Minbar Libya

بقلم المهدي ثابت

إنّ ما يجري في ليبيا من أحداث متسارعة شديد التعقيد. فالمصالح متقاطعة ومتناقضة واللاعبون في الساحة السياسية كثر من الداخل والخارج. إذ ثمّة من يرغب في الحل السياسي وآخرون يخربون العملية السياسية .

والكل يعمل على توظيف ما لديه من أوراق ليفرض موقفه كطرف قوي في أي حل قادم.

هذه الأوراق يتداخل فيها الاجتماعي بالسياسي والعسكري وحتى المالي وفي علاقة أيضا بالقوى الخارجية الإقليمية والدولية. والصراع سيبقى مفتوحا إلى أن تفرض جهة موقفها ويتداعى الجميع إلى الحل .

الجزء الاول

مقدمة

ليس من السهل مواكبة التطورات التي تطرأ على المشهد الليبي . فهو مشهد متقلب في مجمل مفرداته الأمنية والعسكرية والسياسية وحتى الاقتصادية. وكذلك هو مشهد تحكمه جملة من القوى الداخلية والخارجية المتناقضة والمتفاعلة بشكل مستمر.

ولذلك فإن متابعته تستوجب إلماما تاريخيا بمراحل الأزمة وإدراكا عميقا لطبيعة التوازنات القائمة في المستوى السياسي والعسكري والقوى الدولية المتدخلة فيه وطبيعة تأثيرها سلبا وإيجابا . بما يمكن في النهاية من قراءة أقرب ما تكون للواقعية بعيدا عن الانحياز لأي أجندة سياسية ولأي طرف من أطراف الصراع .

وما نسعى إليه في هذه الورقة هو شرح الأوضاع على الأرض في مناطق التأثير في ليبيا وانعكاس ذلك على الواقع العام في البلاد قبل المؤتمر الوطني الجامع الذي يراد منه الانتقال بالبلاد إلى مرحلة جديدة قد تكون بداية الحل الحقيقي للّأزمة . ليبيا شرقا وجنوبا وغربا. هذه الأقاليم تتفاعل فيها الأحداث متأثرة بعضها ببعض وفي علاقة بالمواقف الإقليمية والدولية لتصوغ في النهاية مشهدا عاما متقلبا ومتطورا باستمرار.

الوضع في الشرق الليبي

تعرف الكرامةفي الشرق الليبي حالة من التقهقر كبيرة .فعسكريا حفتر اختلف مع أكثر ضباطه الذين قاتل بهم طيلة السنوات السابقة وهم قيادات مهمة في قبائلهم وقرّب إليه أبناء عشيرته من الفرجان.

هذا الأمر زعزع الكيان العسكري للكرامة وألّب عليه الشارع في الشرق. والآن يحكم المنطقة بكتيبتين تحت قيادة ولديه . وباقي القوى تعيش تحت طائلة الخوف وليس إيمانا بمشروع الكرامة الذي ثبت أن هدفه الأخير هو تمكين الجنرال حفتر من السلطة وليس القضاء على الإرهاب كما سوّق لذلك داخليا وخارجيا.

هذه المعطيات اشتغل عليها عقيلة صالح رئيس البرلمان المنعقد في طبرق الذي يسعى لاستمالة القيادات القبلية في الشرق ليضغط بها على السراج وليحتمي بها من بطش حفتر . وقد مثلت له جدار دفاع سميك وقوة للمناورة السياسية .

والآن أصبح الصراع بين الرجلين واضحا للعيان سواء في علاقة مع حكومة الوفاق أو في العلاقة مع المحيط الإقليمي والدولي . لقد فقد حفتر ثقة أغلب البرلمانيين في الشرق . ولولا خوفهم منه ومن الملفات التي يمسكها عليهم لكان واقع البرلمان غير ما نشهد . وفي المجمل فإن جزءً كبيراً منهم يلتقون في طرابلس وينسّقون سرّا مع قيادات سياسية ورسمية تتبع حكومة الوفاق.

لقد حاول حفتر أن يتمدد في الجنوب الواقع خارج سيطرة الدولة واعتمد على مرتزقة العدل والمساواة السودانية وعلى جزء من المعارضة التشادية . وتحالف مع قيادات عسكرية محسوبة على النظام السابق مثل محمد بنايل ومسعود جدي ليضغط على مصراته وسرت وكذلك على حكومة طرابلس ولإيهام العالم بأنه يحارب الإرهاب في الصحراء .

لكنه في المدة الأخيرة وجهت له ضربات عنيفة في تراغن وسبها . إذ سيطر ثوار الجنوب على أهم معسكر في تراغن بما فيه من أسلحة وآليات وذخائر إلى جانب انسحابه من قاعدة تمنهنت . و لكن يحاول هذه الأيام العودة إلى الجنوب بتعلة محاربة الإرهاب والعصابات المارقة عن القانون . وقد واكب هذا التحرك حملة إعلامية كبيرة للتسويق للجنرال في محاولة لإبرازه كقوة عسكرية فاعلة ومؤثرة بعد الضربات العسكرية والسياسية التي تلقاها مؤخرا.

وتزامن هذا التحرك مع طارئ سياسي مهم على علاقة مباشرة بالملف الليبي وهو زيارة ناتانياهو رئيس وزراء دولة العدو الإسرائيلي لتشاد . وهناك حديث أن الإمارات وتشاد رتبتا لقاءات بين الجنرال حفتر وقيادات أمنية إسرائيلية في الأردن وتشاد.

وتوجد قناعة حاصلة الآن لدى أنصار حفتر في الإقليم و في فرنسا ولدى الإيطاليين والأمريكان والأنجليز أنه غير قادر على إحداث اختراق عسكري يؤثر في التوازنات السياسية بما يعني أنه في حالة جمود وانكفاء داخلي . وهذا يحد من تأثيره في القرار السياسي.

وهو بمنطق ما يجري الآن في ليبيا هو رجل قام بمهمة وانتهى دوره . ومساندة بعض الأطراف الإقليمية له إلى حد الآن بغاية تحسين شروط تفاوضها في إطار الوضع النهائي وليس بغاية التمكين له سياسيا أو عسكريا، هذا لا يمنع أن الرجل مازال يملك هامش المناورة خصوصا وأنه مسنود من التيار المدخلي في ليبيا؟

ولكن في المجمل الرجل في حالة تراجع عسكري وسياسي والتنسيق بين مصراته وإيطاليا أضعفه كثيرا ولم يعد في نظر السراج ذلك الرجل الذي يمكن أن يمثل له مصدر تهديد كما في السابق. والسيد وزير الداخلية في طرابلس على تواصل وتنسيق مع قيادات أمنية في الشرق في محاولة لسحب البساط من تحت أقدام حفتر دون أن يكون له القدرة على رد الفعل .

وحصل هذا مؤخرا عندما زار وفد يمثل وزارة الداخلية في طرابلس مدينة بنغازي والتقى وفدا أمنيا كبيرا . ثم بادر الوفد في بنغازي إلى زيارة العاصمة طرابلس. وهي رسالة سياسية أكثر منها تنسيقا أمنيا بين الجهتين .

الوضع في الجنوب

إن الجنوب الليبي خارج سيطرة الدولة وهو ساحة صراع دولية بأيادي ليبية وأجنبية . المخابرات الفرنسية تلعب بقوة في الجنوب وتشرف على ممرات الهجرة السرية لإرباك ايطاليا . هذه بدورها دخلت مؤخرا للجنوب وهي تشتغل على الحد من هذه الظاهرة عبر الدعوة إلى نشر قوات أجنبية للسيطرة على طرق الهجرة.

كما أن قوات المعارضة التشادية ومرتزقة حركة العدل والمساواة السودانية تتمركز في الجنوب وتجعل منه قاعدة للتحرك والتنظم . وقد وجد فيها حفتر قوة لمساندته عسكريا ضد خصومه. إضافة إلى أن الواقع الاقتصادي والخدمي في الجنوب منهار والتسيب الأمني كبير لغياب قوة أمنية منظمة وقوية تضبط الأمن.

الخدمات من صحة وكهرباء وتعليم منهارة وهذا ما جعل من أهل الجنوب غير واضحين في ولائهم السياسي فلا حكومة الوفاق وفرت لهم الأمن والخدمات ولا حفتر كذلك رغم وعوده الكثيرة لاستمالتهم فحكومة الشرق الواقعة تحت سيطرة الجنرال والتي يرأسها ابن الجنوب عبد الله الثني عجزت بدورها على توفير الحد الأدنى من المستلزمات لهذا الإقليم .

وكما هو معلوم فإن الجنوب غني بالنفط وبه أهم الحقول النفطية التي يسعى الجميع للسيطرة عليها وحمايتها لاستعمالها كورقة سياسية . وفي عديد المرات يتم إيقاف الضخ منها أو محاولة تخريبها كردة فعل على سياسة المركز في طرابلس أو لتصفية حسابات بين الخصوم السياسيين .

وفي المجمل هو ساحة صراع في أبعاد متعددة .أبعاد إثنية وسياسية واقتصادية وأبعاد أمنية. وإن الجنوب هو ساحة صراع لمكونات مختلفة عرب وطوارق وتبو وداخل كل مكون توجد الخلافات وتتعدد الولاءات سواء لأطراف في الداخل أو في الخارج .

فالتبو في فترة من الفترات كانوا يد فرنسا التي تبطش بها في الجنوب واستعملهم حفتر في حربه ضد ثوار بنغازي. إلا أن هذا المكون المهم وفي ظل تقاطع المصالح واختلافها أصبحوا مؤخرا أقرب لحكومة الوفاق في طرابلس وأقرب إلى خط فبراير منهم إلى الكرامة.

وبالنسبة للطوارق وإن كانوا قد ساندوا الثورة في البداية وساهموا مساهمة فعالة في إسقاط القذافي إلا أنهم تأثروا بما يجري من تهميش للجنوب وانعكس ذلك عليهم وتمت محاولة استمالتهم من القوى السياسية في الداخل ولكنهم بقوا على ولائهم لليبيا ولم يعرف عن هذا المكون أنه ساند الكرامة أو كان طرفا فيها.

الطوارق يقومون بدور مهم في حماية بعض الحقول النفطية ولهم فصيل عسكري قوي يقوده اللواء علي كنه الذي رغم أنه أقرب في توجهه للنظام السابق إلا أنه محترم للتموقع الذي اختاره الطوارق في الخارطة السياسية وهو موقف الدفع إلى الوفاق وبناء الدولة .

ويلقى اللواء كنه مساندة كبيرة من الجزائر وهو يقوم بدور فعال في حماية الحدود مع الجزائر ووقف ضد طموحات حفتر في الاقتراب من المنطقة الحدودية مع الجزائر . ولذلك يعتبره العديد من الملاحظين أنه رجل الجزائر القوي في الجنوب الليبي.

يبقى المكون العربي الذي هو الأقوى والأكثر تأثيرا في ساحة الجنوب والذي يمثل الأغلبية الديمغرافية .هذا المكون الذي يتمثل في أربع قبائل كبرى وهي أولاد سليمان والقذاذفة والمقارحة والحساونة.

هذه القبائل تختلف في ولاءاتها السياسية وتلتقي حول مسألة واحدة فقط هي أنها ضحية تهميش المركز . والمجلس الأعلى لقبائل الجنوب الذي يقوده الشيخ علي مصباح بوسبيحة المحسوب على النظام السابق  ينسق مع حكومة طرابلس وله علاقات مع حكومة الشرق . إلا أن هذا المجلس قد تجاوزته حالة الصراع العسكري لأنه لا يمتلك قوة عسكرية مؤثرة تعبر عن موقفه ولكنه يبقى طرفا سياسيا مهما في الجنوب وله كلمة في طرابلس وفي الشرق

والوضع الآن يتمثل في حكومة الوفاق التي تضخ مليار دينار ليبي للجنوب لتخفيف الاحتقان وحل الأزمات وتوفير الضروريات واستمالة القوى السياسية والعسكرية وحفتر يدخل على الخط لإفساد محاولة المجلس الرئاسي في طرابلس لملمة الأوضاع في هذه المنطقة المهمة من ليبيا وإعادتها إلى حضن الوطن

والواضح أن وضع الجنوب مرتبط بالوضع في المنطقة الغربية فاستقراره من استقرار هذه المنطقة . ومسألة فرض الأمن في الجنوب ليس أمرا صعبا ولكن حالة التجاذب السياسي في العاصمة طرابلس ومصراته هي التي تعوق مشروع تأمين الجنوب وكذلك التدخل الدولي السافر الذي يريد أن تبقى هذه المنطقة الخاصرة الضعيفة أمام الدولة في ليبيا كورقة ضغط للاستثمار السياسي.

إن عملية حفتر الأخيرة في الجنوب تحمل رسائل متعددة للداخل الليبي وللجوار الجزائري وكذلك لإيطاليا. ولكن المهم في الأمر هو موقف حكومة الوفاق من هذه العملية إذ عبر السيد السراج عن رفضه لها وكذلك السيد خالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة .وهناك نية في أن يتم قريبا تسمية آمر عسكري للمنطقة الجنوبية لسحب البساط من تحت حفتر. (وقد أصدر السراج بصفته القائد الأعلى للجيش قرارا بتعيين اللواء على كنة قائدا للمنطقة العسكرية في الجنوب).

وربما أيضا هناك إعداد لعملية عسكرية ضده تعيده لحجمه الحقيقي رغم أن هناك قوى فاعلة في المنطقة الغربية وقوية عسكريا تؤكد أن حفتر سيغرق في صحراء الجنوب الشاسعة جدا وأن نهايته ستكون في هذه المنطقة من ليبيا.

البقية في الجزء التالي

***

المهدي ثابت ـ باحث تونسي في الشأن الليبي متحصل على الأستاذية في العلوم السياسية وأعد لرسالة الماجستير السياسية في العلاقات الدولية وهو مهتم بالشأن الليبي باعتباره شأن حيوي بالنسبة لتونس.

________________