Minbar Libya

بقلم أحمد قاسم حسين

بات التنافس بين القوى الإقليمية والدولية واضحًا في مسار الأزمة الليبية، خاصة بين الدولتين الأوروبيتين فرنسا وإيطاليا، اللتين اتسم سلوكهما في ليبيا بالدينامية والتغيير المستمر بما يحقق مصالحهما، ويعزز نفوذهما، ويضمن أمنهما القومي.

الجزء الأول

قاد ذلك إلى تناقض وعدم اتفاق بينهما. وتطور الأمر بين مسؤولي الدولتين ليصل إلى حرب كلامية، على الرغم من اعترافهما بالاتفاق السياسي الليبي الصخيراتومخرجاته، والتزامهما الخطاب الأوروبي المشترك بضرورة التحرك الدبلوماسي لحل الأزمة الليبية بالطرق السلمية.

فقد اتهم نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني، وهو زعيم حزب رابطة الشمال اليميني المتطرف، فرنسا بأنها تسلب خيرات أفريقيا، وأنه لا مصلحة لها في استقرار ليبيا، لأن لديها مصالح نفطية تتناقض مع المصالح الإيطالية” .

وسبق تصريحات سالفيني تصريحٌ للنائب الثاني لرئيس الحكومة الإيطالية لويجي دي مايو، من حركة خمس نجوم، وهو حزب شعبوي، وصف فيها الفرنك الغربأفريقي بـ العملة الاستعمارية، في إشارة للعملة المشتركة لدول غرب أفريقيا التي كانت تحتلها فرنسا في الحقبة الاستعمارية في القرن العشرين.

وعلق دي مايو في وقت سابق على الحركة الاحتجاجية في فرنسا السترات الصفراء، معبرًا عن دعمها واستعداد حزبه لمساعدتها في إطلاق منظومة للديمقراطية المباشرة على شبكة الإنترنت.

وقد أرجع دي مايو تصريحاته الحادة في انتقاد السلطات في باريس إلى وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحكومة الإيطالية الحالية المحسوبة على الشعبويين، بـ الجذامالذي عاد ينتشر في أوروبا.

وتعكس هذه الحرب الكلامية بين مسؤولي الدولتين حجم التناقض والتعارض في الرؤى والمصالح في الساحة الليبية، على نحو ربما يفضي إلى أزمة دبلوماسية بين الطرفين تؤثر في توجهات الاتحاد الأوروبي لإيجاد حل مشترك للأزمة الليبية التي تمثّل تهديدًا لأمن دوله، وبخاصة المطلة على البحر الأبيض المتوسط.

وفي هذا الصدد، دعت المفوضية الأوروبية، على لسان مارغريتس شيناس، الناطق الرسمي باسم الجهاز التنفيذي الأوروبي، فرنسا وإيطاليا إلى تجنب التلاسن والتصعيد الكلامي بينهما، والركون إلى التهدئة، وتوخّي أسلوب الحوار والتعاون بدلًا من التعليقات وتبادل التهم

الأمن الأوروبي يبدأ من الحدود الليبية

تميّزت الثورة الليبية التي بدأت شعبية مدنية، بحضورٍ فاعل ومؤثر للقوى الإقليمية والدولية منذ بداياتها؛ إذ مثّل التدخل العسكري الخارجي العامل الأساسي في إطاحة نظام القذافي، عندما قامت قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) بمهاجمة معاقله مباشرة، بعد صدور قرار مجلس الأمن 1973 بذريعة حماية المدنيين الليبيين“.

وقد استندت الدول المتدخلة عسكريًا، وعلى رأسها فرنسا، في ليبيا إلى طلب المجلس الوطني الانتقالي باعتباره ممثلًا شرعيًا للشعب الليبي. وما إن تمت إطاحة القذافي حتى جرت أول انتخابات حرة ونزيهة في ليبيا لانتخاب مجلس وطني في 7 تموز/ يوليو 2012، أقبل عليها المواطنون الليبيون المتعطشون إلى ممارسة حقهم في التصويت والانتخاب بعد خمسة عقود من سيطرة الدولة الشمولية التي أسس أركانها القذافي.

لكن الاقتتال الداخلي قاد إلى تعثر العملية السياسية في ليبيا بسبب مجموعة من العوامل الداخلية مثل فوضى السلاح، وانهيار مؤسسات الدولة، وانعدام الأمن، فضلًا عن عوامل خارجية مرتبطة بتعارض مصالح القوى الخارجية، خاصة خلال الفترة الانتقالية.

فقد ساهمت هذه القوى في تقديم الدعم المالي والسياسي للفواعل السياسية المؤثرة في العملية السياسية الليبية بما يخدم مصالحها ويعظم نفوذها.

وانتقلت أدوار القوى الخارجية إلى مستوى التدخل العسكري المباشر، على وجه التحديد إيطاليا وفرنسا، على نحوٍ فاقم حدة الأزمة التي باتت تمثّل تهديدًا أمنيًا لدول الاتحاد الأوروبي التي تعرّف أمنها القومي انطلاقًا من الجغرافيا الليبية.

 بناء عليه، فإن التحكم في حدود ليبيا الجنوبية والشمالية والسيطرة عليها أولوية بالنسبة إلى الأمن القومي لدول الاتحاد الأوروبي الذي سعى لوضع خطط عمل تهدف إلى ضبط السواحل الليبية التي تمثّل نقطة الانطلاق الأساسية لقوارب المهاجرين.

وفي سبيل ذلك، تنسق دول الاتحاد مع مجموعة من الأجهزة والهيئات الأوروبية للحد من الهجرة غير القانونية، وتتبع شبكات الاتجار بالبشر؛ أهمها:

ـ قوات الأوروفورس، وهي قوات برية وبحرية، إضافة إلى الوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود الخارجية فرونتكس،

ـ وعملية صوفيا التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في 22 حزيرانيونيو 2015، للتصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية وتهريب البشر والجريمة المنظمة عبر الحدود، وكذا ضبط الحدود الجنوبية أمام تدفقات المهاجرين، وما يرتبط بها من تهديدات أمنية، فضلًا عن العمليات العسكرية والاستخباراتية التي تقوم بها روما وباريس انطلاقًا من الأراضي الليبية.

فرنسا والبحث عن نفوذ في ليبيا

تنامى الدور الفرنسي في ليبيا مع اندلاع ثورة 17 فبراير 2011؛ إذ كان الرئيس السابق نيكولا ساركوزي الأشد حماسة للمشاركة في الحملة العسكرية التي أنهت حكم العقيد معمر القذافي.

وحاولت باريس جني المكاسب السياسية والاقتصادية من خلال زيادة نفوذها في الساحة الليبية ذات الموقع الجيوسياسي المهم والموارد الطبيعة الهائلة مقارنة بعدد السكان.

واستمرت باريس ضمن المنظومة الأوروبية في تبني إستراتيجيات عمل في ليبيا قائمة على التوازن بين المصالح والخوف من الانزلاق في أتون الحرب الأهلية الليبية.

ولكن باريس خرجت عن صمتها، بعدما تكبدت خسائر في صفوف جنودها في عام 2016، وأعلن حينها الرئيس السابق، فرانسوا هولاند، مقتل ثلاثة جنود فرنسيين غرب بنغازي إثر تحطم مروحيتهم.

ولا يختلف اثنان على أن غرض الوجود العسكري الفرنسي شرق ليبيا هو دعم قوات خليفة حفتر، فباريس منحازة انحيازًا تامًا لطرفٍ في المشهد السياسي الليبي، على الرغم من اعترافها الصريح بالاتفاق السياسي، وبحكومة فايز السراج في طرابلس باعتبارها الحكومة الشرعية في البلاد.

وازداد الاهتمام الفرنسي بالملف الليبي مع الرئيس إيمانويل ماكرون؛ فقد صرح وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، في حوار أجرته معه صحيفة لوموند الفرنسية، في حزيران/ يونيو 2017، أن ليبيا من أولويات الرئيس ماكرون.

وجرى عقد لقاء جمع فايز السراج وخليفة حفتر في باريس في 25 تموز/ يوليو 2017، برعاية ماكرون، كان يهدف إلى دفع العملية السياسية في ليبيا، وتزامن مع تولي الممثل الخاص الجديد للأمين العام للأمم المتحدة، غسان سلامة، مهماته، ما يعني رغبة باريس في فرض واقع جديد في المشهد السياسي الليبي، بحيث لا يستطيع المبعوث الدولي الجديد تجاوزه أو تجاهله، فتصبح فرنسا مفتاح الحل للأزمة السياسية.

أثار تحرك باريس المنفرد آنذاك غضب الساسة الإيطاليين الذين انتقدوا غياب بلادهم عن المشهد، ففرنسا لم تعْلمها بحيثيات اللقاء، ولكن أبلغتها به شخصيات مقربة من السراج وحفتر.

ومثّل ذلك خيبة أمل لإيطاليا التي رأت في خطوات باريس احتكاراً لملف ليبيا ومحاولة لسحب البساط من تحت أقدام الساسة الإيطاليين، باعتبارهم أصحاب الجهد التنسيقي والدبلوماسي للقاطرة الأوروبية في ليبيا.

جدير بالذكر أن ذلك اللقاء لم يأت بجديد، ولم يُحدث أي اختراقٍ في مسار الأزمة السياسية الليبية. وحينها، كان التحرّك الإيطالي في اتجاه تأكيد ضرورة التعامل مع حكومة الوفاق الوطني ودعمها، لأن روما منفتحة على الحوار مع الأطراف الليبية كلها، خصوصًا في مدينة مصراتة.

لكن فرنسا استمرت في البحث عن الأوراق التي تعظم نفوذها في ليبيا وفرض نفسها لاعبًا أساسيًا. فقد سعت إلى عقد لقاء يجمع أطراف الصراع في ليبيا، واعتبرت الفرصة مواتية في ظل نتائج الانتخابات البرلمانية الإيطالية، في آذار/ مارس 2018، التي أفضت إلى تشكيل حكومة من تحالف حزبَي الليغا (الرابطة) وخمس نجوم اللذين انتقدا السياسات الاقتصادية والاجتماعية لرئيس الحكومة السابق ماتيو رينزي، وإدارته السياسة الخارجية الإيطالية، لا سيما في الملف الليبي.

وتدعو هذه الأحزاب إلى اتباع سياسات أكثر انفتاحًا على خليفة حفتر، باعتباره الفاعل الأشد تأثيرًا وقدرة على محاربة الهجرة غير الشرعية والحركات الإرهابية.

كما يرى بعض قادة ائتلاف اليمين الإيطالي، وفي مقدمتهم، زعيم حزب الليغا، ماتيو سالفيني، أن سياسات موسكو في ليبيا وسورية أنجع من سياسات الاتحاد الأوروبي، ما يجعل توجهات الحكومة الإيطالية الجديدة التي يرأسها جوزيبي كونتي، أستاذ القانون الدولي في جامعة فلورنسا، غير واضحة الوجهة بشأن الأزمة في ليبيا وفق تقديرات الجانب الفرنسي.

كما أن غياب إستراتيجية أميركية تجاه الأزمة الليبية وتعاملها بضبابية معها يعطي فرنسا أفضلية في التحكم في مسار الأزمة الليبية.

تولّى الرئيس ماكرون في سبيل ذلك تكليف أجهزة المخابرات الفرنسية، ووزير خارجيته لودريان، للتأثير في الأطراف الليبية، ودفعها إلى الاجتماع في باريس، وتوسيع الاتصالات لتشمل رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، والعقيد خليفة حفتر، ورئيس مجلس الدولة المنتخب، خالد المشري.

ورأت روما، على لسان مصدر في الخارجية الإيطالية، أن مبادرات باريس خطوات استعراضية، ولن تحرز أي تقدم ملموس في العملية السياسية في ليبيا وتحقيق الاستقرار.

وتتويجًا لهذا التحرك الفرنسي، تم عقد مؤتمر في باريس في أيار/ مايو 2018 لبحث تطورات الأزمة الليبية برعاية ماكرون، وحضور الأطراف الأربعة الرئيسة الفاعلة في العملية السياسية الليبية، وهم: رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج، ورئيس مجلس الدولة خالد المشري، واللواء خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، إضافة إلى ممثلين من عشرين دولة منهم دول الجوار الجغرافي (تونس، ومصر، والجزائر)، ودول فاعلة وذات تأثير في المشهد السياسي الداخلي الليبي (قطر، ومصر، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وتركيا). 

اتفق المجتمعون على ضرورة إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في نهاية 2018، بإشراف المفوضية العليا للانتخابات وحكومة الوفاق الوطني. وسارع السفير الإيطالي في طرابلس، جوزيبي بيروني، إلى لقاء السراج بهدف فهم تحركات باريس هذه، وأكد أن بلاده تؤيد حكومة الوفاق ومبادرة غسان سلامة لحل الأزمة الليبية، ودعم المسار الديمقراطي الذي يفضي إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية، وفق الخطة التي أطلقها في 20 أيلول/ سبتمبر 2017.

ويدل ذلك على عدم موافقة روما على مخرجات مؤتمر باريس التي تعتبرها محاولة فرنسية للالتفاف على دورها في ليبيا.

كما أن إيطاليا قادرة على تعطيل مخرجاته، خاصة أن الاتفاق لم يشمل الأطراف السياسية والعسكرية كافة، ولم يتم تنظيم انتخابات نهاية عام 2018 لصعوبة تحقيق ذلك من الناحية العملية في ظل فوضى السلاح وانهيار كامل لمؤسسات الدولة.

يتبع في الجزء الثاني

***

أحمد قاسم حسين ـ يعمل باحثًا في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. حاصل على إجازة في العلوم السياسية من جامعة دمشق، عمل مساعد مدرس في كلية العلوم السياسية بجامعة دمشق قسم العلاقات الدولية. حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة فلورنسا الإيطالية، تتركز اهتماماته البحثية حول العلاقات الدولية.

___________