Minbar Libya

بقلم الهادي بوحمرة

مقدمة الكتاب:

كان واضعو الإعلان الدستوري المؤقت الصادر بتاريخ 3 أغسطس 2011م يعتقدون أن وضع دستور للبلاد أمر سهل المنال، وأن مفاصل البناء الدستوري واضحة وبينة، ولا خلاف عميق بشأنها، وأن العملية الدستورية في ليبيا عملية بعيدة عن كل التعقيدات.

ولهذا نص الإعلان الدستوري ـ في المادة الثلاثين منه قبل تعديلها ـ على تعيين الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، واشترط عليها الإنتهاء من عملها خلال ستين يوما، من تاريخ انعقاد أول اجتماع لها، على أن يطرح المشروع للإستفتاء، خلال ثلاثين يوما، من تاريخ اعتماده من المؤتمر الوطني العام.

ودون أن يتضمن النص أي ضوابط دستورية، لاختيار أعضاء الهيئة، ودون أي اشتراطات تتعلق بنصاب اتخاذها لقراراتها، أو بإقرار مشروع الدستور في الاستفتاء العام.

إلا أن هذا التنظيم للمسار الدستوري بدأ يتعقد رويدا رويدا، وتوالت التعديلات على أحكامه في الإعلان الدستوري، حتى تحول إلى أعقد المسارات الدستورية، من حيث اشتراطات الوصول للدستور الدائم.

وربما يرجع ذلك، إلى عدم إدراك واضعي الإعلان الدستوري لصعوبات وضع الدساتير، وأن العملية الدستورية عملية معقدة، تتجاوز كونها عملية سياسية سلسة، أو مجرد عمل أكاديمي صرف، يتولاه نخبة من القانونيين والسياسيين.

كما أن الإحاطة ـ بعمق ـ بالمسائل التي يجب أن يؤطرها دستور ليبيا المستقبل، وبالإشكاليات التي يطرحها الوضع في ليبيا، لم تكن كافية عند وضع الإعلان الدستوري. ومن هذه المسائل، ضعف الثقة بين المكونات الإجتماعية، وبين مناطق البلاد في الجنوب والشرق والغرب، واختلاف المعطيات بينها، واتساع المساحة، واختلال التوزيع السكاني، وسوابق إقرار دستور 1951م، والإشكاليات التي طرحها، ولا زال يطرحها، التحول من النظام الملكي (1951ـ2011) إلى الجمهورية (1969ـ1977)، ومنه إلى النظام الجماهيري (1977_2011)، والانتقال من الدولة المركبة (1951_1963) للدولة البسيطة، اعتبارا من سنة 1963م، ومن ثنائية العاصمة إلى العاصمة الواحدة، من ناحية واقعية، والشعور العميق بالتمييز، والتهميش، والإقصاء، وإختلال التوازن التنموي الناتج عن سياسات الماضي والحاضر، والجدل بشأن حقوق المكونات الثقافية واللغوية، ورواسب التغيير العنيف الذي حدث سنة 2011، وما أعقبه من حروب أهلية، ونزاعات اجتماعية، وانقسامات سياسية، بالإضافة إلى نتائج التدخل الأممي، والأجنبي خلال سنة 2011م، وما بعدها.

هذه المقدمات بدأت تظهر نتائجها من خلال الاعتراضات على الخارطة الدستورية التي رسمها الإعلان الدستوري في بدايته.

وقد تنوعت هذه الاعتراضات، فمنها ما يرفض العملية الدستورية بالكامل، ويرى ضرورة العودة إلى بحثها، وإعادة بنائها من جديد، ومنها ما يطالب بإدخال تعديلات عليها.

الأمر الذي قاد إلى تحولات جذرية في تصميمها، منها التحول من التعيين للإنتخاب، وتوزيع مقاعد الهيئة بالتساوي بين المناطق التاريخية الثلاث، واشتراطات معقدة تتعلق بإقرار الهيئة للمشروع، وبالجمع بين انتخاب الهيئة والاستفتاء العام، وتقسيم البلاد إلى ثلاث دوائر في قانون الاستفتاء، واشتراط أغلبية المقترعين في كل منطقة انتخابية، مع الحفاظ على الثلثين من مجموع المقترعين.

ومع أن الطريق كان شاقا، ومليئا بالعراقيل، إلا أن الهيئة التي تألفت عن

طريق الانتخاب المباشر من شرق البلاد وغربها وجنوبها، والتي ضمت أغلب التوجهات السياسية في البلاد، والإنتماءات الأيديولوجية، فتحت النوافذ لرؤية مختلف التعقيدات التي يطرحها المجتمع الليبي على حقيقتها، وبشكل يتجاوز بكثير ما يمكن أن تقدمه أي نخبة سياسية، أو لجنة أكاديمية، وأظهرت صعوبة، ومشقة بناء الدساتير بالطريق الديمقراطي على حقيقتها، دون أي تبسيط خادع، يمكن أن تعتمده، وتبني عليه أي لجنة دستورية، يتم تأليفها عن طريق التعيين.

وأيا كانت نتائج التقييم الذي يمكن أن يخضع له مشروع الدستور المعتمد بتاريخ 27 يوليو 2017م، بأغلبية ثلاثة وأربعين عضوا، فإن الإطار الإجرائي للعملية الدستوري الليبية يُخضعها لرقابة الشعب، بداية ونهاية، ويجعل الإرادة الشعبية هي العنصر الحاسم في العملية برمتها.

فالشعب هو من اختار الهيئة، وهو من له الكلمة الفصل في قبول، أو رفض عملها، كما أن هذه الهيئة نجحت في إقرار مشروع الدستور في ظروف صعبة للغاية، ونجحت، بأغلبية موصوفة، في تجاوز اختلافات عميقة، بشأن مسائل جوهرية تتعلق ببناء الدولة، وحافظت على الملكية الوطنية الخالصة لمشروع الدستور، ولم تفتح المجال لتدخل أي أطراف خارجية في محتوى المشروع.

وأنجزت خطة مشاركة شعبية شملت أغلب المدن الليبية، وعملت بشفافية، عن طريق إعلان نتائج أعمالها، في نهاية كل مرحلة من مراحل عملها.

ونحاول في هذا الكتاب متابعة المسار الدستوري الليبي (2014-2018) من خلال عرض كيفية تكوين الهيئة، ومراحل عملها (الجزء الأول)، ومناقشة التصورات

والحلول التي طرحت عبر مراحل الهيئة المختلفة، بشأن مفاصل مشروع الدستور (الجزء الثاني) .

_________________

خاتمة الكتاب:

جمعت التجربة الليبية بين تأليف أعضاء الهيئة التأسيسية بالإنتخاب الحر السري المباشر بالتساوي بين المناطق الانتخابية الثلاث والاستفتاء، ووضع له مسار إجرائي معقد، بحيث تتخذ قراراتها بأغلبية الثلثين+1. وأن لا يقر عملها، ويتحول لدستور للبلاد، إلا بعد موافقة أغلبية ثلثي المقتعين، وقد زاد من تعقيد المسار الدستوري، تعديل مجلس النواب للإعلان الدستوري، وبما يسمح بتقسيم البلاد إلى ثلاث دوائر، واشتراط حصول المشروع على أغلبية 50+1 في كل دائرة انتخابية، مع الحفاظ على شرط الثلثين على مستوى البلاد. الأمر الذي يجعل من المسار الدستوري الليبي من أعقد المسارات الدستورية في العالم.

ورغم الاشتراطات الصعبة، والظروف الأمنية والسياسية المعقدة، التي مرت بها ليبيا أثناء عمل الهيئة التأسيسية، بين سنتي 2014م و2017م، إلا أن الهيئة تمكنت ـ بصعوبة ـ من إنجاز المهمة التي انتخبت من أجلها، بالتصويت على مشروع الدستور بتاريخ 29 يوليو 2017م، ولم يبق من إكمال المسار التأسيسي، إلا خطوة الاستفتاء، ويمكن اختصار مشروع الدستور في النقاط التالية:

1ـ وحدة التراب الليبي، وقيام الهوية الليبية على ثوابت جامعة، ومتنوعة، وتعدد اللغات الليبية، على أن تكون اللغة العربية لغة الدولة، وينظم القانون إدماج اللغات الليبية الأخرى في الحياة العامة.

2ـ دولة مدنية قائمة على التعددية السياسية، والتداول السلمي على السلطة، والفصل بين السلطات، والتوازن، والرقابة بينها.

3ـ بناء السياسات التشريعية والتنفيذية، وبرامج التنمية كافة على حقوق الإنسان، وتكون للمعاهدات والاتفاقيات الدولية المصدق عليها مرتبة أعلى من القانون، وأدنى من الدستور.

4ـ الإسلام دين الدولة، والشريعة الإسلامية مصدر التشريع.

5ـ العاصمة طرابلس، وبنغازي مقر للسلطة التشريعية بمجلسيها (عاصمة تشريعية)، وسبها مقر للمحكمة الدستورية، وتتولى السلطة التشريعية تحديد مقار الهيئات الدستورية.

6ـ ثنائية السلطة التشريعية، والتي تتكون من مجلس النواب، ومجلس الشيوخ، وينتخب كامل أعضاء كل منهما بالاقتراع العام الحر السري المباشر، ويتألف المجلس الأول على أساس السكان، مع مراعاة المعيار الجغرافي، بينما يقوم الثاني على توزيع المقاعد بين المناطق الانتخابية الثلاث (برقة وفزان وطرابلس)، مع توزيع المقاعد المخصصة لكل منطقة انتخابية داخلها، وفق المعيار الجغرافي، مع تمثيل المكونات الثقافية واللغوية في المجلسين.

7ـ انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب، على أن يحصل المرشح الفائز على 50+1 من المقترعين، وبتوزيع جغرافي للأصوات على الدوائر الانتخابية بالنسبة التي يحددها القانون. ومن صلاحياتها، تعيين رئيس الوزراء، على أن يكون لمجلس النواب إقرار عدم الثقة بالحكومة بأغلبية الثلثين، وإعلان عدم الثقة في أحد الوزراء بالأغلبية المطلقة.

8ـ استقلال السلطة القضائية، وإقرار نظام التخصص القضائي، وحظر المحاكم الاستثنائية، واستحداث محكمة دستورية.

9ـ اللامركزية الموسعة القائمة على انتخاب مجالس البلديات والمحافظات، وعلى مبدئي التفريع والتدبير الحر، وضمان التوازن المالي بين وحدات الحكم المحلي.

10ـ النص على هيئات دستورية مستقلة، منها المفوضية العليا للانتخابات، وديوان المحاسبة، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان.

11ـ دسترة أسس توزيع الإيرادات الوطنية، بشكل عادل، ومنصف، بين مستويات الحكم الوطني والمحلي.

12 ـ وجوب إنشاء مشاريع بديلة للثروات غير المتجددة بمناطق الإنتاج، وفق امكانياتها المكانية.

***

الهادي بوحمرة ـ عضو الهيئة التأسيسة لصياغة مشروع الدستور

_____________

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك