Minbar Libya

 تحقيق آلاء زارع

التحقيق ينقل شهادات السجينات في سجون حفتر، فقالت أحداهن “كان عناصر الأمن يتفاخرون بأنهم قاموا بالإعتداء على أخريات، وقالوا لي: أشكري الله أننا لم نفعل بك مثلهنوصرحت أخرى بأن “كثير من السجينات الجنائيات أخبرنا ليلى في سياق الحديث أنهن تعرضن للإغتصاب“.

الجزء الأول

كان يوم 13 ديسمبر/كانون الأول 2016 فارقا في حياة السيدة الليبية أسماء. في بلدة توكرة (نحو 70 كلم شرق مدينة بنغازي) اعتقلتها عناصر أمنية تابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر فغابت في السجون لأشهر دون محاكمة أو تهمة واضحة، وتعرضت للتعذيب. خرجت لاحقا، لكنها وقعت في دوامة الخوف وسجن العائلة والمجتمع، فحُرمت من بناتها وحياتها الطبيعية.

حكاية أسماء تشبه قصص ريم وليلى وصالحة وسارة (وكلها أسماء مستعارة) في السجون والمعتقلات بمناطق سيطرة حفتر بالشرق الليبي، ولم تخرج شهادات هؤلاء النسوة للعلن في هذا التحقيق إلا بعد ترتيبات طويلة وعشرات المكالمات والاتصالات وتطمينات بالحفاظ على السرية.

 بعض المعتقلات السابقات ممن تواصلت معهن معدة التحقيقرفضن بأي شكل الحديث عن تجربتهن إذ يعانين من رهاب وقوعهن تحت الرقابة الدائمة، ومنهن من تلقين تهديدات بالقتل من جهات سياسية أوعائلية في صورة الظهور إعلاميا أو التقدم بشكاوى، فيما تعوّل أسماء ومن تحدثن غيرها في هذا التحقيق على بقاء هوياتهن سرا.

 أسماء في سجون المداخلة السلفية

تتذكر أسماء (39 عاما) عندما جاءها زوار الفجرعند الساعة الثالثة صباحا واعتقلوها بتهمة مساعدة السكان على الخروج من منطقة قنفودة نحو 15 كلم إلى الغرب من وسط مدينة بنغازيوكانت من المعاقل الأخيرة لمقاتلي مجلس شورى ثوار بنغازيقبل سيطرة قوات حفتر عليها بشكل كامل في مارس/آذار 2017 بعد حصارها لعامين.

تقول أسماء إنه تم اعتقالها بعد القبض على أسرة تونسية ساعدتها في الخروج من منطقة بالقوارشة (نحو12 كلم إلى الغرب من وسط بنغازي) إلى إحدى بوابات المدينة.

جاء ضباط الأمن إلى منزلها وكان معهم قوة كبيرة، حاصروا المنزل وكأني إرهابية كبيرة أو داعشية” (تنتمي لتنظيم الدولة الإسلامية).

زادت معاناة المرأة التي تكفل خمس بنات حينما علم معتقلوها بعد فتح حاسوبها المحمولأنها ناشطة على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد كان لأسماء فعلا حسابان على تويتر، واحد يحمل اسمها وآخر باسم مدينتها بنغازي“.

اقتيدت إلى التحقيق، تقول: “في البداية جرت محاولة لتصفيتي لأنهم كانوا يعتبرونني خائنة، ثم تراجعوا بعد أن ضمن رئيس جهاز مكافحة الإرهاب عادل مرفوعةعدم التعرض لي بأي مضايقات، سواء بالكلام أو الأفعال، ومع ذلك كان عناصر الأمن يتفاخرون بأنهم قاموا بالاعتداء على أخريات، وقالوا لي: اشكري الله أننا لم نفعل بك مثلهن“.

تقاسمت الزنزانة الضيقة بسجن توكرةالتي مكثت فيها 17 يوما مع ست سجينات أو سبع يتغيرن كل فترة، وجميعهن معتقلات سياسيات ينحدرن من بنغازي وإجدابيا ودرنة، وكان هناك أيضا فلسطينيات وسودانيات ومن جنسيات أخرى.

يفتح الحمّام للسجينات مرتين فقط في اليوم، عند الثانية ظهرا والثالثة صباحا، وبالرغم من أن بعض النسوة كان معهن أطفال أعمارهم بين شهرين وست سنوات، لكن السجانين لم يراعوا ذلك، كما تقول أسماء.

كانت أسماء محظوظة إذ لم تتعرض للتعذيب في هذا السجن المكتظ بالسجينات السياسيات، وجاءت السلطات بمحققة حاولت الضغط عليها نفسيا دون أن تخضع لأي عنف بدني.

خرجت لاحقا من المعتقل لتستقر في بيت صديقة لها، لكن عناصر كتيبة التوحيد السلفيةاعتقلوها مرة أخرى بعد أقل من شهر واقتادوها إلى مكان لم تعرفه في بنغازي.

كانت كتيبة التوحيد السلفية تصنف جماعة دعوية من مؤيدي القذافي، تحولت لاحقا إلى مساندة حفتر بعد إطلاق عمليته العسكرية في بنغازي المعروفة باسم عملية الكرامة؛ وكغيرها من المليشيات تمارس الحركة سلطتها في عمليات الضبط والإحضار والاستجواب والإفراج والتعذيب، خصوصا في بنغازي.

تقول أسماء إنها واجهت من سجانيها الجدد ما لم يخطر لها على بال: “تم تقييدي بسلاسل ووضعي في غرفة مظلمة تماما وضربي بالعصي وبالأحذية على وجهي، ما زالت آثارها باقية. جردوني من ملابسي لكنهم لم يلمسوني، وكنت أسمع صراخا لمعتقلات بجواري من شدة التعذيب“.

في معتقلها كان معها تونسيات أزواجهن من مقاتلي سرايا الدفاع عن بنغازي، أُطلق سراحهن مقابل دفع السرايامبلغ خمسة ملايين دينار (نحو مليون دولار) مع الإفراج عن أسيرين لديها من قوات تابعة لإحدى مليشيات حفتر.

وسرايا الدفاع عن بنغازيتشكيل عسكري كونته شخصيات بارزة من ثوار الشرق الليبي في يونيو/حزيران 2016، لنصرة مجلس شورى ثوار بنغازي في مواجهة قوات الكرامةالتابعة لخليفة حفتر.

بعد سبعة أشهر، أُفرج عن أسماء بوساطة من أخيها الضابط في الجيش، وأصبح منزله سجنها الجديد لمدة شهر ونصف، قبل أن تتمكن إحدى بناتها من الدخول إليها لزيارتهاـ وهَرّبتلها هاتفا جوالا تواصلت عبره مع صديقة ومجموعة من الشباب تمكنوا من إخراجها من بيت أخيها.

بطريقة هوليوديةهربت أسماء من سجنها العائلي إلى سرت (نحو 560 كلم غرب بنغازي)، وهناك بقيت لفترة عند صديقة لها ثم انتقلت إلى طرابلس لتقيم عند صديقة أخرى، انقطع ما بينها وبين عائلتها إلا من اتصالات قليلة متباعدة مع بناتها عبر فيسبوك دون علم بقية العائلة.

سجن الكويفية ومأساة صالحة

 ولا تختلف مأساة صالحة (47 عاما) كثيرا عن معاناة أسماء إلا في بعض التفاصيل، من بينها أن صالحة كانت من نزيلات سجن الكويفية والمعروف بسجن الشرطة العسكرية (نحو سبعة كيلومترات إلى الشمال من وسط مدينة بنغازي).

تحكي السيدة نجاة في تسجيل للجزيرة نت قصة اعتقال شقيقتها صالحة في فبراير/شباط من عام 2018 عندما كانت في زيارة لبيت أخيها في بنغازي، هناك تم تفجير مسجد أثناء وجودها في المدينة، واتهمها أحد رجال الأمن بتنفيذه بسبب أن بعض أفراد عائلتها معارضون لحفتر، وشقيقها قائد ميداني معروف تابع لمجلس شورى ثوار بنغازي، كما تقول.

ظلت السيدة صالحة لشهر كامل محتجزة في زنزانة انفرادية في مكتب تابع للأمن الداخلي. ألح المحققون في سؤالها عن مكان إخوتها الذين توفاهم الله واتهموها بأنها تتستر عليهم، وأكدوا لها أن إطلاق سراحها رهين باعترافها بمكانهم، وتم تحويلها لاحقا إلى سجن الكويفية للنساء الذي يضم سجينات جنائيات.

لم يسمح لصالحة بالعلاج رغم معاناتها من نقص الصفائح الدموية والروماتيزم وضغط الدم، كما أفاد الكشف الوحيد الذي خضعت له بشكل غير رسمي بعد مساعدة أحد الضباط تعرفت أختها نجاة على زوجته.

زارها أهلها مرتين فقط عرفوا فيها سوء الأوضاع في السجن الذي يعج بالجرذان والعقارب، وحكت لهم أيضا عن عذابات معتقلة سياسية سمتها دنياتحتجز هي وطفلاها أحدهما عمره ست سنوات والآخر عمره ثماني سنواترهائن منذ عام، حتى يسلم زوجها نفسه باعتباره مقاتلا في صفوف مجلس شورى ثوار بنغازي“.

حُكم على صالحة بالبراءة في قضية تفجير المسجد وبسبعة أشهر بتهمة أخرى وهي نشر آراء معارضة على فيسبوك، ولم يسمح لأسرتها بتوكيل محام لها إلا قبل خروجها بفترة وجيزة، ويروي إخوتها أن وكيل النيابة قال لهم إنها بريئة، لكن إخراجها قد يعرضها لبطش كتيبة أولياء الدم“.

كانت هذه الكتيبة قد تشكلت من المقاتلين المدنيين من أهالي أو أقارب المؤيدين للواء حفتر، ممن طالتهم عمليات اغتيال في بنغازي بعد ثورة 17 فبراير، وقد نفذت عمليات اغتيال مضادة وأحرقت وهدمت منازل عائلات مقاتلي مجلس شورى ثوار بنغازي ومن ارتبط بهم وهجّرتهم من المدين

البقية في الجزء الثاني

***

آلاء زارع ـ إعلامية ومذيعة بقناة مكملين الفضائية

_______________________