Minbar Libya

بقلم السنوسي بسيكري

أحداث تصنع المواقف، لا أشك في صحة هذه المقولة، والكثير من التطورات في حياتنا كانت نتاج استدراك على وقائع هددت الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعية.

غير أن التسليم بهذه الفرضية بالمطلق يوقعنا في مشاكل قد يصعب الاستدراك عليها، والتحدي عادة ما يتمحور حول دوافع المواقف وتوقيتها.

أحاول أن أقرأ الوضع اليوم في الجنوب الليبي في ظل الأحداث واستدعائها للفعل، وكيف أن الفعل يمكن أن يكون هدّاما كونه لم يمثل الاستجابة الصحيحة، ولأنه يخضع لموازين المكاسب السياسية لأطراف الأزمة الليبية.

دوافع تحرك حفتر في الجنوب

أطلق خليفة حفتر حملته العسكرية بهدف تطهير الجنوب من العصابات الأجنبية والمجموعات المتطرفة، وهناك الكثير يمكن أن يقال حول دوافع العملية وكيف تسير، وليس أقل الأدلة إقرار العديد من أنصاره بأنه استعان بمجموعات متورطة في ترويع سكان الجنوب خلال العامين الماضيين ضمن العملية العسكرية.

وليس خافيا أن فرنسا حاضرة في حرب الجنوب وهي داعم كبير للعملية، وأن قرار التحرك العسكري من النوع المزدوج الذي تتحقق من خلاله غاية حفتر بمساعدة باريس، بالمقابل تحقق الأخيرة من خلال قوة حفتر على الأرض تموقع جديد ومهم في إدارة الأزمة الليبية.

عَيْن حفتر على طرابلس، وتطلعه الكبير يحوم حول قصور الرئاسة هناك، وقد راهن بكل ما أوتي على حشد قوة بالمناطق القريبة من العاصمة للسيطرة عليها، وذلك منذ 2015م، غير أن كل مساعيه وجهوده باءت بالفشل، فقرر الاتجاه جنوبا علَّه بدعم فرنسا يراكم التأييد الشعبي والعسكري، ليكون نقطة انطلاق للعاصمة.

بناء على ما سبق، أقول ليس تعسفا ولا تحاملا تخطئة من يعتقدون أن الوضع المتردي في الجنوب حرّك النوازع الوطنية لدى حفتر فاندفع لنجدة أهله، وتطهير التراب الذي دنّسه الغزاة الأجانب من تشاد والنيجر والسودان، والحقيقة أن حفتر يوظف الوضع المأساوي لصالحه ولغاية تحقيق طموحه السياسي.

الرئاسي يستدرك

قرارات المجلس الرئاسي الأخيرة ومنها تشكيل القوة المشتركة لتأمين الجنوب، وتعيين “اللواء علي كنّه” حاكما عسكريا هناك تأتي كرد فعل على تحركات حفتر، ومن المتوقع أن ضغوطا محلية وخارجية، تحركها إيطاليا الغاضبة من النشاط الفرنسي، لعبت دورا في ذلك، فالجنوب يعاني منذ أزل والرئاسي ظل بعيدا عن الفعل الحقيقي فيه.

تعيين اللواء علي كنّه له دلالاته الواضحة، فالرجل سجل موقفا مبكرا ضد حفتر وتحركاته في الجنوب، وهو من الضباط الكبار في النظام السابق وله مؤيدوه خاصة من مكونه الثقافي التوارق، أيضا توجيه قوة مشتركة من مكونات عسكرية معلوم موقفها من حفتر.

كل ذلك شكل صدمة لأنصار حفتر من ساسة وعسكريين، ودفعهم لاتهام الرئاسي بإحداث فتنة، ولولا الولاء الأعمى لقالوا عن حفتر ما قالوه عن المجلس الرئاسي.

الجنوب أكبر من حفتر والسراج

هناك سؤال يفرض نفسه: إذا كانت نوايا حفتر تجاه الجنوب صادقة ولا تشوبها شائبة، فلماذا لم ينسق مع جبهة طرابلس ليكون الموقف من الخطر الذي يواجهه الجنوب موحدا ويسهل القضاء عليه؟!

الجنوب ساحة شاسعة وطبيعته خاصة تتسم بحساسية عالية، بسبب التركيبة الديمغرافية المعقدة التي تتداخل فيها مكونات يوحدها العرق وتقطِّعها الجغرافيا، ومواجهة أخطاره تتطلب توحيد الجهود والتنسيق بدرجة عالية، فلا الرئاسي قادر على تأمينه، ولا حفتر يمكن أن يلعب دور شرطي المنطقة.

السراج مد اليد لحفتر منذ الأيام الأولى لتوليه منصبه وسعى للتوافق معه على حساب قطاع واسع من جبهة طرابلس، لكن حفتر تجاهله بل وضعه في معسكر الخصوم، وجل نشاط حفتر العسكري في حقيقته تحدي للسراج كونه رئيس السلطة التنفيذية المعترف بها دوليا.

هذه هي الصورة فيما يتعلق بمواقف القوات التي تواجهت اليومين الماضيين في الجنوب الليبي، وهي صورة محزنة، كونها تعمق الشرخ وتكرس الانقسام في البلاد.

والخطر أن يتحول الجنوب إلى ساحة صراع ليبي مدفوع بطموح حفتر اللامحدود، لإخضاع الجميع لهيمنته، ومحاولة السراج إثبات الوجود كسلطة شرعية نافذة، وخلف كل منهما يقف طرف دولي، وذلك بدل مواجهة العصابات الأجنبية وبقايا تنظيم الدولة.

***

السنوسي بسيكري ـ مدير المركز الليبي للبحوث والتنمية

____________