Minbar Libya

بقلم المهدي ثابت

إنّ ما يجري في ليبيا من أحداث متسارعة شديد التعقيد. فالمصالح متقاطعة ومتناقضة واللاعبون في الساحة السياسية كثر من الداخل والخارج. إذ ثمّة من يرغب في الحل السياسي وآخرون يخربون العملية السياسية .

والكل يعمل على توظيف ما لديه من أوراق ليفرض موقفه كطرف قوي في أي حل قادم.

هذه الأوراق يتداخل فيها الاجتماعي بالسياسي والعسكري وحتى المالي وفي علاقة أيضا بالقوى الخارجية الإقليمية والدولية. والصراع سيبقى مفتوحا إلى أن تفرض جهة موقفها ويتداعى الجميع إلى الحل .

الجزء الثاني

الوضع العام في المنطقة الغربية

إن الوضع السياسي في ليبيا تحدده المنطقة الغربية بما تمثله من ثقل على كل المستويات السياسية والديمغرافية والعسكرية .

الواضح الآن أن هناك مسارا سياسيا فرض نفسه وأصبح طاغيا على المشهد ولا توجد جهة في ليبيا تعلن رفضه علنيا بما يعني أن الأغلبية منخرطة في المسار ولو مرغمة .

هذا المسار المدعوم دوليا ورغم مضيه إلى الأمام إلا أنه يواجه عقبات وهو أمر طبيعي في بلد مثل ليبيا . ودائما تبقى المرحلة الأولى هي أهم المراحل على الإطلاق ونعني بها الترتيبات الأمنية .

السيد السراج المسؤول الأول على تنفيذ الخطة يجد نفسه تحت جملة من الضغوط الميدانية والسياسية . فميدانيا لا يستطيع فرض أمره على الكتائب المتمكنة داخل طرابلس والمتضرر الأول من هذه الخطة . وفي نفس الوقت هو مدعو إلى مساندة وزير الداخلية في حكومته والذي تمت تسميته بترتيب داخلي ودولي.

هذا الوزير سُمي أساسا لتنفيذ هذه الخطة لما يملكه من مواصفات ذاتية ولما يحظى به من دعم من أطراف قوية في الداخل (مصراته . الزاوية . الجبل . ترهونة….). وقد حقق تقدما مهما وجملة من الاختراقات في هذا الملف الشائك .

وكانت العملية التي قادها اللواء السابع في الأشهر الأخيرة بداية حقيقية لفرض هذه الخطة وتنزيلها على الأرض. والسيد باش آغا لازال إلى اليوم يتقدم في مشروعه ولو ببعض من التعثر بالنظر لدقة الملف وخطورته.

والقوى الأخرى وأعني بها كتائب طرابلس تقاوم الأمر وتلقى مساندة كبيرة من دولة الإمارات التي يقيم بها هاشم بشر الأب الروحي لهذه الكتائب. ويقود هذه المقاومة على الأرض هيثم التاجوري المرتبط مصيره الوجودي ببقائه في المشهد الأمني كرجل قوي

وقد ضعفت سطوة الكتائب كثيرا في طرابلس ووزارة الداخلية رغم دعمها بقوة خاصة من تركيا التي وعدت بدورات تدريبية للشرطة . وهناك أعداد مهمة من العناصر الشرطية تنخرط يوميا في أجهزة الوزارة .

كما تم إيقاف كل الاعتمادات التي كانت تحظى بها كتائب طرابلس من الدولة وذلك بأمر مباشر من وزير الداخلية . وتجفيف منابع الدعم سيزيد من إضعافها . فالواقع إذا هو أنه هناك حرب باردة تخاض على الميدان مرهونة إلى التوازنات السياسية القائمة

والمعلوم أن الأمم المتحدة وعدت بإتمام الترتيبات الأمنية عندما دعت لإيقاف القتال في طرابلس . وتم الاستجابة لطلبها وأعطت مهلة لذلك . ولكن الظاهر أن هناك قوى إقليمية بالأساس متمترسة خلف كتائب طرابلس ومتضررة من العملية السياسية هي من تعطل مسار الترتيبات الأمنية .

والأيام القادمة حبلى بعديد الأحداث المهمة التي ستغير كثيرا على الأرض. وبالنسبة إلى حكومة الوفاق فإنها ليست طرفا قائدا كما يظهر الآن في المشهد وإنما هي أيضا مجرد طرف من أطراف الصراع القائم في البلاد ومصيرها مرهون بجملة التسويات التي يراد تنفيذها في ضوء الخطة الأممية المدعومة بقوة خاصة من إيطاليا وأيضا من أمريكا وبريطانيا .

والتوازنات الحالية لا تسمح بتغيير جذري في تركيبة المجلس الرئاسي لأنه لم يحصل أي توافق على أسماء جديدة . وإن وقع تغيير فإنه سيكون بعد المؤتمر الوطني الجامع حيث من المتوقع حصول جملة من التوافقات التي ستعتمد كخطة لإدارة المرحلة القادمة .

فالمؤتمر كما هو متوقع سيناقش أمهات المسائل مثل التركيبة الجديدة للمجلس الرئاسي وكيفية جمع السلاح وموعد الاستفتاء على الدستور وموعد الانتخابات وكيفية إعداد البيئة الانتخابية لإجراء جملة الاستحقاقات.

وإن المجلس الرئاسي الحالي يسعى بدوره لأن يبقى في المشهد من هنا إلى الانتخابات القادمة وليس في نية أعضائه الانسحاب والجميع يناور من أجل ذلك.

ولكن المؤكد وأنه هناك جملة من الأحداث السياسية والعسكرية ستقع قبل انعقاد المؤتمر ستحدث تغيرات مهمة في المشهد العام بما سيؤثر على طبيعة المشهد وعلى مخرجات المؤتمر.

اجتماع الزاوية

اجتماع الزاوية له أبعاد عديدة . فهو تجمع لثوار ليبيا بعد فرقة دامت سنوات ترك فيه المجال للقوى المناوئة للثورة لتتموقع في المشهد بقوة .

كما يمثل عودة وعي ولحظة عقل لهذه القوة التي صنعت التغيير في ليبيا ثم تاهت بفعل ضعف العقل السياسي وبفعل تغول القوى الخارجية في المشهد .

كما يمثل قوة فعل سياسي وعسكري تنضاف إلى الساحة لتؤثر في التوازنات القائمة بمشروع سياسي وحقوقي يخاطب الداخل والخارج.

أيضا هذا التجمع سيفرض على الأمم المتحدة أن تقدر حجمه التمثيلي في المؤتمر الجامع بما سيؤثر على مخرجاته بالتأكيد.

كما أن هذا المولود الجديد وكما جاء في البيان التأسيسي سيكون قوة تجميع وسيقترب ممن يجمعه به الحد الأدنى من المشتركات الوطنية .

أيضا سيكون هذا المولود الجديد عامل تغيير لخارطة التحالفات في الداخل وعامل تأثير في استراتيجيات القوى الخارجية الفاعلة في ليبيا

اختار هذا التجمع اسم التجمع الوطني الليبيواختير لقيادته مبدئيا اسم المجلس الأعلى لثوار ليبياوسيعلن يوم 17 فبراير عن أسماء قيادة هذا المكون السياسي.

يسعى هذا الجسم في مرحلة أولى إلى تقليم أظافر الكرامة والمداخلة وهو مشروع أولي لفرض واقع سياسي جديد في البلاد.

العالم يراقب هذا التجمع .

وهناك بداية تعامل أمريكي معهم بضرورة تخفيض السرعة خصوصا في التعاطي مع تنظيم الكرامة بما يوحي بخشية أمريكية من تغيير شامل في المعادلة لا يرضي الأمريكان وحلفاؤهم ممن يريدون ألا تتجاوزهم الأحداث وأن يبقوا ممسكين بخيوط اللعبة .

وإن القوى الإقليمية وبالتحديد الإمارات بدأت شغلا حقيقيا على الميدان ضد هذا التجمع .

فالمعلومات تشير إلى أن أمر الجلب الذي استصدره النائب العام في حق عبد الحكيم بلحاج وشعبان هدية كان بضغط إماراتي. والرسالة واضحة لماذا هذين الشخصين؟.

ـ فعبدالحكيم بلحاج كان له دور فعال ورئيسي في تنظيم الملتقى وله رمزية ثورية مهمة ويملك جملة من العلاقات الدولية المؤثرة .

ـ وشعبان هدية كان عضو قيادة غرفة عملية فجر ليبيا وله حضور مميز في مدينة الزاوية ومحل ثقة ثوار فبراير وهو من أشرف ولو من بعيد على تأمين وسير أشغال الاجتماع الذي حضره أكثر من ثلاثة آلاف ثائر من كل أنحاء ليبيا وهو حضور لم يكن يتوقعه أكثر الثوار تفاؤلا.

إن حركة مثل هذه ليست مستغربة ومنتظر ما هو أكثر . وهذا دليل أن هذا التجمع أصبح مصدر إزعاج لمناوئيه في الداخل والخارج.

لقد تم اختيار قيادة عسكرية لهذا التجمع واللجنة السياسية مازالت تشتغل على تحديد أسماء القيادة السياسية بشكل رسمي.

ورغم الاهتمام الإعلامي الكبير الذي حظي به تجمع الزاوية إلا أن أهل فبراير رغم استبشارهم بالحدث ورغم الآمال الكبيرة المعلقة عليه هم خائفون من إجهاض المشروع أو حصول خلافات داخلية تذهب بالأمل بالنظر إلى السنوات العجاف التي عرفها تيار فبراير بعد 2014.

إن القوى الدولية بالتأكيد لن تكون مرتاحة لهذا المولود الجديد وستتعامل معه بحذر شديد وستنتظر خطابه السياسي وتصوره للحل في ليبيا.

ومن خلال البيان الذي أصدره التجمع واضح أنه يحمل نضجا سياسيا وتصورا لطبيعة الحل الذي لن يكون إلا سياسيا وأن الهدف هو القطع مع العسكرة في سبيل الدولة المدنية الديمقراطية.

***

المهدي ثابت ـ باحث تونسي في الشأن الليبي متحصل على الأستاذية في العلوم السياسية وأعد لرسالة الماجستير السياسية في العلاقات الدولية وهو مهتم بالشأن الليبي باعتباره شأن حيوي بالنسبة لتونس.

________________