Minbar Libya

يهدف الأورومتوسطي إلى أن يكون هذا التقرير مساعداً لمنظمات المجتمع المدني في ليبيا والمؤسسات الأكاديمية والحقوقية في فهم أبعاد المشكلة بما يسهم في حلها قانونياً ومجتمعياً وبما يتوافق مع التزامات ليبيا بموجب قوانين حقوق الإنسان.

الجزء الرابع

ثالثا: الآثار الاجتماعية لزواج الليبيات من أجانب

من المهم القول أن الوضع القانوني الذي تعيشه المرأة في ليبيا، وحرمان أولادها من اكتساب الجنسية إلا في أضيق نطاق وبعد أن يبلغوا سن الرشد، فضلا عن حرمان زوجها من الجنسية، واشتراط إذن وزارة الشؤون الاجتماعية لإتمام هذا الزواج من الأساس، أورث زيادة في ميل المجتمع الليبي نحو رفض زواج المرأة الليبية من أجنبي، وعزز النزعة القبلية التي تميل إلى محاربة من تفعل ذلك، بل وغلفت هذا الرفض المجتمعي بإطار قانوني ما عززه في الواقع.

أوردنا فيما يلي نبذة عن النظرة الدونية التي تعيشها المرأة في ليبيا لمجرد زواجها من أجنبي، من إيراد بعض الشهادات المؤلمة في هذا السياق.

1ـ النظرة الدونية وتأثير القبيلة

يعتبر زواج الليبيات من أجانب من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً من حيث مدى قبوله ورفضه داخل المجتمع الليبي، حيث أن تركيبة المجتمع القبلية في معظمها، تجعله ـ بحسب مراقبين ـ ينظر بنظرة دونية لكل من تتزوج بغير الليبي.

ومع أن هناك عددا ليس بالقليل من أمهات الليبيين يحملن الجنسية المصريةمثلا، غير أنه وبالرغم من ذلك توصف المرأة التي تتزوج من أجنبي بأوصاف بشعة. ويتم في كثير من الأحيان الطعن في شرفها وحتى شرف أسرتها إذا وافقت تلك الأسرة على هذا الزواج.

وقد يصل الأمر إلى درجة الاعتداء على المرأة أو يتم الضغط على أسرتها بضرورة مغادرة المكان التي تقيم فيه. حيث تسود فكرة في القبيلة فيما يخص النساء الليبييات بأنها إما أن تتزوج ليبيا، أو أن تظل عانس“. حيث يشيع اعتقاد بأن بقاء المرأة عانسا هو أشرف وأفضلمن الزواج بأجنبي.

وفي هذا السياق، لا يمكن إنكار تأثير القبيلة على مسألة منح الجنسية لأبناء الليبية المتزوجة من أجنبي. حيث تعتبر المرأة التي تتزوج من خارج القبيلة وكأنها انسلخت عنها لتنتمي إلى القبيلة التي تزوجت منها. وبالتالي يتم إنكار حقها في الميراث: خششية تملّك زوجها الغريبلأراضي ومزارع العائلة أو القبيلة.

فالأمر قانونيا، حيث أن أغلبية الليبيين تثق في المعارف الشخصية فيما يخص الزواج، وهي بالمقابل لا تثق غالبا في من يعتنق ديناً آخر أو يتحدث لغة أخرى أو في من يقابلونه لأول مرة أو من ينتمون إلى جنسيات أخرى.

غير أن مما يؤخذ على القانون، أن عبر تقنينه لهذه الممارسة، فهو يماشي هذه الفكرة السائدة، على ما فيها من تمييز ضد المرأة، وامتهانا لحقها، والأولى أن تعالج مخاوف القبائل عبر إجراءات قانونية تصون حقوق المرأة. وفي نفس الوقت تغير من الوعي الجمعي فيما يخص النظرة للشخص الأجنبي.

2ـ ليبيا تزوجن من أجانب يروين قصصهن

في روايتها لفريق الأورومتوسطي، قالت أ. س” (29 عاما)، وهي إمرأة ليبية من مدينة الزاوية، غرب العاصمة الليبية طرابلس، أنها تزوجت من باسم” (27 عاما)، وهو سوري الجنسية ويقيم في ليبيا منذ ما يزيد عن 11 عاما حيث يعمل مهندسا بإحدى الشركات الهندسية الخاصة.

وتقول أ. س“: “تزوجنا مطلع عام 2014، بعد أن تقدم لخطبتي، ولكن جوبهت برفض أهلي دون سبب مقنع، سوى أنه أجنبي وليس من ديارنا، وبعد محاولات عديدة لإقناع أهلي بالزواج منه لم يتغير شئ، فقررنا الزواج دون موافقتهم“.

وأوضحت أ. سأنها انتقلت وزوجها للعيش بمنطقة جنزورالواقعة غرب ليبيا العاصمة الليبية طرابلس، ورزقا بعد ذلك بطفلين، مبينة أن حياتهم في البداية كانت مستقرة بالرغم من صعوبة العيش بمفردها بمعزل عن الأهل والأقارب، إلا أن مطلع عام 2017 خبأ لها ما لم يكن بالحسبان.

تقول أ. سعن ذلك: “في مطلع ذلك العام، تهجّم علي إثنان من أشقائي في منزل، بعدما عرفوا موقع المنزل، وطعنوني بألة حادة (سكين) في بطني، وضربوا زوجي ضرباً مبرحاً، ثم قاموا بإطلاق الرصاص على كلتى قدميه، وهددوه بالقتل إذا لم يطلّقني، فيما قال شقيقي الأكبر لزوجي: “الطلاق مقابل حياتك“.

ولفتت أ. سإلى أنها وزوجها لم يستطيعوا تقديم شكوى لمركز الشرطة بسبب خوفهم على حياتهم خشية تعرضهم للخطر مرة أخرى، خاصة وأن أحد أشقائها ضابط بالأمن المركزي بالعاصمة، والأهم، أن عقد زواجهم غير موثق بالسجل المدني لعدم حصولهم على الموافقة من وزارة الشؤون الاجتماعية، بما يعني أن كافة الدوائر في الدولة لا تعترف بهم كزوجين.

أما ع. ت” .35 عام. وهي ليبية تقطن بمدينة مصراتة، فتزوجت في العام من خالد” (32 عاما)، وهو مصري الجنسية، وذلك بعد أن التقت به بالقرب من مكان عملها، حيث تعمل كمدرسة، فيما كان زوجها يعمل في الحدادة.

وبالرغم من أن زواجهما تم بموافقة أسرتها، إلا أنها فقدت عملها في المدرسة التي كانت تعمل بها، بعد أن قام مدير المدرسة بفصلها بحجة عدم التزامها بالعودة للعمل بعد الزواج مباشرة، فيما تبيّن أنه فصلها تم بضغطٍ من أعضاء هيئة التدريس الذين اعتبروا أن الزواج من أجنبي عار على القبيلة والمنطقة، بحسب ما أخبرها بعض المدرسين.

وأضافت ع. تبأن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد بل تجاوزه بترك زوجها لمحل الحدادة الذي كان يعمل فيه، حيث أعلمه مالك المحل بتعرضه للتهديد بالقتل وبضرب المحل بالقذائف إذا لم ينه عقد الإيجار معه.

أما م. س” (24 عاما)، فتعرفت أثناء دراستها الجامعية في تركيا على قاسم، وهو سوري لجأ من سوريا إلى تركيا بسبب الحرب. تقول م. سلفريق الأورومتوسطي: “عندما صارحت والدتي ـ بعد فترة طويلة من الكتمان ـ برغبة قاسمفي الزواج مني لم تمانع، واشترطت أن يكون الزواج شرعيا وقانونيا، فيما رفض والدي في بداية الأمر هذه الخطوة، قبل أن يوافق تحت ضغط والدتي وتعرّفه على الزواج المفترض وارتياحه له“.

ولفتت م. سإلى أنها تقدمت هي وزوجها بطلب الزواج للسفارة الليبية لكي يتم تمريره إلى وزارة الشؤون الاجتماعية، لكن طلبهم قوبل بالرفض بحجة أن زوجها من المهجرين اللاجئين. ومع ذلك، تزوجت من قاسمفي نهاية 2012، وعاشت منذ ذلك الوقت في تركيا، غير أنها قررت الرجوع مع أسرتها إلى ليبيا في منتصف 2016 للعيش هناك بعد أن كانت قد أنهت دراستها الجامعية، وعندما تقدموا بطلب لوزارة الشؤون الاجتماعية بهدف الحصول على الأوراق الثبوتية وتوثيق عقد الزواج، تم رفض الطلب بحجة أن زواجهم كان غير قانوني، وغير معترف به داخل الدولة الليبية، وهم يعيشون منذ ذلك الحين دون أية أوراق ليبية تثبت زواجهم أو تعطي الحماية والحقوق المدنية لأولادهم.

يتبع في الجزء التالي بدأً بـ (رابعا: موقف الدستور الليبي والقانون الدولي)

***

المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ـ هو منظمة دولية مستقلة تعنى بقضايا حقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تأسست في نوفمبر2011. ويقع مقر المنظمة الرئيسي في جنيف بالإضافة إلى وجود مقر إقليمي في الأراضي الفلسطينية، وعدد من الممثلين في دول أخرى.

____________