Minbar Libya

بقلم أحمد قاسم حسين

 بات التنافس بين القوى الإقليمية والدولية واضحًا في مسار الأزمة الليبية، خاصة بين الدولتين الأوروبيتين فرنسا وإيطاليا، اللتين اتسم سلوكهما في ليبيا بالدينامية والتغيير المستمر بما يحقق مصالحهما، ويعزز نفوذهما، ويضمن أمنهما القومي.

الجزء الثاني

فرنسا والبحث عن نفوذ في ليبيا .. تتمة

بناء عليه، تسعى باريس إلى الحفاظ على مصالحها الاقتصادية في أفريقيا عمومًا، وليبيا على وجه التحديد، من بوابة التحديات الإستراتيجية التي تواجه دورها على المستوى الدولي.

ويعني ذلك أن لباريس توجهًا إستراتيجيًا نحو التدخل في الشأن الليبي، يأتي كجزءٍ من مراجعة شاملة تطّلبها الفكر الإستراتيجي الفرنسي المتجدّد للسياسات العسكرية والأمنية الفرنسية في الخارج.

ويقضي هذا الفكر بظهور فرنسا بمظهر القوة الأوروبية الأكثر دينامية وقدرة على التحرك في ضوء التحولات التي يشهدها الاتحاد الأوروبي، وبناء شراكات أمنية وسياسية لحماية أمنها ومصالحها في دول الساحل الأفريقي.

فقد استطاعت فرنسا أن تحافظ على علاقات عسكرية واقتصادية وثقافية مع مستعمراتها السابقة بالاعتماد على القوة العسكرية الدائمة واتفاقيات التعاون العسكري بين باريس وتلك الدول، ويصل الأمر أحيانًا إلى حد التدخل العسكري الفرنسي في حال حدوث أي تغيير ضد المصالح الفرنسية فيها.

ومن هنا، يمثّل جنوب ليبيا الغني بالموارد الطبيعية نقطة ارتكاز أساسية في الإستراتيجية الفرنسية المعتمدة في جزء منها على قوات خليفة حفتر التي بدأت عملية عسكرية واسعة جنوب البلاد تحت أهداف محاربة عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، وضبط الحدود، وضرب شبكات تجار البشر، وتأمين المنشآت النفطية، ومواجهة تدفق المهاجرين المتجهين شمالًا نحو شواطئ المتوسط.

وقد دعت قوات حفتر الجماعات المسلحة في المنطقة المستهدفة وأغلبهم مقاتلون قبليون إلى الانسحاب من المنشآت المدنية والعسكرية.

ولكن ذلك يثير حفيظة صانع القرار في روما الذي يرى في ليبيا منطقة نفوذ تاريخية ومصدرًا قريبًا ومهمًا للطاقة. كما تمثّل التهديدات الأمنية المرتبطة بالهجرة غير القانونية محددًا أساسيًا في سياسة روما الخارجية تجاه ليبيا.

روما ومحاولات استعادة الدور

استشعرت روما مبكرًا محاولات باريس تعظيم نفوذها في ليبيا منذ بدء العمليات العسكرية ضد نظام القذافي. وفي المقابل، تسعى روما إلى الحفاظ على نفوذها في ليبيا لأسباب تاريخية حيث كانت ليبيا مستعمرة إيطالية حتى استقلالها عام 1951، وأمنيّة بسبب قربها الجغرافي، وكذلك لارتباط أمن روما بأمن ليبيا. وهناك عوامل اقتصادية أيضًا حيث حافظت شركة إيني ENI للطاقة، الذراع الاقتصادية الإيطالية، على وجودها رغم الحصار والعقوبات الدولية التي فرضها المجتمع الدولي على نظام معمر القذافي.

وكان الحراك الدبلوماسي الإيطالي في أروقة الاتحاد الأوروبي مؤخرًا مكثفًا وذا فاعلية، ويهدف إلى انتزاع الدعم من دول الاتحاد باعتبار روما بمنزلة القاطرة الأوروبية في ليبيا، وللحد من زيادة نفوذ باريس خاصة في الجنوب الليبي الذي يعتبر البوابة الأساسية لفرنسا على دول الساحل الأفريقية. وجاء التحرك الإيطالي تحت مظلة اللجنة المشتركة الليبية الإيطالية في روما، في أيلولسبتمبر 2017.

ونتج من اجتماعات اللجنة اتفاق يقضي بتنفيذ مشروع إيطالي يموّله الاتحاد الأوروبي، على الحدود الجنوبية الليبية، ويتم بموجبه إرسال بعثة إيطالية لإقامة قواعد لوجستية للعمليات التنفيذية لحرس الحدود الليبي.

وبررت روما هذا التحرك بناء على معلومات استخباراتية، تفيد بأن مقاتلين أجانب يستعدون لسلوك طريق عسكرية، ولانتشارٍ فردي في أوروبا، مستغلين طرق الهجرة التي بقيت مفتوحة؛ فسياسات إدارة الحدود المعتمدة بين الدول الأفريقية وليبيا تسمح بنشاط مهربي البشر، ولا توجد قدرة لحكومة الوفاق الوطني على ضبط الحدود الجنوبية، ويصعب مراقبة الحدود التي يقع أغلبها في الصحراء بطول 4400 كيلومتر وتحاذي ست دول (تشاد، والنيجر، والسودان، والجزائر، وتونس، ومصر).

كما أن المنطقة الجنوبية الغربية من ليبيا ذات إمكانات هائلة لضخ أكثر من 400 ألف برميل من النفط الخام يوميًا، أضف إلى ذلك احتياطي كبير من الغاز الطبيعي يصدّر معظمه إلى إيطاليا من خلال أنبوب السيل الأخضر الذي يمر تحت الماء إلى صقلية؛ ما يجعل صناعة النفط محورية في إنعاش جنوب غرب ليبيا.

لقد انقطع جلّ هذا الإنتاج على مدى العامين الماضيين لأن المجموعات المسلحة في الشمال أغلقت أنبوب النفط الخام الذي يربط الحقول بمحطات التصدير.

وبناء عليه، فإن تقدم حفتر المدعوم فرنسيًا نحو تلك المنطقة يعني الاقتراب من منطقة نفوذ حيوية بالنسبة إلى إيطاليا التي تشجع خطوة مجلس الدولة بتعيين آمر عسكري للمنطقة الجنوبية، وذلك بعد أقل من أسبوعين من إعلان قوات حفتر إطلاق عملية عسكرية في منطقة الجنوب الغربي، ووصول قوات تابعة لها إلى مدينة سبها وإعلانها استلام مقارّ أمنية في المنطقة.

وتجدر الإشارة إلى أن روما خسرت حضورها الفاعل في المنطقة الأهم جيوسياسيًا، وهي منطقة الهلال النفطي، على خلفية سيطرة قوات خليفة حفتر عليها، وطرد قوات حرس المنشآت النفطية التي يقودها إبراهيم الجضران، مما دفع الحكومة الإيطالية الجديدة إلى أن تتبنّى خطة عمل جديدة في ليبيا واضحة ومحددة من خلال بوابة التنافس مع فرنسا في الساحة الليبية.

وتقوم روما بموجب ذلك بانفتاح على القوى السياسية والعسكرية المحلية شرق البلاد وغربها، على عكس الحكومة السابقة التي رأسها ماتيو رينزي، حيث اقتصرت علاقاتها على دعم حكومة الوفاق الوطني، مع بناء علاقات سياسية وأمنية محدودة مع التشكيلات والقوى العسكرية في الشرق الليبي.

لقد بدأت الحكومة الجديدة بناء جسور ثقةٍ مع الشرق الليبي، وتحديدًا مع العقيد خليفة حفتر؛ إذ قام مسؤولون إيطاليون بسلسلة زيارات، آخرها لقاء وزير الخارجية الإيطالي إينزو ميلانيزي بحفتر، واعتباره طرفًا لا غنى عنه، في التعامل مع الملف الليبي.

وأشار الوزير الإيطالي إلى أهمية دور رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، وإلى أنّه الطرف الأساسي والشرعي الذي تتعامل معه روما في ليبيا.

وتسعى إيطاليا إلى بناء جسور الثقة مع القوى الإقليمية الفاعلة والمؤثرة في المشهد السياسي الليبي الداخلي والحؤول دون انفراد فرنسا بتلك القوى الإقليمية والضغط عليها لتحقيق مكاسب في الساحة الليبية، وفي مقدمتها القوتان الجارتان جغرافيًا لليبيا (الجزائر، ومصر).

وبالتوازي مع ذلك، تعمل روما على الحصول على دعم الاتحاد الأوروبي ومؤسساته في التحرّك تجاه ليبيا، فقد أكدت الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية، فيديريكا موغيريني، مشاركتها شخصيًا باسم الاتحاد الأوروبي في أعمال مؤتمر باليرمو، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، بشأن ليبيا.

كما أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أنها تدعم المبادرات الإيطالية بشأن ليبيا أكثر من المبادرات الفرنسية، وهو أمر يدل على تحفّظ ألمانيا على الدور الفرنسي المتنامي في ليبيا.

خاتمة

يتصف سلوك الوحدات الفاعلة في النظام الدولي بالتنافس، خاصة في الجانب الاقتصادي، نتيجة تناقض مصالحها، وهو ما ينطبق على دول الاتحاد الأوروبي، وعلى وجه التحديد إيطاليا وفرنسا.

ويأتي ذلك على الرغم من تطور مسيرة التكامل بين دول الاتحاد الأوروبي وتطور التعاون والتنسيق بينها إلى حد الاتفاق على محددات سياسة خارجية. ويحتم تضارب المصالح السياسية والاقتصادية سيادة التنافس، إذ وصل ذلك مؤخرًا إلى حرب كلامية بين مسؤولي فرنسا وإيطاليا.

ومثّل التنافس الإيطالي – الفرنسي في الساحة الليبية عاملًا مهمًا يسهم بفاعلية في عدم تحقيق أيّ تقدم في مسار العملية السياسية؛ ما يضع العملية السياسية في ليبيا أمام تحديات تغذّيها صراعات القوى الإقليمية وتناقض مصالحها وإستراتيجياتها، ويهدد الاستمرار تعزيز سيناريو انهيار الدولة الليبية.

***

أحمد قاسم حسين ـ يعمل باحثًا في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. حاصل على إجازة في العلوم السياسية من جامعة دمشق، عمل مساعد مدرس في كلية العلوم السياسية بجامعة دمشق قسم العلاقات الدولية. حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة فلورنسا الإيطالية، تتركز اهتماماته البحثية حول العلاقات الدولية.

___________