Minbar Libya

بقلم المبروك الهريش

منذ ثورة يوليو في خمسينيات القرن الماضي مثلت المؤسسة العسكرية في الدول العربية عاملا مهما وربما رئيسيا في تحديد مسار الدولة ونظامها السياسي، وعلاقة هذه المؤسسة بالمجتمع والسياسة والاقتصاد، وهذا طبيعي؛

فمنطق القوة الذي تستند عليه الجيوش يعتبر أقصر الطرق لفاعلية كبيرة في الدولة قد يسهم في تحولات عظيمة تستفيد منها الشعوب، أو على العكس قد يمثل حجر عثرة أمام تحضر هذه الشعوب وتقدمها وهو ما نراه اليوم في أغلب بلداننا العربية والإسلامية.

في ليبيا، نسمع كثيرا من النخب والمثقفين يؤكدون على ضرورة أن يكون للدولة جيش محترف يحمي مقدرات البلاد، ويحفظ هيبة الدولة من أعدائها، ويعزز سيادتها ويكون الحصن المنيع أمام كل ما ينتهكها.

هذا صحيح، وهو من المتفق عليه من كل المكونات الاجتماعية والطيف السياسي، ومن يرفض ذلك، ينطلق من رفضه لمسمى الدولة أصلا ناهيك عن الجيش.

لكننا لم نسمع كثيرا عن معايير وضوابط هذا “الجيش المحترف”، وحتى القليل الذي سمعناه لم يتجاوز بضع كلمات مفصلة على قوات الكرامة، أو القوات التابعة لحفتر، أو الجيش العربي الليبي كما يحب أن يسميه مناصروه.

سأحاول في هذه السانحة التطرق باختصار غير مخل إلى معايير مسمى الجيش المحترف، ثم إسقاطها على قوات حفتر لنصل إلى وصف واقعي لهذه القوات بعيدا عن أي اعتبارات عاطفية أو سياسية.

معايير الجيش المحترف:

التراتبية: وهي تسلسل الأوامر من الجندي وحتى قيادة الجيش، وفق لوائح صارمة وعقوبات محددة لكل عصيان أو رفض.

المهنية: وهي الالتزام بعدم دخول أي فرد للجيش دون تدريب محكم ودراسة دقيقة ومعايير صارمة، ولا يُمنح أي فرد فيه ترقية أو وساما إلا وفق ما هو مدرج ضمن اللوائح والقوانين المنظمة لعمله.

التبعية الدستورية: اللوائح والقوانين المنظمة لعمل الجيش تابعة لدستور نابع من الشعب بطريقة ديمقراطية، وهو الذي يضمن رقابة على الجيش، وصلاحيات محددة لا تتدخل في مؤسسات الدولة الأخرى استنادا إلى القوة.

وبإسقاطها على الجيش التابع للبرلمان والذي يقوده حفتر نجد أنه:

لا وجود لتراتبية في هذا الجيش، بسبب تمرد حفتر على السلطة التي يتبعها، وحتى لو سلمنا جدلا بأن البرلمان هو القائد الأعلى للجيش رغم الانقسام الحاصل، فإن حفتر يمارس كل مهامه بعيدا عن هذه السلطة وغير آبهٍ بها للدرجة التي يشارك فيها بوفد خاص عن رئيسه في مؤتمرات دولية وهو ما حدث في مؤتمري باليرمو وباريس حول الشأن الليبي، كذلك تبرؤ حفتر من أفعال أحد جنوده المنتهكة لحقوق الإنسان.

أما المهنية فأكبر كتيبة تابعة لهذا الجيش هي كتيبة يقودها خالد خليفة حفتر، يقود هذه الكتيبة وأعطي رتبة نقيب دون أن يدخل أي كلية عسكرية.

أما اللوائح والقوانين الموجودة فحفتر أول من ضرب بها عرض الحائط، ولو طبقت هذه القوانين لكان القائد العام خلف القضبان استنادا إلى المادة 87 من قانون العقوبات العسكرية.

هذا غيض من فيض من الخروقات الدالة على أن قوات حفتر بعيدة كل البعد عن مسمى الجيش الحرفي، وهي امتداد للمؤسسات العسكرية التي أذاقت ليبيا وشعوب المنطقة ويلات العذاب، ما جعل هذه الشعوب ترزح تحت آفة القهر وعضال الاستبداد فضلا عن التخلف والفقر والجهل.

عند نفي الحرفية عن قوات حفتر لا يعني أن باقي القوات في ليبيا حتى المنضوية تحت المجلس الرئاسي تنطبق عليها شروط الحرفية، ولا يعني أيضا أن كتائب النظام السابق تعبر عن مفهوم الحرفية العسكرية.

حقائق التاريخ تقول إن الحالة التي تكون فيها المؤسسة العسكرية عاملا إيجابيا للتنمية هي حالة تسليمها مقاليد الحكم لمن يختاره الشعب، والمقارنة بين ما يحدث في تونس ومصر دليل على هذه الحقائق، فالأولى تسير بثبات نحو الاستقرار المدعم باحترام حقوق الإنسان وحرياتهم.

أما في مصر فالدولة العسكرية البوليسية تسيطر على كل ما يتحكم في الناس ويكتم أنفاسهم، وتنحط بهم في أقصى سرعة إلى حضيض الجهل والتخلف، والجنرال التونسي رشيد عمار، لم يكن من قبل شيئا مذكورا، لكنه سيبقى خالدا في عقول شعوب المنطقة لعقود، وغيره كثيرون انتهوا إلى العدم، ليس لشيء إلا لأنه وعى مهامه الحقيقية وسلم السلطة لمن يختاره الناس دون أي مساومة أو مواربة.

***

المبروك الهريش ـ كاتب ليبي

___________