Minbar Libya

يهدف الأورومتوسطي إلى أن يكون هذا التقرير مساعداً لمنظمات المجتمع المدني في ليبيا والمؤسسات الأكاديمية والحقوقية في فهم أبعاد المشكلة بما يسهم في حلها قانونياً ومجتمعياً وبما يتوافق مع التزامات ليبيا بموجب قوانين حقوق الإنسان.

الجزء الخامس

رابعا: موقف الدستور الليبي والقانون الدولي

أ ـ الوضع الدستوري للمسألة

ـ دستور 1951

نظم دستور ليبيا، والصادر في أكتوبر 1951 مسألة الجنسية في المواد 8 و9 و10 منه. واعتبرت هذه المواد أن الليبي هو من ولد في ليبيا أو كان أحد أبويه مولوداً في ليبيا أو أقام في ليبيا لمدة لا تقل عن 10 سنوات، كما قضت هذه المواد بعدم جواز بين الجنسية الليبية وغيرها من الجنسيات.

غير أن قانون الجنسية رقم 17 لسنة 1954 لم يتضمن أي إشارة بخصوص تمتع أبناء الليبية المتزوجة من أجنبي بالجنسية الليبية، ولا حتى بخصوص تمتعهم بالحقوق المدنية والسياسية، وهو ما يخالف الدستور، وكل ما أورده القانون حول جنسية المرأة الليبية التي تتزوج من أجنبي بجنسيتها إلا إذا رغبت في الحصول في الحصول على جنسية زوجها، وكان القانون الخاص بزوجها يمنحها جنسيته، مع احتفاضها بالحق في استرداد الجنسية الليبية في حال انتهاء علاقة الزوجية وبشرط أن تفقد جنسيتها الأجنبية التي اكتسبتها بالزواج.

ـ الإعلان الدستوري 2011م

نص الإعلان الدستوري الليبي الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي في أغسطس 2011 على المساواة بين الرجال والنساء في الحقوق. ما يعني أن أي مولود يولد من أب وأم ليبية يكون متمتعا بالجنسية الليبية، حيث تنص المادة 6 من هذا الإعلان على ما يلي:

الليبيون سواء أمام القانون، ومتساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، وفي تكافؤ الفرص، وفيما عليهم من الواجبات والمسؤوليات العامة. لا تمييز بينهم بسبب الدين أو المذهب أو اللغة أو الثروة أو الجنس أو النسب أو الأراء السياسية أو الوضع الاجتماعي أو الإنتماء القبلي أو الجهوي أو الأسري“.

حيث أن الأصل وفق هذه المادة أن الحقوق والواجبات متساوية للرجل والمرأة تماما، وعليه، يعتبر التمييز في اكتساب الجنسية بين الليبيين انتهاكا لهذا الإعلان الدستوري.

ـ مسودات مشروع الدستور من الهيئة المنتخبة في العام 2013م

أصدرت الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، المنتخبة في العام 2013م، ثلاث مسودات (مقترحات) تناولت فيها مسألة أبناء الليبية المتزوجة من أجنبي على النحو التالي:

المسودة الأولى والثانية:

أشارتا بوضوح غير قابل للتأويل إلى عدم منح الجنسية الليبية لإبن المتزوجة من أجنبي. فقد نصت المادة 2\11 على أن الليبي من ولد لأب ليبي، فيما اكتفت المادة 3\13 بالنص على أن تعطي أفضلية لمنح الجنسية لأولاد الليبيات“. أما المادة 6\119، والتي تتصل بالحق في الحياة الكريمة، فنصت على منح أبناء الليبيات المتزوجات من أجانب وأبناؤهن في العاصمة الليبية طرابلس وبنغازي. جاءت المسودة التوافقية بتعديل المادة الخاصة بالجنسية، حيث اعترفت لأبناء الليبية المتزوجة من أجنبي بالجنسية الليبية، وهذه المسودة هي التي يفترض أن تطرح للإستفتاء الشعبي قريبا.

ـ مسودة الدستور التوافقية الصادرة عن الهيئة المنتخبة (2017م)

أصدر مجلس النواب الليبي قانون الاستفتاء على المسودة التوافقية الثالثة للدستور، والمشار إليها في السطور السابقة، والتي تتطلب موافقة ثلثي الليبيين عليها. إضافة إلى ضرورة حصولها على 50% +1 في كل إقليم من الأقاليم التاريخية الثلاثة، طرابلس، فزان، برقة. حتى تكون بمثابة مرجعية دستورية للدولة الليبية.

لم تشر المسودة التوافقية نهائيا لمسألة تنظيم الجنسية باستثناء ما ورد في المادة 10 التي أشارت إلى تنظم أحكام الجنسية الليبية وكيفية اكتسابها وسحبها بقانون، يراعى فيه اعتبارات المصلحة الوطنية والمحافظة على التركيبة السكانية وسهولة الاندماج في المجتمع الليبي، ولا يجوز إسقاط الجنسية الليبية لأي سبب“.

ذلك يعني أن قانون الجنسية رقم 24 لسنة 2070م الذي لا يمنح ولا يعترف بالجنسية الليبية لأبناء الليبية المتزوجة من أجنبي يظل هو المطبق والمعمول به إلى حين اعتماد المسودة كدستور للدولة الليبية بعد الاستفتاء وانتظار السلطات التشريعية الجديدة التي من الممكن أن تعدل القانون بما يسمح بتطبيق مبدأ المساواة بصورة صحيحة.

يشار أيضا إلى أن استخدام عبارات المصلحة الوطنية والمحافظة على التركيبة السكانية وسهولة الاندماج في المجتمع الليبي نصوص فضفاضة قد تستغل وتفهم بشكل خاطئ مما يترتب عليه استمرار التفرقة بين من يولد لأم ليبية وأب أجنبي بالمقارنة مع من يولد لأب ليبي أيا كانت جنسية أمه.

وقد جاء نص المادة 7 من المسودة التوافقية مطمئنا عندما نصت على المواطنون والمواطنات سواء في القانون وأمامه، لا تمييز بينهم، وتحظر كافة أشكال التمييز لأي سبب كالعرق أو اللون أو اللغة أو الجنس أو الميلاد أو الرأي السياسي أو الإعاقة أو الأصل أو الإنتماء الجغرافي وفق أحكام هذا الدستور

ب ـ موقف القانون الدولي

يمكن تناول مسألة نظر القانون الدولي والهيئات التعاقدية للأمم المتحدة لمنح الجنسية من خلال 3 محاور رئيسية:

الأول: الجنسية حق، ولا يجوز أن يكون هناك شخص عديم الجنسية

حيث اقتضت الاعتبارات الإنسانية الاعتراف بحق كل إنسان في أن يكون له جنسية، وهذا هو جوهر نص المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948م). ونصّت المادة 3\24 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. والذي كانت ليبيا صادقت عليه دون تحفظات في العام 1970م، على أن لكل طفل حق في اكتساب الجنسية، كما قضت المادة 3 من العهد بواجب الدول في كفالة تساوي الرجال والنساء في حق التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها في العهد.

وقد ذكرت هيئة خبراء الأمم المتحدة، والتي تراقب درجة التزام الدول بتنفيذ العهد بأنه من أجل الوفاء بالالتزامات التعاقدية للعهد، على الحكومات ضمان المساواة بين الرجل والمرأة في القدرة على منح الجنسية لأبنائهم“.

وفي ذات الإطار، تلزم المادة 8 من اتفاقية حقوق الطفل الدول باحترام حقوق الأطفال، ممثلة في الحفاظ على الهوية والجنسية من أي تدخل غير مشروع. في حين تؤكد المادة 7 من ذات الاتفاقية على ضرورة ضمان تمتع الأطفال المولودين في إقليم دولة ما بحق اكتساب الجنسية.

كما أن القانون الدولي ممثلا في اتفاقية عام 1961م بشأن خفض حالات انعدام الجنسية (في المادة 5 و6 منها)، حظر بشكل تام فقدان الجنسية والحرمان منها في سياق تغيّر الحالة المدنية للشخص، خاصة إذا كان ذلك يؤدي إلى انعدام الجنسية.

ونصّت المادة 2\7 من الاتفاقية الاوروبية بشأن الجنسية صراحة على حظر فقدان الجنسية أو الحرمان منها في حالة المعالين إن كان ذلك سيفضي إلى انعدام الجنسية.

وتأكيداّ على هذا التوجه، أشار التقرير السنوي (2016م) لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان حول حقوق الإنسان والحرمان التعسفي من الجنسيةالمقدم لمجلس حقوق الإنسان عام 2016م. وثيقة تشير إلى ضرورة احتواء القوانين المحلية للدول على ضمانات تكفل حق الطفل في الجنسية. بما في ذلك حصول الأطفال المولودين على إقليمها عليها والذين سيكونون لولاها عديمي الجنسية، وكذلك من يولد لأحد المواطنين في الخارج وسيكون عديم الجنسية بدونها. وقالت المفوضية بأن على الدول أن تتأكد من أن هذه الضمانات تتيح اكتساب الجنسية لكل طفل كان سيظل لولا ذلك من دون جنسية، في أقرب وقت ممكن بعد الولادة“.

ووفقا للفقرة 43 من وثيقة صادرة في العام 2009م عن مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ، ينبغي للقرارات المتعلقة بالجنسية أن تصدر كتابة وتكون قابلة للمراجعة الإدارية أو القضائية الفعالة“. وذلك تجنبا للتعسف في مثل هكذا إجراءات.

الثاني: ينبغي المساواة بين الرجل والمرأة في حقوق اكتساب الجنسية ومنحها لأطفالهما

حيث تؤكد المادتان 2\أ و 9 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة على ضرورة مساواة الدول المرأة بالرجل وإدماج هذا المبدأ في قوانينها، ويشمل ذلك المساواة في حق اكتساب الجنسية وفي حق منح الجنسية لأطفالها، وألزمت الاتفاقية الدول بمنح المرأة حقا مساويا للرجل من حيث اكتساب الجنسية أو الاحتفاظ بها أو تغييرها.

وهو ذات الحكم الذي تضمنته نصوص بروتوكول الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الخاص بالمرأة. والذي تعد ليبيا إحدى الدول التي صدّقت عليه.

المادة 2\9: “اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأِة تمنح الدول الأطراف المرأة حقا مساويا لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالها

ويشار إلى أن ليبيا صدّقت على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، لكنها تقدمت بتحفظات رسمية لإعفاء نفسها من الالتزام ببعض الأحكام الواردة في الاتفاقية. وضمن ذلك سجلت تحفظاتها على المادة 2، بشأن مكافحة التمييز في جميع أشكاله، لكن هيئة خبراء الأمم المتحدة المعنية بمراقبة تنفيذ الإتفاقية قالت أن التحفظات على هذه المواد غير مسموح بها بموجب أحكام الاتفاقية. ودعت ليبيا إلى منح المساواة في حقوق المواطنة للرجال والنساء، بما في ذلك عبر تعديل قانون الجنسية.

الثالث: حرمان أولاد الأم من جنسيتها يحرمهم من حق التمتع بحقوق أساسية أخرى

إن خطورة عدم منح الجنسية للأطفال والتحذيرمن ذلك يرجع كذلك للآثار الخطيرة التي تترتب على مدى تمتعهم بحق التعليم المجاني والخدمات الصحية والعمل والإقامة، وعدم حصولهم على الإعانات التي ربما يحصل عليها المواطنون الذين يحملون الجنسية، وإجبارهم أحيانا على العمل بشكل غير نظامي. فضلا عن وقوعهم ضحية استغلال أصحاب العمل لهم، وعدم تمتعهم بحق الحماية التي يتمتع بها المواطنون خارج دولهم.

وفي بعض الأحيان، لا سيما في حالة الطلاق، يعاني الأولاد معاناة شديدة في ظل عدم امتلاكهم جنسية أية دولة، لا سيما إذا كانوا نموا وكبروا في بلد أمهم، ثم يجدون أنفسهم في تلك البلد التي كبروا فيها دون أن يحملوا جنسيتها. وإذا أرادوا الالتحاق بجامعاتها فيتم معاملتهم من حيث القبول والرسوم معاملة الشخص الأجنبي.

ثم إذا أرادوا الالتحاق بسوق العمل، واجهوا إشكالية ضخمة تتمثل في إذن الحصول على تصريح للعمل، باعتبارهم أجانب، وإذا صدر هكذا تصريح، فإنه سيكون مؤقتا كما هو معلوم في مثل هذه الحالات، وسيحتاج للتجديد كل مدة. فضلا عن صعوبات الحصول على الإقامة في البلد والحاجة للتجديد كل مدة. والعوائق التي تواجههم في حالة السفر مع أمهم كونهم لا يحملون جنسيتها.

التوصيات:

يدعو المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان السلطات الليبية إلى:

ـ ضرورة تعديل قانون الزواج من غير الليبيين والليبيات رقم 15 لسنة 1984م. بما يكفل حق المرأة الليبية وحريتها في اختيار شريك حياتها بما يتماشى مع المواثيق والاتفاقيات الدولية المصادق عليها من قبل ليبيا.

ـ يمكن أخذ الاعتبارات التي تتحدث عنها الجهات الليبية الرسمية بعين الاعتبار عبر وضع شروط للأجنبي الراغب في الزواج من ليبية، كالإقامة مدة معينة في ليبيا دون انقطاع، وذلك لتبديد مخاوف داعمي منع الليبيات من الزواج من غير الليبي، أو إحالة الأمر لجهة رقابية فيما يخص تزوير أي مستندات والتدقيق في الوثائق والأشخاص تحسبا لوجود مطلوبين للعدالة، دون أن يكون إذن أو رفض وزارة الشؤون الاجتماعية مفتوحا وغير مقيد بشروط محددة وغير تعسفية.

ـ العمل على تعديد قانون الجنسية رقم 24 لسنة 2010م، بما يمكّن أبناء الليبية المتزوجة من أجنبي من حقهم في الجنسية.

ـ ضرورة تسوية الأوضاع القانونية لأي ليبية متزوجة من أجنبي والعمل على حصول أبنائهن على حقوقهم كاملة.

انتهى التقرير

***

المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ـ هو منظمة دولية مستقلة تعنى بقضايا حقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تأسست في نوفمبر2011. ويقع مقر المنظمة الرئيسي في جنيف بالإضافة إلى وجود مقر إقليمي في الأراضي الفلسطينية، وعدد من الممثلين في دول أخرى.

____________