Minbar Libya

بقلم السفير عبدالرزاق مختار

شيء غريب الذي يحدث في ليبيا الآن . شيء يدعو للاندهاش المرير . حين تنقلب المعايير ويدان المضحّون ويكافأ المتراجعون والمترددون.

لكي ننطلق إلى ما نيرد قوله في هذا المقال لابد من العودة إلى أصل الحكاية على مستهل القصة وبداية الحدث الجلل .

في 17 فبراير انتفض الليبيون ولا يمكن لأحد ان يدّعي أنه كان وراء انتفاضتهم أو أنه نظمهم أو حرضهم .إنه موعد من مواعيد الشعوب الفارقة في حياتها التي لا يمكن لأحد أن يتنبأ بها أو يتصدى لها .فاضت الجماهير في الشوارع مثل طوفان عظيم منادية بالحرية و إسقاط الدكتاتورية وبناء الدولة العصرية دولة المؤسسات والقانون.

في ذلك الخضم الهائج المائج المتلاطم المحتشد بالجموع في مقابل نظام دموي في أساسه أصيب بالهلع فصار يتوعد ويهدد هو وأنصاره كل من يؤيد هذا الطوفان وكل من ينضم إليه وكل من ينحاز لغضب الناس في الشوارع معلناً أنه سيمارس عادته القديمة بتعليق كل من يروج ل17 فبراير على أعواد المشانق .

كان الموقف جلل واتخاذ القرار والموقف صعب جدا .فتكلفة كل موقف باهظة قد يدفع الشخص ثمنها حياته . والتاريخ يتأهب ليسجل والصفحات بنوعيها مبسوطة البيضاء والسوداء . والمدادان جاهزان : مداد الفخار ومداد العار . والجلاد يلوح بسيفه لقطع كل رقبة تتطاول عليه وتنحاز لغضبة الشعب .

حينها تماماً كان ثمة رجال ونساء على موعد مع التاريخ في صفحاته الناصعة . فلم يخشوا الجلاد ولم يخشوا غضبته وهم يعرفونها جيدا ولم يخافوا انتقامه الشرس .ولم يترددوا لحظة في تأييد غضبة شعبهم والالتحام بالجموع ليس هذا فحسب بل تصدر المشهد كله ليرصدهم النظام واحداً ويبدأ في تهديدهم دون مواربة وتوعدهم بالويل والثبور .

لم يأبهوا لهذا فقد سرت إلى أجسادهم روح الثورة وفاضت نفوسهم بصلابة الحق وتوهجت أرواحهم بنور الحرية العظيم .. كان لابد من العودة إلى أصل الحكاية كان من العودة لمصافحة أرواح الشهداء والتذكير ببطولاتهم و إعلاء تضحياتهم .

كان لا بد من العودة للذكير بالرجال الذين تسابقوا تاركين عائلاتهم وانشغالاتهم و برامجهم ونشاطاتهم و حياتهم المستقرة ليضحوا بكل هذا ويعلنوا أنهم مع ثورة الشعب ولو كلفهم هذا الموقف حياتهم .. لماذا نذكر بهذه المواقف وبهؤلاء الرجال . نذكر لأن الذي يحدث اليوم أمر جلل .

أمر فيه نكران وجحود وفيه تنكب عن الحق وانحراف عن الصدق . فبدلاً من أن يتم تكريم كل من وضع روحه على كفه دون أن ينتظر مكافآة أو منصباً أو دعاية إنما الذي كان ينتظره أحد أمرين: إما انتصار إرادة الشعب . و إما الانتقام منه كونه من البارزين الشاخصين وأعواد المشانق في انتظاره.فبدلا ً من أن يتم تكريم هؤلاء بدأت السهام المسمومة تتوجه إلى صدورهم وبدأت المؤامرات تحاك ضدهم وبدأ الإقصاء يمارس عليهم .

استعرت حملات التشهير حيالهم .خاصة أولئك الذين تنادوا بعفوية ووطنية وقاموا بتشكيل المجلس الانتقالي وكذلك الشباب الذين التحموا بالثورة منذ أيامها الأولى غير آبهين بتهديد أو وعيد وشكلوا وهجها وألقها. ولا نريد أن نذكر بالأسماء جميع هؤلاء الرجال فربما تخوننا الذاكرة وننسى أحدهم فنغمطه حقه .

سنعبر من هذه التوطئة للحديث عن أحد رجال تلك المرحلة الفارقة في تاريخ ليبيا ونعني الأستاذ مصطفى المانع الذي كان شعلة نشاط وتوهج في جنبات المحكمة في بنغازي في الأيام والأشهر الأولى للثورة.

يقدم كل مافي وسعه من جهد وعون ونصح ومشورة بابتسامته المعروفة ووجهه البشوش . يمتص كل ردات الفعل القاسية نتيجة الظروف المعقدة . فكان البلسم الشافي و النسيم العاطر الذي يسري بيننا كأعضاء للمجلس الانتقالي و في جميع الأماكن التي يوجد بها هذا السيد الأنيق المحترم صاحب الأدب الجم .

قام مصطفى المانع بأعمال جليلة سيحسبها له التاريخ الناصع إنه لم يقصد بها جاها ً ولا مالاً إنما كان غايته السامية أن تنجح ثورة الشعب وتنتزع الحرية و تنطلق ليبيا نحو البناء والتقدم .

أنا كعضو للمجلس الانتقالي أسجل شهادتي في هذا الرجل الذي شُرفت بالعمل معه عن قرب في مواقف كبيرة برزت فيها حكمته وحنكته . ولا ننسى دوره في التوثيق الدقيق لتفاصيل تلك المرحلة التاريخية . كل ماذكرناه وأكثر منه لم نذكره من إيجابيات ذلك الرجل حجة القانون وقطب الثقافة. الخلوق المتفاني في عمله كان يؤهله للتكريم وللتقدير و للإنصاف . .

للأسف لم يحدث شيء من هذا . الذي جرى عكس ذلك تماماً فطال التشهير المدفوع بالحقد الأعمى السيد المانع و أصابه الظلم والتشويه ونال منه الإقصاء وترصدته البغضاء .

ما حدث للسيد مصطفى المانع حدث جلل أعضاء المجلس الانتقالي وجل الذين التحموا بثورة الشعب و كأنهم ارتكبوا جرماً فوجب الانتقام منهم و إقصائهم و إبعادهم عن أية مناصب . بينما الذين ترددوا والذين انحازوا لمعسكر نظام القذافي ووقفوا ضد إرادة شعبهم نراهم اليوم يتبوؤون أعلى المناصب في الدولة وكأنهم يقدرونهم ويعتذرون منهم عن ثورة الشعب.

إنه لأمر محزن جدا أن يعامل هكذا رجال لبوا نداء الوطن والتحموا بشعبهم لم يطلبوا مالا بل على العكس تركوا العواصم الهانئة التي اعتادوا العيش الرغيد فيها تركوا عائلاتهم وأعمالهم و أنفقوا من أموالهم على متطلبات الحراك الشعبي الهائل آنذاك..ليكون الجحود في انتظارهم بعد أن انتصرت الثورة واندحر النظام. .

من المجحف أن يحرم رموز ثورة فبراير من دخول بنغازي مهد الثورة وأن يتم التشهير بهم وتحريف سيرتهم وتلفيق التهم لهم . إن بلدا يظلم فيها أمثال الاستاذ عبدالحفيط غوقه والأساتذة فتحي تربل وناصر بالنور والمهدي كشبور ومصطفى الساقزلي ومصطفى المانع وزياد بلعم ويظلم فيه الشباب الذين أشعلوا فتيل الثورة لا نستغرب أن يجرم ذات يوم التضحيات الجسيمة التي قدمها الرجال على الأرض والنسور في الجو خلال أحداث 17 فبراير .

لن ينهض هذا البلد نهضة حقيقية ولن يتصالح مع نفسه حتى ينصف أبناءه الشجعان وشبابه الفرسان . هكذا تبنى الأوطان بإنصاف الشرفاء الوطنيين الحقيقيين الذين زهدوا في كل شيء حتى في أرواحهم من أجل رفعة وحرية وطنهم .

من المعيب أن يتنكر الشعب الليبي لوجدانه و أن يتنصل من واحدة من أكبر ملاحم نضاله.من المخجل أن يشطب الليبيون من ذاكرتهم أسماء مئات الشهداء الذين كانت تترصع بهم جدران المحكمة.

من المخجل ألا نحتفي ببطولة الشهيد الإعلامي محمد نبوس وألا نكرم أسرة الفنان التشكيلي الصغير قيس. من العيب والجحود ألا نحتفي بتضحيات نسور الجو فخري الصلابي والمهدي السمين والعقيلي.

والشهيدة صبرية ساسي وشهداء طرابلس جميعا وشهداء الزاوية وشهداء مصراتة وشهداء زنتان وشهداء الجبل الغربي وشهداء البيضاء وشهداء الثورة جميعا.

إن الدول التي يشح فيه الرموز تخترع رموزا وتضخم الأفعال العادية ونحن في ليبيا نصغر تضحياتنا الجسام وننكرها ونتبرأ منها.ونزيح رموزها الشباب من المشهد ونتنصل منهم.

على الشعب الليبي أن يصحح مساره و يتصالح مع وجدانه ويعتز بثورته وبتضحياتها ولا يردد ترهات أعدائها.

و أن يخلّد رموزها ويطلق أسماءهم على ميادين وشوارع وساحات. ويكرم أسرهم ويعلي شأنهم ويتيح لهم امتيازات تليق ببطولاتهم العظيمة.

في الوقت نفسه يحتفى بالشباب الذين تصدروا مقدمة الثورة وهي نار ولظى وليست مناصب ومكاسب بل مخاطر جسيمة، فليس من العدل ولا المنطق أن تسدى المناصب وتتاح لمن كانوا في الجانب المضاد لانتفاضة الناس بينما من حملوا أرواحهم على أكفهم في طي النسيان، ليس بالجحود تبنى الأوطان.

***

عبدالرزاق مختار ـ سفير ليبيا في تركيا وعضو المجلس الوطني الانتقالي السابق

____________
المصدر: الفيسبوك