Minbar Libya

إنّ الثورة الليبية كانت ثورة استرجاع كرامة مهدورة وثورة بلد منهوبة ثرواته وليس ثورة جوع أو طلب تشغيل على غرار الثورة التونسية والثورة المصرية اللتين سبقتاها.

الجزء الثاني

ثالثا: المنعرج الكبير والانقسام

استقرت حكومة السيد عبد الله الثني في البيضاء والبرلمان في طبرق وحصلت حالة فراغ في العاصمة وهو ما أجبر المؤتمر الوطني العام إلى العودة إلى الانعقاد من جديد تلافيا للفراغ الدستوري بعد أن حكمت المحكمة العليا بعدم شرعية الانتخابات البرلمانية وشكل حكومة الإنقاذ الأولى التي رأسها السيد عمر الحاسي .

وبذلك أصبحت البلاد تدار بحكومتين واحدة في طرابلس والأخرى في البيضاء بالشرق الليبي وبمؤسستين تشريعيتين تشقهما الخلافات بالطول والعرض

لم تنجح حكومة الإنقاذ في طرابلس في حل الأزمات المستفحلة في البلاد ولم تجد الدعم الدولي إذ كانت القوى الكبرى تعترف بالحكومة المؤقتة بقيادة السيد الثني باعتبارها مدعومة من البرلمان المنتخب الذي اعترفت به الأمم المتحدة .

ولكن أيضا حكومة السيد الثني لم تستطع إدارة الأوضاع في الشرق بل عمقت حالة الانقسام وأصبحت أداة طيعة لعملية الكرامة التي يقودها الجنرال حفتر الذي استفرد بمقاتلة قوى الثورة في الشرق وسيطر على القرار السياسي والبرلماني وأصبح الحاكم الفعلي والحقيقي للمنطقة الشرقية.

في هذه الظروف كانت البعثة الأممية للدعم في ليبيا تعمل على تفعيل مبادرة لحوار وطني شامل ينهي حالة الانقسام في البلاد التي أصبحت تهدد حتى المؤسسات السيادية مثل البنك المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط .

فكيف كان مسار الأمم المتحدة إلى حين توقيع اتفاق الصخيرات في المغرب الأقصى؟

رابعا: اتفاق الصخيرات وعودة الأمل

كانت الوظيفة الأساسية لبعثة الدعم الأممية لليبيا حين إرسالها هو مساعدة ليبيا على عملية الانتقال الديمقراطي وإرساء مؤسسات الدولة الجديدة. ولكن بدخول البلاد في مرحلة الأزمة والاقتتال تطور دور البعثة إلى جهة تسعى إلى إرساء السلام والتوفيق بين الفرقاء.

فقد ابتدأت هذه المهمة مع السيد طارق متري ثم تواصلت مع السيد برنادينو ليون الذي يعتبر مهندس اتفاق الصخيرات.

بدأ مسار الأمم المتحدة باجتماع بين نواب  مداومين في طبرق وآخرين مقاطعين للبرلمان وكان ذلك في مدينة غدامس الليبية يوم 29سبتمبر 2014 . ثم تطور الحوار وضم إلى جانب النواب مكونات من المجتمع المدني في جولة ثانية في مدينة جينيف السويسرية.

ومع التفاعل الإيجابي مع مشروع الأمم المتحدة من طرف أغلب قوى الصراع في ليبيا قررت البعثة أن تنفتح على كل المكونات السياسية والاجتماعية للمشاركة في ملتقى يضم الجميع في مدينة الصخيرات المغربية . ولاقت هذه المبادرة دعما دوليا كبيرا.

انطلقت مفاوضات الصخيرات يوم 27 سبتمبر 2014 ودامت أكثر من سنة وكانت متعددة الجولات دون توافق حقيقي وشامل بين مختلف الفرقاء .ولكن القوى الكبرى كانت مصرة على إنهاء المفاوضات بسرعة والخروج بأي حل وهو ما جعل بعض أطراف التفاوض تنسحب قبل إمضاء الاتفاق.

أمضي الاتفاق يوم 17 ديسمبر 2015 وراعى مصالح قوى إقليمية ودولية واعتبر في وقته منجزا استراتيجيا سينهي حالة الاقتتال والانقسام. ولكن ثبت بعد ذلك أن هذا الاتفاق فيه من الثغرات والنقائص بما لا يمكنه من أن يكون بديلا حقيقيا للواقع القائم في البلاد .

ولكن أيضا لا يجب أن ننسى أن هذا الاتفاق وبدخول حكومة الوفاق الوطني إلى طرابلس – وهي إحدى مخرجاته – قد أعاد الأمل لليبيين في العملية السياسية خصوصا بعد الاعتراف الدولي  بهذه الحكومة كطرف وحيد يمثل السلطة في ليبيا وتوالت الوعود الدولية بتقديم دعم كبير لها لكن الواقع كان غير ذلك .

تعددت أشكال التدخل الدولي في ليبيا عبر الضغط سواء على حكومة الوفاق أو على بقية الأطراف السياسية . وعجزت هذه الحكومة أمام غياب الدعم الداخلي والخارجي عن السيطرة على الأوضاع في البلاد .فلم تتمكن من ترتيب وضع الكتائب والميليشيات العسكرية ولم تدخل الإصلاحات الضرورية على الإدارة التي ينخرها الفساد.

بل في عهدها تفاقم الفساد المالي وتمددت الميليشيات وأصبحت تسيطر على القرار في طرابلس وفي بقية المدن.

فما هي آفاق الثورة الليبية في ظل هذا الواقع المتأزم؟

خامسا: حقيقة المشهد وآفاق الثورة

لم يستطع اتفاق الصخيرات والأطراف الداعمة له من إنهاء حالة الصراع والانقسام لأنه كما ورد سابقا هو اتفاق لم يكن بإرادة ليبية خالصة وإنما اندرجت ضمنه مصالح قوى خارجية لازالت تلعب بقوة في الساحة الليبية .

وما تعيشه ليبيا اليوم هو تداعيات فشل هذا الاتفاق رغم التغيرات الإيجابية التي أحدثها في المشهد ومنها عودة الأمل في بناء الدولة ومؤسساتها. لقد أصبح ثابتا لدى مختلف القوى الداخلية والخارجية استحالة الحل العسكري وبالتالي التعويل على العملية السياسية أضحى الخيار الأوحد الذي تشتغل عليه الأمم المتحدة التي لا ترى في غير الاتفاق السياسي بديلا لحل الأزمة.

ولذلك هي تسعى جاهدة في هذه الأثناء لعقد مؤتمر وطني جامع يضم مختلف الفرقاء الليبيين للترتيب للمراحل القادمة ومنها إقرار الدستور والانتخابات التشريعية والرئاسية.

هذا الخيار المتمثل في المضي بالعملية السياسية قدما إلى الأمام يلقى معارضة غير معلنة من قوى تشتغل في الداخل ومن قوى إقليمية ودولية ترى في العملية مسارا مضادا لمصالحها الكبرى.

والمؤلم في الأمر أن هذه القوى مؤثرة بقوة في الساحة الليبية مثل فرنسا والإمارات العربية المتحدة ومصر وقادرة على تعطيل المسار . والمتابع بدقة للشأن الليبي يلحظ الدور الذي تلعبه فرنسا في الجنوب الليبي بمساندتها للجنرال حفتر الذي يستعمل هذه المنطقة المهمّشة والخارجة عن سيطرة الدولة كخاصرة رخوة ضد المسار السياسي بدعم من فرنسا التي لها رغبة جامحة في السيطرة على منابع النفط في الجنوب وفتح الطريق نحو مستعمراتها السابقة جنوب الصحراء ونحو العمق الإفريقي.

وهذا يتعارض مع المصالح الإيطالية الكبرى المهددة اليوم سواء من قبل فرنسا أو من حالة الفوضى القائمة في البلاد.

وفي مستوى آخر تشتغل دولة الإمارات على أرباك عملية الترتيبات الأمنية التي تدخل ضمن اتفاق الصخيرات وضمن خطة الأمم المتحدة . وهي أهم خطة على الإطلاق للتحكم في الأمن في طرابلس وباقي المدن .

وبالمقابل تشتغل وزارة الداخلية التي على رأسها أحد الرموز المحسوبة على الثورة والمدعوم من السيد السراج ومن البعثة الأممية للدعم على إضعاف النفوذ الإماراتي عبر الحرب الناعمة التي يشنها ضد كتائب طرابلس القريبة من هذه الدولة التي تعلن عداءها للثورات العربية.

هذه الكتائب هي في الحقيقة تضم عديد الثوار المؤمنين بضرورة إرساء الدولة المدنية والتداول السلمي على السلطة ولكن قوتهم لا تمثل القيادة المرتبطة بالأطراف الأجنبية.

لقد استطاع وزير الداخلية أن يحد كثيرا من قوة هذه الميليشيات ويقلم نفوذها إلى حد كبير دون الالتجاء إلى الحرب داخل العاصمة.

إذن فالصراع القائم في البلاد هو ليس صراعا بين قوى داخلية فحسب بل هو أيضا صراع دولي بالوكالة وظفت له قوى من الداخل . ولذلك لا يمكن أن نتحدث عن حل في ليبيا في غياب القوى الخارجية الفاعلة في الساحة الليبية. ويمكن اعتبار أهم دولتين مؤثرتين في ليبيا هما إيطاليا وفرنسا وكل دولة لها حلفاؤها في الداخل والخارج.

فالمعسكر الفرنسي تتبعه الإمارات ومصر وحفتر في الداخل وإيطاليا تساندها حكومة الوفاق وتيار عريض من خط الثورة إلى جانب قطر وتركيا القريبتين من التصور الإيطالي دون أن يمكن احتسابها عليها.

إن مجمل الحراك القائم في ليبيا لا يخرج من مربع الصراع هذا.

وتسعى الأمم المتحدة اليوم إلى عقد المؤتمر الوطني الجامع  لإنجاح العملية السياسية. ويلقى هذا المسعى دعما كبيرا من أغلب القوى في البلاد رغم تحفظها على الأداء الضعيف للبعثة الأممية. وفي المقابل تعمل قوى أخرى على إفشال هذا المشروع.

ولكن الموازين السياسية والعسكرية القائمة ليست في صالح قوى الرفض للمشروع الأممي وهو ما يبشر بنجاح العملية السياسية في الأخير حتى وإن تأخرت.

الخاتمة :

 لقد طالت الأزمة الليبية كثيرا . وهذا له أسبابه .فليبيا بلد غني بثرواته ومهم بموقعه الإستراتيجي المطل على أوروبا والمنفتح على العمق الإفريقي وهو ما جعلها محط أنظار القوى الكبرى التي تسعى إلى موطئ قدم في هذه البلاد.

وعلى الليبيين أن يضيقوا من رقعة الخلاف بينهم للتقليل من الدور الأجنبي المعطل للحل وأن يدركوا أنه لا حل خارج الإطار السياسي بعيدا عن الاقتتال الذي عمق الجهويات وهدد بتقسيم البلاد وخلّف المآسي والدمار في عديد الأماكن في ليبيا.

***

مريم الحامدي ـ باحثة تونسية

______________

المصدرمركز الدراسات الاستراتيجية و الدبلوماسية