Minbar Libya


المنبر: كاتبان في مجلة جون افريك الفرنسية توليا الإجابة على سؤالين مهمّين حول تدهور الأوضاع في ليبيا ودور السيسي في ذلك بدعمه السياسي والعسكري للمتمرد خليفة حفتر، والكاتبان الفرنسيان هما جهاد جيون و أريانا بولاتي.

***

السؤال الأول: لماذا تدهور الوضع في ليبيا؟

بقلم جهاد جيون

في الوقت الذي يبدو فيه أنه تم إحياء العملية السياسية في ليبيا، فإن التوترات التي يشهدها المجلس الرئاسي وتجدد القتال بين الميليشيات في طرابلس تشكك في التقدم الذي أُحرز في الأشهر الأخيرة.

لقد أصبح هذا الأمر مألوفا.

ففي كل مرة تُحدد فيها المواعيد النهائية للانتخابات، تعود الانقسامات إلى الظهور مرة أخرى، لتغرق البلاد في موجة من الشكوك الجديدة وتتعطل العملية السياسية.

بعد مؤتمر باليرمو الذي عُقد في منتصف شهر نوفمبر 2018، كان من المقرر عقد مؤتمر ضخم للمصالحة الوطنية في أواخر يناير 2019 قبل الانتخابات العامة التي من المقرر تنظيمها في الربيع من نفس العام. ويبدو أن هذا البرنامج لن يرى النور مع تدهور الوضع مرة أخرى في البلاد منذ مطلع سنة 2019.

على الرغم من معارضة سلطات المنطقة الشرقية للشرعية بشكل منتظم، يبدي المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية الآن انقساماته بشكل صريح. فيوم الأحد، أشار ثلاثة من جملة نواب رئيس المجلس الرئاسي، أحمد معيتيق وفتحي المجبري وعبد السلام كاجمان، في بيان مشترك، إلى تفرد فايز السراج بالسلطة.

ووفقًا للوزراء الثلاثة، يفضل رئيس المجلس، المعترف به من طرف المجتمع الدولي دون أن يحظى بدعم حقيقي في ليبيا، تحقيق مصالحه الشخصية على حساب مصالح البلاد.

تداعيات سلبية

أورد هذا الثلاثي “نحن نُحمّل السراج مسؤولية الإنهيار الوشيك للدولة ولمؤسساتها”. وأضاف أن “النهج الفردي الذي اتبعتموه لاتخاذ قرارات مصيرية يتعارض مع فكرة الوفاق. وقد أحال خياركم في تجاهل الأطراف المتصارعة، بما في ذلك أعضاء المجلس الرئاسي، هذا المجلس إلى ‘طرف في الصراع’ بدلا من كونه ‘أداة للحل‘”.

ولم يتخلّف فايز السراج يوم الإثنين عن الرد على هذه الانتقادات، منددا في الآن ذاته برغبة بعض الأطراف في مواصلة الاستفادة من الوضع الحالي في ليبيا. وقبل الدعوة إلى الهدوء، قال السراج: “أطلب من أعضاء المجلس الرئاسي التحلي بالحكمة والعقلانية في تعاملهم مع المشاكل الوطنية”.

لماذا اندلعت هذه الانقسامات، التي ظلت خفية لفترة طويلة، بشكل صريح اليوم؟

يرى الباحث الليبي عماد بادي من معهد الشرق الأوسط في هذا الأمر نتاجا للمفاوضات على ميزانية سنة 2019. ويذكر بادي أن “التوترات على مستوى المجلس الرئاسي ليست حديثة العهد. ويرغب كل من أحمد معيتيق وفتحي المجبري وعبد السلام كاجمان في الضغط على السراج حتى يكون هناك تنسيق أكبر بين الطرفين. لكن سيكون لهذه الانقسامات الصريحة تداعيات سلبية على العملية السياسية في الأشهر المقبلة”.

ومع ذلك، يعتقد الباحث أن السراج، على الرغم من عزلته، سيظل وجه ليبيا في الخارج، نظرا لعدم وجود بديل له على المدى القصير.

تجدد أعمال العنف

لاحت في الأفق شكوك حول حقيقة الترتيبات الأمنية التي تم التطرق إليها في طرابلس خلال شهر أيلول/ سبتمبر من سنة 2018 تحت إشراف الأمم المتحدة بعد مضي عدة أسابيع من القتال، عندما جدت معارك بين ميليشيات طرابلس وميليشيا اللواء السابع لترهونة . وبغض النظر عن وقف إطلاق النار بين الميليشيات، نصت الترتيبات الأمنية على إنشاء قوات نظامية لتحل محل تحالف ميليشيات طرابلس، التي توحدت خلال شهر كانون الأول/ ديسمبر تحت راية قوة حماية طرابلس.

أفاد عماد بادي بأن “وزير الداخلية الجديد فتحي باشاغا يريد استبدال هذه القوات، لكن ذلك لن يحدث دون حدوث مزيد من العنف، خاصة وأن القتال استئنف يوم الأربعاء بين قوة حماية طرابلس وبين ميليشيا اللواء السابع في جنوب طرابلس”. وأضاف الباحث الليبي أن “الهجوم الذي شنته ميليشيا اللواء السابع تزامن مع احتدام التوتر بين فتحي باشاغا وقوات طرابلس، الأمر الذي ساهم في نشوب مواجهة بين الجماعتين خاصة قوة حماية طرابلس، وبالطبع تسبب ذلك في خلق عقبات أمام تنفيذ الترتيبات الأمنية الجديدة”.

وضع راهن يصب في صالح الميليشيات

تعمل قوة حماية طرابلس على استغلال الانقسامات في المجلس الرئاسي للحفاظ على موقعها. ويوم الخميس، أصدرت القوة بيانا ترفض فيه الاعتراف بسلطة المجلس الرئاسي بما أن قراراته لا تحظى بدعم كامل أعضائه التسعة. وبدأت الشكوك تحوم حول استقرار البلاد على المدى المتوسط خصوصا مع التدهور السياسي والأمني المفاجئ الذي برز بعد عدة أشهر من الهدوء النسبي واستئناف عملية باليرمو.

وأوضح عماد بادي أن “الملتقى الوطني بين الأطراف الليبية قد يفسر على أنه رغبة في استبعاد بعض الجهات الفاعلة، مما قد يدفعهم إلى إحباطه”. باختصار، تسبب التقدم الكبير في العملية السياسية في تشكل خطر دائم يتمثل في تجدد المناوشات، مما يفسح المجال أمام الميليشيات وبعض الجهات السياسية الفاعلة لاستغلال الوضع الراهن.

السؤال الثاني: لماذا تدعم مصر عبد الفتاح السيسي المشير خليفة حفتر؟

بقلم أريانا بولاتي

يحظى المشير خليفة حفتر، الملقب “بالسيسي الليبي” من قبل معارضيه، بدعم الرئيس المصري منذ سنوات. وبما أن القائدين يشتركان في مفهوم السلطة العسكرية ومعارضة الإخوان المسلمين، فإن عبد الفتاح السيسي يدعو إلى استقرار البلد المجاور من أجل تعاون أوثق.

يقاتل الجنود المصريون على خط المواجهة في بلدة درنة القديمة شرقي البلاد.

من غير المعروف ما إذا كان هؤلاء من أعضاء الجيش الرسمي أم من المرتزقة، لكن زِيّهم ولهجتهم لا يتركان أي مجال للشكوك حول أصلهم.

وعلى أي حال، هذا ما عُرض في الفيديو الذي نُشر يوم الثلاثاء الموافق لتاريخ 19 فبراير على شبكات التواصل الاجتماعي، وتداولته المواقع الإخبارية الليبية في وقت لاحق. وقد أثارت هذه الصور جدلا واسعا.

في الواقع، ليست هذه المرة الأولى التي يشارك فيها المصريون بشكل مباشر في الصراع جنبا إلى جنب مع الجيش الوطني الليبي للمشير خليفة حفتر شرق البلاد، وقد صرح النائب المصري في البرلمان الإفريقي، مصطفى الجندي، لمجلة “جون أفريك” بأن “مصر تدعم المارشال لأنها تساند الشخص الذي من شأنه أن يعيد الاستقرار للبلاد، والذي يملك جيشا، لأنه لا يمكن لأي دولة البقاء والاستمرار دون جيش”.

في شهر فبراير سنة 2015، نشرت صحيفة “المصري اليوم” تقريرا بعنوان “حق الرد”، أوضحت فيه أن مصر تتدخل عسكريا في ليبيا تحت ذريعة الإعدام الوحشي لـ 29 عاملا قبطيا مصريا في ليبيا على يد تنظيم الدولة، حيث تكرر السيناريو ذاته سنة 2017.

من جهتها، ردت الرئاسة الجزائرية أن “شن هجمات ضد ليبيا لن يحل المشاكل الأمنية التي تعيشها مصر”. وحسب الصحفي المصري المختص في الشأن الليبي، خالد محمود، الذي اتصلت به المجلة الفرنسية فإنه: “منذ سقوط القذافي، كان للصراع الليبي عواقب وخيمة على الأمن الداخلي لمصر”.

عدو مشترك: الإخوان المسلمون

خلافا للدول الأخرى المشاركة في النزاع على غرار الحليف الرئيسي الآخر لحفتر الإمارات العربية المتحدة، تشترك مصر في حوالي 1100 كيلومتر من الحدود مع ليبيا. وبناء على ذلك، يعتبر أمن ليبيا قضية ذات أهمية قصوى بالنسبة للرئيس عبد الفتاح السيسي.

وابتداء من سنة 2011، أصبح شرق ليبيا ملاذا آمنا للعديد من الجماعات الإسلامية والجهادية التي تنشر الرعب في القاهرة. وحسب تحليل الباحث الليبي من معهد الشرق الأوسط عماد بادي، فإنه “إذا كانت الجماعات الجهادية المتمركزة في ليبيا تشكل تهديدا حقيقيا لأمن مصر وليبيا، فإن الإسلاميين يشاركون أيضا في النضال الأيديولوجي الذي يقوده السيسي”.

ويتمثل أحد ألدّ أعداء الرئيس المصري في جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما أكده الصحفي المصري خالد محمود في قوله إن “تحالف الرئيس مع حفتر يرجع في الأساس إلى معارضته للتنظيم وللإسلام السياسي عموما. لقد ضعفت جماعة الإخوان المسلمين في كل المنطقة تقريبا باستثناء ليبيا. ويتمتع حزب العدالة والبناء الليبي، الذي يمثل واجهتهم السياسية، بحوالي خمسة عشر مقعدًا في المجلس الأعلى للدولة الليبي، الذي يمثله مجلس النواب في طرابلس”.

وكتبت الصحيفة المصرية المعارضة “مدى مصر” أن القاهرة لم تقدم إلى خليفة حفتر أموالًا فحسب بل قدمت أيضًا أسلحة وجنودًا، وهو ما يمثل انتهاكا للحظر المفروض من قبل الأمم المتحدة.

من جهته، اعترف المشير خليفة حفتر شخصيا بالتعاون السياسي والعسكري الذي يجمع بينه وبين مصر، في تصريح له مع الصحيفة المصرية المقربة من النظام المصري، “الأهرام الاسبوعية. كما التقى حفتر بعبد الفتاح السيسي في عدة مناسبات، ولعب السيسي مؤخرا دورا رئيسيا في إقناع حفتر بحضور مؤتمر باليرمو.

تبادلات اقتصادية مكثفة

لا يمثل الأمن الشاغل الوحيد للرئيس السيسي، إذ تمثل الحدود بين البلدين أيضا مكانا متميزا للتجارة غير المشروعة، التي تطورت بين سنتي 2011 و2013. ويقول عماد بادي إن “العديد من الأسلحة المتطورة المستوردة من روسيا والتي كانت مخزنة من قبل القذافي قد نُقلت إلى مصر. وأصبح تهريب الأسلحة عذر السيسي ليبرر تدخله في شرق ليبيا، كما ساعده ذلك على تحويل الانتباه عن مشكلته الرئيسية والمتمثلة في سيناء”.

على مدى سنوات، طورت الجارتان علاقات اقتصادية مكثفة. فعلى الجانب المصري، لا تزال الفوائد مرتفعة على الرغم من انخفاض الصادرات بنسبة 75 بالمائة منذ سنة 2011. وإذا كانت مصر قد صدرت ما يقرب من 1.5 مليار دولار سنة 2012، فإنها لم تحقق سوى 400 مليون فقط خلال سنة 2017. كما كان يقيم في ليبيا حوالي 1.5 مليون عامل مصري خلال فترة حكم معمر القذافي، لكن لم يظل سوى نصفهم سنة 2015.

كانت ليبيا ومازالت تمثل فرصة للسيسي، ووفقا لعماد بادي فإن “مصر تريد المشاركة في إعادة إعمار البلاد وإقامة تعاون استثماري مع رجال الأعمال الليبيين”.

ومؤخرا، وقعت الجمعية المصرية للمواد الأولية والغرفة الاقتصادية الليبية والمصرية اتفاقية تعاون تهدف إلى زيادة الاستثمارات الثنائية بهدف الحصول على ملكية عقود إعادة الإعمار الأولى. إلى جانب ذلك، تمثل قضية الطاقة أمرا مركزيا.

ومنذ سنة 2013، أصبحت مصر دولة مستوردة للنفط، وبالتالي يمكن لليبيا أن تمثل حلاً بالنسبة إليها في تصدير النفط والغاز بسعر أقل وذلك بواسطة حلفائها على رأس الحكومة الليبية. ولتحقيق هذا الهدف، يحتاج السيسي إلى الاستقرار.

لهذا السبب، تشكل العملية العسكرية التي شنتها قوات الجيش الليبي المتمركز في شرق ليبيا بقيادة المشير حفتر مصدر قلق بالنسبة للقاهرة، لأنها ستزيد من زعزعة الوضع الأمني في برقة. ومثلما كتبت صحيفة “مدى مصر” فإن: “الحملة العسكرية للجيش الوطني الليبي ضد طرابلس ستكون خطأ فادحا”.

______________