Minbar Libya

بقلم علي عبداللطيف اللافي

لم يتغير المشهد الحزبي الليبي كثيرا سنة 2018 وان جرت محاولات عدة لإعادة تشكيله عبر مؤثرات الأزمة الاجتماعية والأمنية والعسكرية المتفاقمة منذ 2014 وعمليا ارتفع عدد الأحزاب الناشطة بعد تشكيل عدة أحزاب وتكتلات جديدة خلال السنة المنقضية.

وقد مثل إمضاء ميثاق الأحزاب بين عدد من التكتلات والمكونات من مختلف المشارب الفكرية والسياسية. و التعديل الوزاري الذي قام به   السراج في أكتوبر الماضي أبرز حدثين على الساحة السياسية الليبية في بعدها الحزبي حيث تغيرت بمقتضى تلك التحالفات والرهانات داخل وخارج المجلس الرئاسي وفي المناطق الثلاث.

فما هي ملامح المشهد الحزبي سنة 2018، وما هي آفاقه المنتظرة في أفق نهاية سنة 2019 وخاصة في ظل تنامي آمال الليبيين في حل سياسي يمكّن بلدهم من الإقلاع نحو بناء مستقبل واعد لكل الليبيين بمختلف مدنهم وتياراتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية؟

أولا: القوى السياسية من التيار الليبرالي

بينت تطورات سنة 2018 أن الليبراليين في ليبيا يتشكلون في تنظيمات وأحزاب هي أقرب للصورية باستثناء بعض الأحزاب التي لها حضور سياسي وإعلامي وبإمكانها أن تكون مستقبلا قوى سياسية فاعلة على غرار:

ـ تحالف القوى الوطنية بقيادة محمود جبريل والذي بدأ سنة 2018 مشتت الاهتمامات ويدور في خيارات متناقضة وخاصة في علاقاته بكل من قيادات الكرامة ومن التيار الإسلامي.

ـ حزب الجبهة الوطنية وقد تراجع حضوره السياسي خلال السنوات الماضية. فقد بينت سنة 2018 أن له القدرة على استرجاع إشعاعه التاريخي وهو حزب مرشح لأدوار سياسية مستقبلية واستقطاب الناخب الليبي في الجهتين الشرقية والغربية

ـ ذلك ينطبق أيضا على تجمع الوطنيين الأحرار أو بعض التكتلات أو بعض الحراكات الاجتماعية ذات الطابع الليبرالي فكريا وثقافيا على غرار “حراك نعم ليبيا” أو “الحراك الوطني من أجل ليبيا”…

ـ عمليا من بين حوالي أكثر من 75 حزبا ليبيا يوجد أكثر من 15 حزبا ذا توجهات أو منازع ليبرالية على غرار “حزب الاستقلال المحافظ” و”حزب الوسط الليبي” و”حزب شباب ليبيا” و”حزب الوفاق الليبي” و”حزب التنمية والرخاء الديمقراطي”، وهي جميعا ستلعب ادوار محددة في الائتلافات السياسية التي ستجرى مع قرب الموعد الانتخابي.

ثانيا: القوى السياسية من التيار الإسلامي

واقعيا وفي ظل ما يحصل في الإقليم ونتاج تطورات الساحة السياسية المحلية بفعل التيار الإسلامي الليبي بين سنتي 2015 و2018، بقي التناغم بين الأخوان وبقية مكونات التيار الإسلامي قائما بأشكال مختلفة، ويمكن التأكيد أن الإسلاميين في ليبيا بقوا سنة 2018 منقسمين إلى تيارات وأحزاب وجماعات وبدت للجميع أنها غير مُتجانسة في الغالب.

، ورغم أن الإسلاميين الليبيين هم على تناغم مُتفاوت مع الأطروحات السياسية لــ”حزب العدالة والبناء” وهو ما ينطبق على حزبي “الوطن” و”التكتل الوطني الديمقراطي” وعلى بعض الأحزاب المُقنّنة والصغرى (“التغييرالإصلاح والتنمية” – “الأمة الوسط” – “الرسالة” …)، فإنهم بقوا طرفا رئيسيا في الساحة السياسية ويقع التجاذب والتحالف معهم وفقا للتطورات والمحلية والإقليمية.

أما التيارات السلفية فهي بقت مُتنوّعة التركيبة ومختلفة الرؤى في موقفها وانسحب بعضها من الساحة بشكل نهائي مع بداية 2018 خاصة بعد تورط بعض فصائلها في الإرهاب خلال السنوات الماضية اختيارا منها أو عبر اختراقها وتوظيفها من أطراف داخلية وخارجية.

وعمليا ظهرت مؤشرات أن التيّار الإسلامي الليبي قادر على تجاوز اختلافاته وتناقضاته لطبيعة المرحلة الراهنة على المدى المتوسط رغم العجز العملي على تشكيل تحالف إسلامي واسع وصعوبة ذلك خلال السنة القادمة أيضا، وبدا “العدالة والبناء” باحثا على محاولة تلمس واقع سياسي متقلب يوميا وطنيا وإقليميا خاصة في ظل وجود تقييمات لمسيرته للحفاظ على امتداد شعبي في حده أدنى على الأقل للمحافظة على قاعدته الصلبة من الناخبين الموالين لخياراته العامة ولكسب رهان الانتخابات التشريعية القادمة وخاصة على مستوى الأفراد كأفق مرحلي للعودة القوية في كل المحطات الانتخابية القادمة.

ثالثا: القوى السياسية من أنصار النظام السابق

عمليا لم يكن أنصار النظام السابق يوما ما وحدة متكاملة، وتجلى ذلك سنة 2018 فبعد دعمهم لحفتر بين سنتي 2015 و2017 أخذت شخصيات ومكونات تبتعد عنه بمسافات، بل حتى انتقاده وهو الذي اعتمد على ضباط من النظام السابق والذي كانت إستراتيجيته المرحلية توظيفهم في انتظار تطور الأوضاع إقليميا، وقد استطاعوا سنة 2018 مواصلة توظيف التباين والخلاف داخل تيار ثورة فبراير كما وظفوا ظهور وعودة قنوات إعلامية محسوبة عليهم فتواصلوا معها فمولوها وخدمتهم تواصليا كأداة للثورة المضادة عبر ترذيل تيار ثورة فبراير.

، المعلوم أنهم أعلنوا طوال السنوات الماضية عن بعض التنظيمات السياسية على غرار “الجبهة الشعبية” و”حركة النضال الوطني” و”جبهة الخلاص” وأخيرا “التجمع الوطني الليبي(بقيادة الوزير الأسبق للتربية محمد أحمد الشريف)، وتبين للمتابعين أنهم يخلطون بين السياسي والقبلي حتى أنهم قبل تأسيس التنظيمات المذكورة سابقا اعتمدوا سياسة ركوب موجة دعم المؤتمرات والملتقيات ذات الصبغة الاجتماعية.

وقد انقلب انصار النظام السابق على السراج مع بداية 2018 بعد أن دعموه في البداية وزادوا في انتقاده بعد التحوير الوزاري الأخير واعتبروا بشاغا خصما رئيسيا لهم في البداية بينما لاح خطاب بعضهم داعما له خلال الفترة الماضية، وعمليا يخطأ من يعتقد أنهم من الممكن أن يُشكلوا حزبا سياسيا بالمعنى الكلاسيكي أو أن تنظيماتهم قابلة للعيش مُطولا أو أنهم من الممكن أن يبقوا تحت جبة أي حزب أو شخصية سياسية ومع ذلك فان لهم القابلية للتوظيف في هذا الاتجاه أو ذاك من طرف قوى وشخصيات محلية ومن طرف أذرع إقليمية خادمة وداعمة لسياسات قوى دولية..

رابعا: القوى السياسية من اليسار والتيار القومي

ألم يسجل المتابعون أي أنشطة لوجوه ليبية من ذوي التوجهات القومية سنة 2018، حيث بقى التحدي مطروحا على القوميين في ليبيا في ضرورة تقييم مسيرة التيار خلال العقود الماضية أي ضرورة تبني فكرة التوحيد بين فصائله والتمايز البناء بين مختلف المكونات والتموقع بين الليبراليين والإسلاميين بحيث لا يقع توظيفهم من هذا الطرف أو ذاك أو على الأقل وفي حد أدنى قيادة “التيار الديمقراطي الاجتماعي.

إضافة إلى الاستفادة من الروح القومية لعديد من القبائل، وتجنب ما حصل لتنظيمات قومية في بلدان أخرى والتي أصبحت تدور في رحى قوى إقليمية على غرار العلاقة بالإماراتيين وأيضا بالإيرانيين.

بلم يتغير واقع اليسار الليبي سنة 2018 عبر تواصل الغياب كميا وكيفيا بناء على أن القيادات اليسارية التاريخية أصبحت ليبرالية التوجه السياسي وفي قراءاتها للساحة المحلية والإقليمية والدولية على غرار “محمود شمام” و”علي الترهوني”، وبشكل عام يصعب حتى في المستقبل تواجد تنظيم يساري فاعل هذا إذا افترضنا أنه يمكن عمليا بناءه تنظيميا.

خامسا: القوى السياسية من الأحزاب والتيارات الوسطية

عمليا تحولت الوسطية في ليبيا مثل كل البلدان التي تعيش مرحلة الانتقال الديمقراطي إلى حصان طروادة، فهناك عديد التحالفات التي تصبغ نفسها بالوسطية والتي ستواصل العمل على بناء انصهارات أو اندماجات أخرى إلا أنها إعلاميا ستبقى بعيدة عن الأضواء وستتلاشى قبل وبعد الانتخابات القادمة رغم أن بعضها قد يعود للواجهة مناسباتيا.

سادسا: حول تعدد الإعلانات عن تأسيس أحزاب سياسية جديدة

تعددت في الأشهر والأسابيع الأخيرة من سنة 2018، عمليات الإعلان عن مسميات حزبية ليبية جديدة، وقد أطلق عليها بعض الإعلاميين العرب “الجيل الثاني” من المكونات الحزبية في ليبيا بعد ثورة فبراير ومعلوم أنه تم في سنتي 2011 و2012 تأسيس حوالي 75 حزبا سياسيا أغلبها ليبرالي التكوين (نتاج ضعف المكونين اليساري والقومي العربي بناء على عوامل ارتبطت بنظام القذافي المنتسب للفكر القومي وعلاقاته بالمعسكر الاشتراكي وقربه من يساريين عرب والذين اعتبروه حليفا بل ويساريا حسب البعض منهم …)

ورغم غلبة بُعد الاصطفاف الإقليمي لتحقيق غايات وأجندات عشية مراحل الحسم السياسي قُبيل الملتقى الجامع والاستحقاقات الانتخابية في ربيع السنة الحالية، وبغض النظر عما تشتمل عليه التكتلات السياسية الوليدة، فإنها تمثل تطورا ولو خجولا في المسار السياسي التنظيمي، ذلك أن الواجهات السياسية الجديدة تخففت من التشكل على أساس أيديولوجي واتجهت خطوة صوب المشاريع والبرامج الجامعة وإن لغايات بدت أكثر غموضا من حيث طبيعة القيادات المؤسسة أو الجهات الممولة لها.

وقد رصد المتابعون حوالي 8 تكوينات سياسية في سنة 2018 تحديدا باعتبار أن بعض مكونات ليبرالية قد أسست بدعم من جبريل مع نهايات2017 بينما تم الإعلان سنة 2016 على عدد من الحراكات على غرار “الطريق الثالث” أو “حراك من أجل ليبيا” وهما مسميان يتبعان عدد من الدبلوماسيين السابقين ورجال وضباط الأمن الخارجي الليبي من المقربين للقذافي وتحديدا من أخلص رجاله خلال السنتين الأخيرتين من حكمه.

ومن حيث التوزيع الجغرافي فان أحد الأحزاب تم تأسيسه في الشرق وآخر في الجنوب الليبي، بينما تم تأسيس أربعة منها في الغرب أما الأخير فتم في الخارج.

وعمليا اقترن زخم تشكيل التكتلات السياسية الجديدة بخمس محددات أساسية:

أالنتائج الخطيرة التي اقترنت ببروز الخلفية الاجتماعية وخاصة القبلية والجهوية والمناطقية سياسيا وأمنيا واجتماعيا، ومعلوم أن الشخصية الليبية تغلب عليها عوامل “القبيلة” و”الغنيمة و”الغلبة”، وعمليا ساهمت الظاهرة في تقطيع أوصال المجتمع وصارت وقودا لحرب ضروس.

بتبين للجميع أن الجمود السياسي قد استفحل بينما استمر الانقسام وغلب على النخب والفاعلين السياسيين عامل الخوف من التقسيم وتفتيت الدولة بسبب فشل السلطات النافذة التشريعية والتنفيذية في مجابهة التحديات الراهنة، وهو ما بدا واضحا في خطابات التأسيس.

تسادت عقلية فشل تجربة الأحزاب وخاصة تلك التي تأسست سنتي 2011 و2012 فقد حمّلها أغلب الليبيون وزر مرحلة التعثر ثم الانقسام والترتبات الاجتماعية الحالية، وهنا برز خطاب الأحزاب الجديدة وكأنها تعتبر نفسها بديلا موضوعيا للفاشلين.

ثيمكن القول أننا إزاء أحزاب جديدة بينما لا جديد من حيث الطرح والاصطفاف بل هناك خطاب سياسي متكرر فيما يتعلق برؤية المستقبل وكيفية معالجة تحديات الحاضر، ويغلب الطرح التقليدي على الأفكار التي قيلت في الندوات التي عقدتها التشكيلات السياسية (والتي غلب عليها الاستعراض والديكور والتجميع)

جتجرّدت الأحزاب الجديدة من عقلية نقد الحزبية التي غلبت على الليبيين كما لاحظنا تقارب خطة الخروج من الوضع الحالي في ليبيا، وعمليا ارتفعت بعض الخطابات عن الخلافات ولاحظنا أنها ركزت على ضرورة تشكيل قوة ضاغطة لكسر الجمود السياسي الحالي وإنهاء الانقسام المكرّس على الأرض والخطو بثبات باتجاه الاستقرار السياسي المزمع تحقيقه بعد الملتقى الجامع.

  سابعا: الأمل في 2019 .. أدوار أكبر للأحزاب

أ بدأت سنة 2019 وسط مخاوف كبيرة وآمال رحبة فهناك جمود سياسي يخيم على المشهد الليبي نتاج رغبة في تغيير المجلس الرئاسي من جهة وتعديلات دستورية منجزة ألغى بموجبها مجلس النواب الأجسامَ السياسية الأخرى من جهة ثانية وكل ذلك وسط انتظار الجميع لانعقاد الملتقى الوطني الجامع بعد أسابيع قليلة، فهل ستشهد ليبيا في 2019 حقبة سياسية جديدة وتوحيدا للسلطة التنفيذية والتشريعية ولمؤسسات الدولة المنقسمة؟.

الإجابة مرتبطة عمليا بنية انجاز الاستحقاقات الانتخابية وقبل ذلك المصالحة الوطنية وإرساء العدالة الانتقالية وبناء على اتفاق الفرقاء على دفن آلام الماضي ولكن الخطوات والإجراءات والتوافقات مرتبطة بالأشخاص والأفراد والتجاذبات ومرامي التيارات السياسية والفكرية والأذرع الإقليمية المشتغلة على أدوراها الوظيفية للقوى الدولية الطامحة في ثروات ليبيا الهائلة وأيضا باعتبارها ممرا مميزا نحو العمق الإفريقي.

بيعرف الجميع أن المراحل الانتقالية تتميز بسرعة التحولات التي تمس المشهد السياسي وخاصة الحزبي منه، من حيث تعدد المحطات الانتخابية فمن انتخاب إلى آخر تعيد الخارطة الحزبية التشكل فتظهر أحزاب جديدة وتختفي أخرى وتجرى و بشكل كبير وموسع عددا من الإنصهارات وعمليات دمج بينما ستتفكك أحزاب أخرى بناء على النتائج والترتبات والمتغيرات الإقليمية والدولية، وعلى عكس ما يعتقده البعض من أن الانتخابات القادمة حتى لو نظمت قد تؤدي إلى ما يشبه مرحلة الاستقرار السياسي والحزبي في ليبيا.

تلا يختلف اثنان في أن المشهد الحزبي الذي أفرزته الانتخابات التشريعية الفارطة (انتخابات 2014)، متماه موضوعيا بمشهد مواز أفرزته الصراعات والترتبات الإقليمية وخاصة الأزمة الخليجية وقبلها الانقلاب العسكري في مصر ومجريات الأحداث في سوريا.

***

علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

____________

المصدر: أسبوعية الرأي العام ، بتاريخ 24 يناير 2019