Minbar Libya

بقلم المهدي ثابت

إنّ ما يجري في ليبيا من أحداث متسارعة شديد التعقيد. فالمصالح متقاطعة ومتناقضة واللاعبون في الساحة السياسية كثر من الداخل والخارج. إذ ثمّة من يرغب في الحل السياسي وآخرون يخربون العملية السياسية .

والكل يعمل على توظيف ما لديه من أوراق ليفرض موقفه كطرف قوي في أي حل قادم.

هذه الأوراق يتداخل فيها الاجتماعي بالسياسي والعسكري وحتى المالي وفي علاقة أيضا بالقوى الخارجية الإقليمية والدولية. والصراع سيبقى مفتوحا إلى أن تفرض جهة موقفها ويتداعى الجميع إلى الحل .

الجزء الثالث

المحور المعادي للربيع العربي

الواضح الآن في مستوى الداخل الليبي أن المحور المعادي للثورة في حالة تراجع لأسباب عدة :

1- مشروع الكرامة العسكري خسر رهانه كما تأكد لدى الجميع أن حفتر أصبح عاجزا عن إحداث اختراق عسكري مهم ناهيك عن الحسم. وبالتالي مجرد استعماله كورقة ضغط عسكري أصبح أمرا صعبا رغم أنه سيبقى كيانا قائما ولكن .دون فاعلية وتأثير

2- وعلى المستوى السياسي فشلت مصر في تسويق خطتها لإعادة بناء الجيش الليبي. وتم رفض خطتها دوليا . كذلك فشل حفتر وحلفاؤه في إقناع القوى الدولية الفاعلة في الاعتراف به كقائد عام للجيش

3- أما في العاصمة طرابلس فرغم الحضور القوي والفعال لدولة الإمارات خاصة على المستوى الأمني إلا أن قوتها (الإمارات) بدأت تتراجع بعد إقرار خطة الترتيبات الأمنيةفقد ضعفت كتائب طرابلس كثيرا أمام تقدم وزارة الداخلية .

لكن هذا لا يمنع أنه مازال لها القدرة على المناورة والتأثير الحقيقي وحتى إرباك المشهد الأمني بما يخلط الأوراق ويؤثر على سير خطة المشروع السياسي المدعوم من أغلب القوى المحسوبة على فبراير رغم ما عليه من مؤاخذات

4- وكذلك فإن تنظيم المداخلة مازال متماسكا وموحدا وقويا ولو تم ضربه في الأيام القادمة كما هو مبرمج فإن مشروع القوى المعادية للثورة سيتلقى ضربة قاصمة بما سيحد كثيرا من النفوذ السياسي لدولة الإمارات المتزعمة لمشروع الثورة المضادة.

5- مصر ستجد نفسها مضطرة للتعاطي مع طرابلس لأن رهانها كان في أغلبه على الجنرال حفتر وطموحها كان يتمثل في أن يكون في موقع متقدم في الدولة ليمنع قيام ديمقراطية ويضمن لها تدفق النفط الليبي بأسعار تفاضلية.

فيما عدا ذلك مصر لا تملك كثيرا من الأوراق رغم تواجدها المخابراتي القوي في البلاد.

ولكنها ستشتغل بفعل أنها دولة جوار على أن تكون طرف مؤثر في صياغة المخرج النهائي ولكن سياسيا وليس بدعم الحل العسكري الذي راهنت عليه منذ2014.

مصر ستنفتح على قوى كانت تراها بالأمس معادية لتوجهها السياسي وهي مضطرة لذلك بفعل ضعف هامش المناورة لديها بسقوط ورقة حفتر تقريبا . هذا ليس معناه أن مصر لم تعد مؤثرة . مصر ستبقى طرفا مؤثرا في المشهد ولكن ليس مهددا مباشرا للمسار السياسي القائم

6- وبالنسبة إلى السعودية فإنها في حالة تراجع . وقد انكفأت على نفسها لمعالجة أضرار عملية اغتيال خاشقجي . والدليل زيارة الوفد التونسي مؤخرا والذي أصرت فيه السعودية أن يكون أمين عام حزب محسوب على الإسلام السياسي المعادي لتوجه السعودية ضمن الوفد .

وإن السعودية قد اهتزت صورتها كثيرا لدى أصدقائها الغربيين والأمريكان وهو ما سيؤثر مستقبلا على خطة ابن سلمان في جلب الاستثمارات الكبرى للمملكة في إطار تصورها للسعودية 2030.  هذا الواقع سينعكس بالضرورة على مجمل سياساتها في المنطقة وفي العالم

وأيضا فإن التيار المدخلي الموالي للسعودية في ليبيا قد تضرر من العملية بشكل أو بآخر باعتبار وأن الأغلبية في ليبيا يعتبرونه جالية سعودية.

إن المملكة السعودية رغم أنها الأقوى في المحور العربي المعادي للثورات إلا أنها تتموقع خلف الإمارات التي تحرك أغلب الخيوط في المنطقة. ولن تتراجع السعودية عن معاداتها للربيع العربي ولكن لن تكون بنفس الاندفاع الذي كانت عليه .

ثم إن السعودية وكذلك الإمارات إذا كانت هناك رغبة دولية حقيقية في فرض حل سياسي في ليبيا فإنه يمكن الضغط عليهما لرفع اليد عن هذا الملف .

المجتمع الدولي ومشروع الأمم المتحدة

إن الإصرار الأممي والدولي واضح هذه المرة على إيجاد حل سياسي للأزمة الليبية التي أصبحت مصدر قلق كبير لأوروبا بفعل الهجرة غير الشرعية وكذلك بالنظر إلى المصالح الكبرى المعطلة لعديد الدول الفاعلة في هذا البلد .

صحيح أن التعاطي مع الأزمة الليبية طيلة السنوات السابقة لم يكن بالجدية المطلوبة لإيجاد الحل إذ أن الأجندات والمصالح اختلفت وتاه مشروع الأمم المتحدة في الزحام لسنوات والفاعل القوي في العالم لم يكن منخرطا بقوة في ساحة الصراع.

ولكن ما رشح من جملة السياسات سنة 2018 هو أنه هناك رغبة حقيقية من المجتمع الدوليفي بلورة تصور للحل رغم أن خطواته واضحة إلا أنه لا يحتمل سقفا زمنيا دقيقا . فجملة التراكمات في البلاد وجملة المخاطر المهددة للحل السياسي كبيرة . وأيضا لا يوجد توافق شامل بين الفاعلين الدوليين حول طبيعة الحل في البلاد.

ففرنسا وهي عضو فاعل في مجلس الأمن وقوة اقتصادية كبيرة داخل الاتحاد الأوروبي ولها حضور قوي في ليبيا ليست على وفاق مع ايطاليا اللاعب الرئيس والتي تقود مشروع الحل السياسي بالتوازي مع الأمم المتحدة . وهذا عامل من العوامل التي قد تعطل الرغبة في الوصول السريع إلى المرحلة النهائية من خارطة الطريق نهاية 2019 .

أضف إلى ذلك طبعا جملة المعوقات الداخلية التي لا يمكن تناسيها أو استصغارها مهما كانت رغبة القوى الدولية صادقة .

فليس صحيحا أن الإرادة الدولية هي الفاعلة فقط في ليبيا وهي من تعطل الوصول إلى الحل أو من ستعجل به . فهناك أطراف في الداخل الليبي تملك من الإمكانيات السياسية والأمنية ما يجعلها قادرة على وضع العقبات الكأداء أمام أي رغبة حقيقية في الحل . وقد أشار السيد سلامة في عديد المناسبات إلى أن المجتمع الدولي لن يتمكن بمفرده من فرض الحل في البلاد ما لم يجد تعاونا وتجاوبا من الأطراف الليبية صاحبة الشأن.

وكذلك هناك قوى أخرى فاعلة تراقب الساحة عن كثب وأعني روسيا التي ينظر إليها خليفة حفتر كطرف منقذ له وقد جاءها ساعيا دون أن تغازله. وهي ترى في ليبيا ثروة وساحة منفتحة على فضاء إفريقي يتنافس الجميع للظفر به. إن روسيا بما تملك من إمكانيات سياسية وأمنية وعسكرية قد تنخرط في مشروع الحل النهائي بما سيشوش على المسار العام الذي يشق طريقة بصعوبة وسط جملة المعوقات القائمة.

وثمة شبه يقين أن أمريكا وبريطانيا وإيطاليا والأمم المتحدة منخرطة فعلا في تصور موحد للحل إلى جانب أن القوى الداخلية في ليبيا ملت حالة الفوضى والاقتتال وترغب فعلا في حل سياسي يأتي بالاستقرار ويبني الدولة والمؤسسات.

هذا المناخ العام يدعو للتفاؤل في أن تكون المرحلة القادمة وسنة 2019 هي سنة الانخراط الحقيقي في مشروع الاستقرار ولو بعد حين .

الخاتمة

الواقع الموضوعي داخل الساحة الليبية لا ينبئ بحل نهائي مع نهاية 2019 وبإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية. ولو قدر لليبيا أن تستقر مع نهاية سنة 2020 يكون ذلك حدثا فارقا في تاريخها وتاريخ المنطقة ولعل الأيام القادمة ستشهد جملة من المتغيرات السياسية والعسكرية بما سيزيد في تبلور المشهد وبما سيساعد أكثر على الإستشراف في هذا الملف الشائك والمعقد

***

المهدي ثابت ـ باحث تونسي في الشأن الليبي متحصل على الأستاذية في العلوم السياسية وأعد لرسالة الماجستير السياسية في العلاقات الدولية وهو مهتم بالشأن الليبي باعتباره شأن حيوي بالنسبة لتونس.

________________