Minbar Libya

إعداد عُلا النحاس و بشّار شيخ علي

لم تحظ الدول الهشة أو الفاشلة بالاهتمام الدولي في القرن الماضي لسبب أن ذلك كان يُعتبر كجزأ من معطيات ومجريات الحرب الباردة في ظل الاستقطاب الدولي الحاد ومحاولة كلًا القطبين تعظيم نفوذه وإضعاف نفوذ الآخر.

الجزء الأول

هكذا كانت العديد من الدول الضعيفة أو حديثة الاستقلال عرضة للهشاشة وفقًا لموازين الصراع والقوة الذي كان يشكل المبدأ الأساسي للنظام الدولي السابق.

ولكن منذ مطلع التسعينيات ومع ضغط منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان بدأت الأنظار تلتفت أكثر نحو الدول الهشة ومآسيها، ولكن ظل ذلك محكومًا برغبة القوى الكبرى على التدخل ومصالحها.

ومثال ذلك “رواندا” التي عانت من الصراع العرقي المرير الذي أودى بحياة مليون شخص تقريبًا وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، وغيرها الكثير من الصراعات التي أودت بحياة الكثير من البشر؛ ومن ضمن أسبابها التدخل الدولي في حين لم يحدث ذلك في أوقات معينة كان التدخل الدولي فيها ضروريًا لأنه لم يتفق أو يشكل أهمية لمصالح تلك القوى الكبرى.

ومنذ عام 2001 مع أحداث الحادي عشر من ستمبر بدأ الاهتمام يتزايد بالدول الهشة؛ فالأحداث الأمنية التي تفجرت نتيجة للصراعات في تلك المناطق نتج عنها تهديدات عبروطنية تخطت حدود الحيز الجغرافي نحو دول العالم أجمع، مصدرةً أزمات كاللجوء والإرهاب أثرت بالسلب على الدول المستقبلة،

وهو ما أبرز أن سياسة الإهمال الذي كانت تنتهجها الدول الغربية سواءً لنتائج تدخلاتها أو لصراعات بعيدة عنها لم تعد مجدية، وأن ناقوس الخطر بات يهددهم في عقر دارهم، مما شكل هاجسًا كبيرًا يؤرق هذه الدول وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي تزعم ريادة الحرب على الإرهاب دوليًاودفعها نحو الانخراط في مشاكل هذه الدول وتحدياتها.

ولكن ما يجب الإشارة إليه هو أن مفهوم الدولة الهشة نفسه مفهوم غامض يكتنفه اللبس والخلط في الكثير من الأوقات، ففي ظل حروب الجيل الرابع غير المتماثلة التي تستهدف البُنى والتكوينات المجتمعية غير العسكرية لتدمير الدول من الداخل.

وفي هذا السياق قد يتم استخدام هذا المصطلح ضد دول معينة في خدمة مصالح دول أخرى، ويترتب على ذلك المزيد من عجز تلك الدول وفقدان ثقة المؤسسات الدولية بها؛ خاصةً العاملة في مجال الاقتصادي، وفرض المزيد من الحصار عليها كما حدث في حالة العراق قبل الغزو الأمريكي 2003.

ومع ذلك رغم تعدد التعريفات إلا أن هنالك مجموعة من المقومات لابد ان يتضمنها التعريف حتى يُصبح ذو دلالة وواقعية، وهي:

  • عدم قدرة الحكومة المركزية على فرض سيطرتها أو سلطتها على كامل التراب الوطني، أي جزء من سيادة الدولة منتقص.

  • وعدم قدرتها على حماية حدودها المتنوعة من الاختراقات الخارجية.

  • الافتقار إلى الشرعية وتداول السلطة، وتفشي الفساد وغياب النظم القانونية.

  • الانقسام المجتمعي وحدة الصراعات الأثنية والدينية.

وتُعرِف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الدولة الهشة بأنها “الدولة التي لديها قدرات ضعيفة للقيام بالوظائف الحكومية الأساسية وبناء علاقات مع المجتمع، وتعتبر ضعيفة على صعيد الصدمات الداخلية والخارجية مثل الأزمات الاقتصادية والكوارث الإنسانية، وهنالك طيف واسع من حالات الهشاشة: منها الازمات والصراعات والحروب، وسياق إعاد الإعمار، أزمات إنسانية والفقر المدقع.

ويصدُر بشكل سنوي تقرير عن مؤسسة”صندوق السلام” ومجلة “الفورين بوليسي” الذي يتضمن قائمة بالدول الهشة وفق 12 مؤشر فرعي موزعة على خمس مؤشرات رئيسية وهي:

مؤشر التماسك: درجة تماسك المجتمع وقوة الدولة، وقدرتهم على مواجهات التحديات الأمنية.

المؤشرات الاقتصادية: الانحدار الاقتصادي وتوزيع عوائد التنمية على فئات المجتمع، وكذلك هجرة العقول والكفاءات بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية.

المؤشرات السياسية: الشرعية والرضاء العام، وحالة حقوق الإنسان وحكم القانون داخل الدولة.

المؤشرات الاجتماعية: تتضمن خارطة التوزع الديموغرافي ويقيس مدى وجود ضغوطات سكانية، وكذلك حالة اللاجئين والنازحين في أراضي الدولة مما يشكل أعباء إضافية عليها.

التدخل الخارجي: ويقيس هذا المؤشر مدى تأثير العوامل الخارجية على اقتصاد وأمن الدولة، بحيث يتضمن التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية من قبل الحكومات والفاعلين من غير الدول، وحجم ضغوط المساعدات والقروض، وكذلك مدى تبعية اقتصاد الدولة للخارج.

ومن ثم يترأى لنا من خلال ما سبق حيثيات فشل الدول والكيفية التي يستخدم فيها هذا المصطلح، وفي أي سياق يُمكن أن نتحدث عن الدولة الهشة، هذا وقد مرت المنطقة العربية منذ مطلع الألفية الجديدة بالعديد من الأزمات والكوارث وموجات التغيير من أبرزها ما يسمى إعلاميًا بــ “الربيع العربي” الذي تغيرت على إثره معالم المنطقة وواجهت العديد من دولها تحديات جمة، أدت في بعض الحالات إلى انهيار الدولة بشكل شبه كامل مثل ليبيا واليمن وفي حالات أخرى انهيار جزئي مثل سوريا.

وبات محور الخلاف يسود حول نقطة مهمة يدور في رحاها النقاش حول إن كانت الدول التي تعرضت لهذه الأزمات فاشلة في الأساس ولم تكن قادرة على مواجهات أبسط التحديات ولا تمتلك مقومات نجاح الدولة وصار ذلك جليًا حينما تفجرت تلك الأزمات،

أم هي كانت دول مستقرة نوعًا ما وتم إفشالها بفعل التدخل الخارجي؟،

وسوف نتناول ذلك بالتطبيق على ثلاث دول وهي ليبيا وسوريا والعراق، حيث تقع في درجة متقدمة ضمن مؤشر الدول الهشة الذي كلما اقتربت فيه درجات الدولة من 120 درجة كلما تقدمت أكثر في ذلك المؤشر.

الجزء التالي يتناول (التطبيق الخاص بليبيا)

***

علا علاء الدين عوض علي النحاس – باحث ماجستير كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة (علوم سياسية، تخصص: علاقات دولية).

بشار بصرو شيخ عليطالب بكالوريوس علوم سياسية جامعة القاهرة (تخصص أساسي – علوم سياسية، تخصص فرعي: إدارة).

______________