Minbar Libya

إعداد عُلا النحاس و بشّار شيخ علي

لم تحظ الدول الهشة أو الفاشلة بالاهتمام الدولي في القرن الماضي لسبب أن ذلك كان يُعتبر كجزأ من معطيات ومجريات الحرب الباردة في ظل الاستقطاب الدولي الحاد ومحاولة كلًا القطبين تعظيم نفوذه وإضعاف نفوذ الآخر.

الجزء الثاني

التطبيق الخاص بليبيا

تُعد ليبيا من بين أكثر الدول التي تقع محط خلاف بين الباحثين والدارسين في حقل العلوم الاجتماعية ومنها العلوم السياسية، فيما يتعلق بكونها دولة فاشلة أم أنها أُفشلت.

وأكثر ما يثير الجدل في هذا الخصوص أن ليبيا على مؤشر الدول الهشة قبل الأزمة في عام 2010 كانت في المرتبة 112 على السلم التنازلي للمؤشر بما يعني أنها كانت من ضمن الدول المستقرة نسبيًا، بينما في العام 2018 حلت ليبيا في المرتبة 26 عالميًا أي من ضمن الدول الهشة نسبيًا،

وهو ما يعني تبدل كبير خلال فترة زمنية قصيرة جدًا، ففي الوقت الذي يستند فيه المحاججون على الرقم الأول لإثبات إفشال ليبيا، يرد الطرف الآخر بأن ليبيا انهارات خلال أيام معدودة من انطلاق الأزمة مما يدل على عدم متانة المؤسسات والكيانات القائمة في التصدي للأزمات أو لعدم وجود مؤسسات بالأحرى بالمعنى المتعارف عليه.

وبُعيد سقوط القذافي كانت الأحداث المتواترة بعكس التوقعات المتفائلة، فقد دخلت البلاد في صراعات عدة شهدت تطورًا كبيرًا إلى أن شمل مختلف أنحاء البلاد ولم تسلم ليبيا من آتون الحرب الأهلية، لتدخل في صراع على السلطة والنفوذ بين عدة أطراف تسعى داخليًا وخارجيًا إلى توطيد حكمها دون وجود الرغبة والإرادة الجدية في التوصل إلى حل ينقذ البلاد، وذلك في ظل غياب تام لمؤسسات الدولة وانتشار المظاهر المسلحة بشكل عشوائي.

وتتلخص تلك الأطراف في عدة اتجاهات من بينها حكومة الوفاق الوطني تحت رئاسة “فايز السراج” والمؤتمر الوطني العام المنتخب 2012 وتسلم الحكم في طرابلس من هيئة الحكم الانتقالي 2015م مع قوات فجر ليبيا في بوتقة واحدة، وعلى طرف آخر مجلس النواب المنتخب عام 2014 –والذي طعنت به المحكمة الدستورية العلياإلى جانب خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي مع تشكيلات عسكرية وأولوية أخرى مثل ألوية “الزنتان” والصواعق”.

بالإضافة إلى تشكيلات عسكرية مستقلة نوعًا ما وتنظيم القاعدة وداعش والفصائل المتطرفة، مما يعني أن الوضع الحالي يتسم بالتعقيد.

على مستوى النظام السياسي الليبي قبل 2010 هناك العديد من الملامح التي تتصف بالتعقيد والغرابة بعض الشيء إذا أمعنا النظر في تشكيل النظام السياسي، فقد استطاع القذافي خلال فترة حكمه أن ينشأ نظامًا سياسيًا فريدًا من نوعه في المنطقة، أشبه من حيث المضمون بالنظام الفيدرالي ولكنه يختلف عملًا وشكلًا عنه، أو ربما تنظيمًا سياسًا تحت مسمى الثورة بقيادة القذافي، فتكوينات وبنى النظام السياسي كانت مستوحاة على أساس ثوري لم يساعد على تمتينها أو توفير عوامل الاستمرارية لها.

فمنذ عام 1969 مع انقلاب سبتمبر بقيادة الضباط الوحدويين الأحرار وإسقاط النظام الملكي وقيام نظام الجمهورية متأثرةً بالتجربة الناصرية في مصر جاء الإعلان الدستوري ليعلي من سلطة المجلس الثوري.

ولكن بخلاف الحقبة الناصرية لم تشهد ليبيا أي عملية بناء حقيقي للمؤسسات والمؤسسية على مستوى البلاد، بل مع التحول إلى ما سمي بالجماهيرية التي وصفت على أنها هي حكم الشعب للشعب وتصفية كامل المجالس التشريعية والكيانات التي كانت قائمة في الحقبة الملكية.

ظهرت تشكيلات وتكوينات جديدة ابتكرها القذافي، فأصبحت ليبيا تُقسم إلى 22 شعبية (محافظة، ولاية) ولكل شعبية لجنة شعبية (مجلس تنفيذي محلي) يتبع مؤتمر شعبي أساس (مجلس تشريعي محلي) وينفذ قرارته وتشريعاته على المستوى المحلي، ويتفرع منها العديد من المؤتمرات الشعبية على مستوى “الكومونات” (الأحياء السكنية) أصغر الوحدات السياسية التي يبلغ عددها قرابة 30 ألف “كومونة”.

ومن مجموع المؤتمرات الشعبية الأساس واللجان والأمناء والنقابات وغيرها من التشكيلات الشعبية يتشكل المؤتمر الشعبي العام (السلطة التشريعية الأعلى) الذي يجتمع لأسبوع واحد سنويًا وكثيرًا ما تراجع عن قرارات كان قد اتخذها بسبب رفض القذافي لها، كما كان يتصف بقلة خبرة ومؤهلات أعضائه ولم يكن ذو عدد محدد بالنسبة لعضويته، وينبثق عن المؤتمر الشعبي العام اللجنة الشعبية العامة ( مجلس الوزراء) وهي مسؤولة أمام (القذافي).

فقد كان القذافي رافضًا للتمثيل النيابي بحجة أنه لا يمثل رغبة الشعب ويقيد الإرادة الشعبية في عدد صغير من الأفراد، فلابد من تمثيل شعبي مباشر من خلال هذه التشكيلات التي وضعها بحسب رأيه، ولكن في واقع الأمر تنحصر عملية صناع القرار وتنفيذه فعليًا بيد شخص واحد وهو القذاقي مع مساعدة أولاده وأعوانه وكبار القادة.

مما يعني أن النظام الليبي كان مجرد حبر على ورق أو بُنى شكلية لإسكات الأفواه المعارضة دون أن يكون لها أي أثر فعال وحقيقي، مما أودى بليبيا في النهاية إلى عدم وجود مؤسسات حقيقية تتصف بالمتانة والقدرة على الصمود في وجه المتغيرات أو حتى توفير قاعدة تشكل أرضية لمرحلة ما بعد التغيير أو الانتقال (الديمقراطي).

وهذا ما بات واضحًا مع بداية تفجُر الأزمة في ليبيا، إضافةً إلى أن نظام القذافي مسبقًا كان يتصف بالسلطوية والقمع وهو ما لم يترك مجالًا لتأسيس تنظيمات مقابلة أو معارضة حقيقية كان بإمكانها قيادة فترة ما بعد القذافي.

ومع إلغاء الحياة الحزبية والمجتمع المدني بمجيئ إنقلاب 1969م، تأتي المقاربة القبلية على الطرف النقيض من المقاربة المؤسسية، فقد لعبت المجتمعات القبلية في ليبيا دور كبير في الحياة السياسية ولازالت تقوم بهذا الدور، كونها تشكل عنصر أساسي في طبيعة المجتمع الليبي.

اعتمد القذافي على القبلية في توطيد حكمه من خلال التقرب من بعض القبائل ذات الثقل داخل ليبيا، كما أن هذه القبائل كان لها دور كبير في النظام السياسي من خلال المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية وإن كان بشكل غير رسمي، فعملية التصعيد والاختيار للقيادات والأشخاص كانت تتم بواسطة القبيلة.

ومع سقوط الدولة الليبية وغياب الجيش والمؤسسات الأمنية لم تجد القبائل سبيلًا لحماية نفسها وتنظيم شؤون حياتها إلا من خلال إنشاء العديد من المليشيات المسلحة، وهنا كانت العودة للانخراط في الصراع الحالي سياسيًا وعسكريًا.

فنجد قوات فجر ليبيا تساندها مجموعة من القبائل، وكذلك في الشرق نجد جيش القبائل المتحالف مع الجيش الوطني، مما يعني أن الرهانات التي كانت قائمة حول دور التوازن الذي سوف تلعبه القبائل بعد سقوط القذافي قد تلاشت مع انخراط هذه القبائل في الصراع الدائر في البلاد.

ولكن يعول البعض على هذه القبائل واجتماعاتها المتكررة للخروج بالبلاد من أزمتها، كما أنه لا يخفى أن بعض التنظيمات المتطرفة قد خرجت من بين أحضان العديد من القبائل في المنطقة ومنها داعش.

بينما كانت تتمثل قوة النظام الليبي في الجانب الاقتصادي بالاعتماد على الثروة النفطية التي مثلت مورد الدخل الرئيس في البلاد، كون ليبيا تعد من الدول النفطية الكبرى عالميًا، مع نسبة نمو 3% من الناتج المحلي عام 2010 مقارنة بـ 61.3% في عام 2011م، ولكن ظل الاقتصاد الليبي يعاني من الفقر نوعًا ما في الصناعات المتعددة التي أثرت سلبًا على الاقتصاد المتنوع، وأدت في النهاية إلى عدم توافر مؤسسات اقتصادية قوية تستطيع النهوض بالبلاد من جديد دون الاعتماد على العائد النفطي حصرًا.

وعلى الصعيد الخارجي؛ لعل من أهم اسباب الحديث عن أن ليبيا قد فشلت هي السياسة الخارجية في عهد القذافي التي اتسمت بالعداء تجاه الغرب عبر العديد من المحطات من أبرزها حادثة إسقاط طائرة “لوكربي” الأمريكية، حيث فرض على ليبيا حصار اقتصادي استمر حتى عام 2003.

وبالتوازي مع ذلك، وبعد فشل القذافي في العمق العربي اتجه نحو القارة الإفريقية ليلعب دور فعال ضمن القارة ومؤسساتها وحتى داخل دولها، حيث ساهم القذافي في:

ـ تكوين وتمويل العديد من المؤسسات والمنظمات (الإرهابية)،

ـ وتقديم العديد من المقترحات مثل الولايات المتحدة الإفريقية،

ـ وتوفيره التمويل الكبير للمشروعات الإفريقية مثل”منظمة الاتصال بالأقمار الصناعية الإفريقية الإقليمية)،

ـ ودوره في تحويل منظمة الوحدة الإفريقية إلى الاتحاد الإفريقي،

ـ وطرح وإنشاء العديد من المؤسسات الاقتصادية التي كان الهدف (المعلن) منها هو تخليص إفريقيا من سطوة المنظمات الدولية ذات الثقل الغربي.

كل هذه العوامل أدت في النهاية إلى احتقان الغرب منه والسعي نحو إسقاطه مع بداية الأزمة في ليبيا.

ربما تكون دولة ليبيا دولة قد حققت بعض خطى النجاح والوصول إلى نموذج فريد في المنطقة، فلا يمكن أن ننكر وأن نحكم بالقول بعدم وجود مؤسسات في ليببا، فتلك المؤسسات كانت موجودة مهما اختلفت مسمياتها أو طرق عملها واختيارها، ولكنها تتشابه في المضمون الذي تتواجد من أجله.

بالتالي المؤسسات هذه صمدت لعقود طويلة من الزمن ربما بالاعتماد على الثروة النفطية وغيرها، ولكن لايمكن أن نقول عنها فاشلة صرف لأن ذلك يعني بأننا سنكون عرضة لوصم العديد من دول المنطقة التي تتشابه ظروفها مع ليبيامسبقًا بالفشل الحتمي على الرغم من استمرارها و ازدهارها حتى يومنا هذا.

وربما يمكن القول بأن تلك الدولة ومؤسساتها كانت تفتقر إلى المتانة التي تمكنها من الاستمرار والصمود في وجه العديد من التحديات، ومتانة المؤسسات هذه يترتب عليها حياة سياسية غنية تخلق نظم سياسية بشكل متجدد ودوري لتقوم بالدور المطلوب منها أي مؤسسات وطنية مستقلة مثل الجيش وسياسية قوية كالأحزاب والأهم من ذلك المجتمع المدني الذي يحافظ على تماسك المجتمعات في ظل الأزمات.

ومن هنا فإن نظام القذافي لم يسانده أحد وتخلى عنه حلفائها من أبرزهم روسيا حينماانتفض المجتمع الليبي لاسقاطه، مع التحالف الغربي ضده الذي وقع على شهادة وفاة هذه الدولة، بالتالي في حقيقة الأمر يمكن القول بأن دولة القذافي كانت تسير على خط وسط ما بين السقوط والانهيار في اللحظة التي تعرضت فيها للأزمة.

***

علا علاء الدين عوض علي النحاس– باحث ماجستير كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة (علوم سياسية، تخصص: علاقات دولية).

بشار بصرو شيخ علي – طالب بكالوريوس علوم سياسية جامعة القاهرة (تخصص أساسي – علوم سياسية، تخصص فرعي: إدارة).

_______________