد من دفع مبالغ مالية كبيرة نظير ذلك.

3ـ صعوبة استخراج المستندات

ومن الإشكاليات الأخرى التي تواجه الليبيات المتزوجات من أجانب صعوبة الحصول على الأوراق والمستندات الثبوتية، خصوصا إذا لم تأذن الجهة المختصة بهذا الزواج، أو ماطلت فيه، إو في حالة تم الزواج خارج ليبيا وكان هناك اجتياج لإجراءات داخل ليبيا كعودة المرأة الليبية المتزوجة من أجنبي مع أولادها لزيارة بلدها التي لا تعترف لها بهذا الزواج.

وفي هذا الصدد، قالت م. خ” (33 عاما)، وهي ليبية متزوجة من شخص مصري الجنسية منذ عدة سنوات، إنها تشعر بالندم على زواجها كلما فكرت بمصيرها ومصير إبنها وزوجها المختطف على أيدي مجموعات مسلحة.

وقالت في إفادة لفريق الأورومتوسطي: “لو تزوجت من شخص ليبي الجنسية لما كان هذا وضعي، حيث لم أتمكن من الحصول على أوراق ثبوتية لإبني من مصلحة الجوازات والجنسية، خاصة وأن زواجي تم دون موافقة من وزارة الشؤون الإجتماعية“.

وأوضحت م. خأنه من الصعب عليها الحصول على وثائق ثبوتية من السجل المدني للدولة الليبية، الذي يرفض التعامل مع أي ليبية تتزوج من أجنبي أو مع أبنائها، وخاصة لم تم الزواج بالأجنبي دون موافقة وزارة الشؤون الاجتماعية.

يتبع في الجزء التالي بدأً بـ (ثالثا: الآثار الاجتماعية لزواج الليبيات من أجانب)

***

المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ـ هو منظمة دولية مستقلة تعنى بقضايا حقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تأسست في نوفمبر2011. ويقع مقر المنظمة الرئيسي في جنيف بالإضافة إلى وجود مقر إقليمي في الأراضي الفلسطينية، وعدد من الممثلين في دول أخرى.

____________