Minbar Libya

بقلم محمد عمران كشادة

تحت عنوان النيجر بوابة واشنطن لاقتحام مراكز نفوذ فرنسا في أفريقيا ” . نشر تقرير في صحيفة العرب اللندنية جاء فيه : “تشهد منطقة الساحل الأفريقي صراع نفوذ محموم بين الولايات المتحدة كقوة عالمية وفرنسا كقوة استعمارية سابقةفي المنطقة، إذ تتسابق القوتان إلى توسيع تواجدهما في المنطقة الاستراتيجية الغنية بالثروات الطبيعية.

الجزء الرابع

خامسا : تشاد والنيجر: الصراع الدولي ومصالح الدول الكبرى

لا شك بان تشاد والنيجر تقعان في منطقة إستراتيجية مهمة بالنسبة لمصالح الدول الكبرى المتصارعة على النفوذ في العالم ، إفريقيا الوسطى ومنطقة الساحل الإفريقي هما منطقتان تشهدان صراع دولي محتدم ، من هذا الصراع ما يتعلق بهاتين الدولتين نفسهما وموقعهما الاستراتيجي ، ومن الصراع ما يتعلق بأنهما جيران ليبيا الجنوبيين ، ولديهما حدود مشتركة  مع ليبيا.

وفي ظل الصراع الدولي على النفوذ في ليبيا يصبح لجيران ليبيا الجنوبيين أهمية قصوى ، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها  ظاهرة الهجرة غير الشرعية ، والجريمة المنظمة ، والإرهاب العابر للحدود.

كل دولة من الدول الكبرى تحاول أن تستغل ظاهرة الهجرة غير الشرعية، والإرهاب العابر للحدود، لتحقيق مكاسب سياسية ، واستغلال ذلك في الصراع الدائر على ارض ليبيا .

وقبل أن نتحدث عن وقائع الصراع الدولي المحتدم اليوم في منطقة الساحل الإفريقي ، لابد أن نقلب صفحات التاريخ لنفتش عن الحقائق ، ونفهم وقائع صراع الأمس ، ذلك الصراع الذي يتجدد في عصرنا.

أن استدعاء التاريخ يقدم لنا دروس كثيرة ، ويجعلنا أكثر إدراكا لأبعاد وخفايا الصراع فيما وراء حدودنا الجنوبية.

تاريخ الصراع

إن الموقع الجغرافي لكل من تشاد والنيجر جيران ليبيا في قلب إفريقيا الوسطى ، ومنطقة الساحل الإفريقي ، وهذا الموقع جعلهما في مرمى نيران الصراعات والتنافس على النفوذ  بين الدول الكبرى.

وهو صراع قديم يتجدد ، وقدر ليبيا أن تتأثر بهذا الصراع ، ولا يمكن للدولة الليبية  أن تغمض أعينها عن ما يجري من صراعات وتنافس فيما وراء حدودها الجنوبية.

إن التمعن في إحداث ووقائع  الصراع التاريخي بين الدولة العثمانية وكل من فرنسا وبريطانيا في القرن التاسع عشر  يجعلنا اكثر قدرة على فهم كثيرا الحقائق.

أن تزايد الأطماع الفرنسية في بلاد السودان جعلت التدخلات الدبلوماسية البريطانية المنبّهة للدولة العثمانية لمخاطر المساعي الفرنسية في أفريقيا الوسطى تجد قبولاً لدى الباب العالي.

وعلى أثر ذلك بادرت السلطات العثمانية بإصدار أوامرها للتحقيق في هذه المسائل عن طريق والي طرابلس محمود نديم، الذي عرف بتقديره للمخاطر الفرنسية في المجال الحيوي الليبي، وكان مؤمناً بضرورة بسط السيادة العثمانية الليبية على السودان الأوسط .

وبعد أن درس الوالي المذكور المسألة اقترح ضرورة إتباع نظام إداري جديد يُطبَّق على القبائل الليبية والسودانية في الصحراء كي يسود الأمن التام في طرق القوافل للحيلولة دون إيجاد أي مبرر قد تستغله فرنسا ذريعة لتدخلها في المنطقة، ويقوم هذا النظام الذي اقترحه الوالي المعني على ما يلي:

ـ التساهل مع التجار الصحراويين من عرب وسودانيين وكسب ودهم

ـ وفصل غدامس عن الجبل إدارياً، ورفعها إلى مستوى قائم مقامية

ـ وتعيين موظف لإدارة أعمالها تتوفر فيه الخبرة والكفاءة

ـ وكذلك إعفاء التجار الغدامسيين من الضرائب والرسوم الجمركية.

واتجهت السياسة العثمانية إلى التوسع في الصحراء الأفريقية وتحقيق نجاح هام في كسب مناطق جديدة بعد عام 1875م ،  واشتد التوسع التركي في الصحراء في عهد متصرف فزان مصطفى فائق باشا الذي حكم بين عامي 1879م -1885م ، وكان من أهم إنجازاته ضم جانت الواقعة جنوب غات وهي سوق للطوارق وقضاء الأزقر إلى الحكم العثماني.

ومع بدايات العقد الثامن من القرن التاسع عشر أخذت المطامع التركية في أفريقيا الوسطى تصطدم بالمصالح الفرنسية، وأدركت تركيا بصفة جدية نوايا فرنسا الجادة في التوسع في الصحراء ،  لذلك بادرت تركيا بإرسال الحاميات التركية إلى مناطق: تيبستي، والبوركو، والوادي تعزيزاً للوجود العثماني في تلك المناطق.

ويبدو من عدة قرائن مختلفة أن الأتراك قد حاولوا في الأعوام العشرة الأخيرة من حكمهم وسيادتهم على ليبيا مضاعفة جهودهم للتوغل في أفريقيا ومنها:

ـ العمل على احتلال إقليم التبو احتلالاً دائماً ثابتاً عام  1906م

ـ وإرسال بعثة الكابتن عبدالقادر جامي بك العسكرية والسياسية إلى غات في ذات العام ، وهي البعثة التي عبرت عن الرغبة في بذل نشاط أقوى وأكبر لبسط النفوذ التركي بين طوارق الأزقر إلى الغرب والجنوب من غات.

الاتفاقيات الفرنسية البريطانية حول الحدود ، اعوام (1890- 1898 – 1899) وموقف الدولة العثمانية منها:

وُقع الاتفاق الفرنسي البريطاني الأول في 1890.08.15م ،  ويعد هذا الاتفاق هو الأول من نوعه فيما يتعلق بتحديد مناطق النفوذ بين البلدين فيما بين النيجر من ناحية وتشاد والنيل من ناحية أخرى.

وفيما يخص حدود ولاية طرابلس فقد بقيت كما هي، حيث حفظ الاتفاق حقوق السلطات العثمانية في فزان، كما هي واردة في مذكرة التبادل بين سالسبوري  ووارنجتنون، ومع ذلك فإن هذا لم يمنع الباب العالي من الاحتجاج لدى الدولتين والمطالبة بالحقوق العثمانية في الهنترلاند الليبي .

ولم تبد الدولتان بريطانيا وفرنسا اهتماماً للاحتجاج التركي وسارتا في طريق توقيع اتفاقية جديدة تصحيحية في 1898.06.14م  وذلك لتعديل الاتفاق الأول، وكان أهم ما جاء في هذه الاتفاقية بخصوص الحدود الليبية، هو إقصاء فزان عن مناطق النفوذ الفرنسي، ويلاحظ أن هذه الاتفاقية قد أنهت تحديد الحدود الليبية الجزائرية، ولم تتعرض للاختلافات حول الحدود الجنوبية والجنوبية الشرقية.

وكانت تركيا قد احتجت على الاتفاق البريطاني الفرنسي المذكور في نقاط محددة قد أرسلتها إلى الحكومتين عن طريق سفيريها في لندن وباريس في 3 أكتوبر عام  1898م  مجددة مطالبها التي تشمل بالإضافة إلى الأراضي المدارة مباشرة عن طريق حكومة طرابلس، مثل: غدامس، غات، بلاد الأزقر، مرزق، القطرون، تجرهي، كل الأراضي الأخرى الواقعة إلى الجنوب حتى تشاد والكاميرون وحوض الكونغو إلى الغرب حتى درجة 6 من خط الطول، وفي الشرق حتى دارفور.

وهذا هو الهنترلاند  الليبي المعلن من قبل الحكومة العثمانية ويشمل بالإضافة إلى بوركو، وتيبستي، ولوجرحي، ووداي، والأونيانجا أيضاً، طريق القوافل الكبير الذي يربط مرزق – الكفرة، يات – بلما – أجاد سين.

وقد جهزت رئاسة الأركان العثمانية خريطة لحدودها هذه، كما أنها أصدرت مذكرة تحريرية بالخصوص جاء فيها شرح مسهب للنظرية التركية حول الهنترلاند  الليبي، حؤولاً دون أن تفسر تفسيراً خاطئاً، مبينة الضمانات الفرنسية والبريطانية الممنوحة للدولة العثمانية على جنوب ولاية طرابلس الغرب، موضحة إصرارها على ضرورة بقاء طريق القوافل مرزق – كوكا داخل الإمبراطورية.

وقد أثارت هذه المذكرة احتجاج الحكومة الفرنسية، التي صدرت عنها ردود أفعال قوية حول الحقوق العثمانية المزعومة في الهنترلاند  الليبي، معتبرة أن هذه المطالب العثمانية في الظهير الليبي خالية من أية شروط قانونية تدعم تلك المطالب.

واستهدفت معاهدة 21 مارس عام  1899م  بين بريطانيا وفرنسا وضع الهنترلاند  الليبي وطرق القوافل مع بلاد السودان تحت النفوذ الفرنسي، ووفقاً للمعاهدة المشار إليها انبسطت الأملاك الفرنسية على كانم ووداي، وباجرمي، وبورنو وتيبستي.

وقد أثارت هذه المعاهدة ردود أفعال تركيا التي أرسلت مذكرة احتجاج إلى الحكومة الفرنسية عن طريق سفيرها في باريس منير باي بتاريخ 1899.03.29م  تشير فيها إلى أن الاتفاقية المبرمة بين فرنسا وبريطانيا سوف تمس المصالح التركية جنوب منطقة طرابلس.

وقد أجاب ديلكاسي وزير الشؤون الخارجية الفرنسية السفير التركي بأن الحكومة الفرنسية لا تنوي البتة المساس بمصالح السلطان أو ممتلكاته في منطقة طرابلس، ولكنه أوضح في الوقت نفسه أنه لا يمكنه اعتبار البلدان المشار إليها  من طرف السفير تابعة لمنطقة طرابلس، واعتبر هذه المناطق أرضاً لا صاحب لها.

يتبع في الجزء التالي بدأً بـ ( تتمة … الصراع الدولي ومصالح الدول الكبرى)

*** 

محمد عمران كشادة ـ باحث بمركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية  بتونس

____________