Minbar Libya

بقلم أسامة عكنان

إن الاعتراف بالهوية الثقافية لأيِّ إقليم هو اعتراف ضمني بحقوق سياسية مرتقبة له حتى وإن تغاضينا عنها في مرحلة معينة لأسباب .معينة

الجزء الأول

الملخص:

إذا أردت أن تشلَّ شعبا ما فتحول بينه وبين التقدم، بل بينه وبين التماسك والوقوف على أرضٍ صلبة من حيث المبدأ، أغرقه في جدل الهويات، وعُد به إلى أساطير قداستها وعراقتها وتميزها واختلافها، وأغرق المتجادلين حول هوياتهم في التنقيب في الماضي عما يُشَرْعِنون به تلك الأساطير.

فعندما يكون الوطن هو الهوية، فالأمر آمن، والتماسك قائم، أما إذا أردت أن تزعزع هذا الأمان وذلك التماسك، فاجعل الوطن هويات متناحرة، واجعل تلك الهويات تبحث لنفسها عن أوطان، عندئذ يتشضّى  الوطن ويقتتل الناس لأجل هذه البدعة الهوية“.

المقدمة:

من المفارقات العجيبة في ما عرف بالربيع العربي أن كل من انتفضوا ضد الأنظمة الاستبدادية الفاسدة، جاعلين من محاربة الاستبداد دَيْدَنَهم، ومن دَمَقْرَطَة بلدانهم غايتَهم، تحولوا جميعا، إلا في القليل النادر ، إلى دعاة تقسيم للأوطان على خلفية تناحر الهويات الفرعية التي راحت تتوالد متجاوزة الهوية الأم، وهي الهويات التي راح التمسك بها والدفاع عنها أغلى من التمسك بالوحدة وأهم من الدفاع عن الأوطان ذاتها.

هذا ما حدث في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، حيث أطلت كلُّ الهويات الفرعية المُدَمِّرَة برؤوسها على أشلاء الهوية العراقية الجامعة التي مزَّقها الاحتلال وقطَّعَت أوصالَها أدواتُه، وهذا ما حدث في سوريا التي غدت أقاليمها شبه المستقلة بعدد أديانها ومذاهبها وإثنياتها.. إلخ، وهو ما يحدث في اليمن، وهو ما يحدث حتى في مصر التي كانت تبدو دائما عصية على جدل الهويات.

1/ جدل الهويات في ليبيا وخطره على وحدة الكياني السياسي الليبي:

لا بل إن ليبيا ليست حالة مختلفة في هذا الشأن، لأن هذا ما حدث ويحدث فيها منذ سقوط نظام القذافي، عندمانشأ في هذا البلد المنهك أخطر ما يمكن أن تتعرض له البلدان في العالم، وهو اضطراب الهوية الوطنية والعودة بها إلى الأصول البدائية المتخلِّفَة قبليةً كانت أو عرقية، ما دام الدين والمذهب لا يؤسِّسان فيها لتناحر هوياتي بسبب وحدة الدين الذي هو الإسلام، ووحدة المذهب الذي هو المذهب المالكي.

وقد اضطربت الهوية الوطنية الليبية وارتدت كل منطقة أو كل قبيلة في ليبيا إلى ذاتها الاجتماعية تدعم وتُنّمي كيانَها القبلي والاجتماعي بمعزل تام عن الهوية الوطنية الجامعة،وأصبحت ليبيا في عمقها الاجتماعي قبائل ومناطق منعزلة بذاتها بعضها عن البعض الآخر، وليست دولة هي ليبيايقيم عليها شعب متماسك الهوية هو الشعب الليبي“.

 ولان كل منطقة وقبيلة ضعيفة أو متوجِّسَة أصبحت تشعر بالتهديد على كيانها الاجتماعي الجديد الناشئ في قلب التوالُد الأميبي للهويات الفرعية المدمرة للهوية الجامعة، فقد لجأت بعض القبائل الى الأسوأ للحفاظ على كياناتها القبلية، وذلك عبر ممارسات راحت تشكل خطرا داهما على الهوية الوطنية الليبية الجامعة.

ففي الجنوب الليبي لجأ تبوليبيا إلى امتداداتهم القبلية باستدعاء بعض تبودولتي تشاد والنيجر لدعم وجودهم في جانبه الديموغرافي الذي يقوي البعد الهوياتي الجديد.

ولجأت قبيلة أولاد سليمانالى امتداداتها القبلية باستدعاء أبناء العمومة من دولتي تشاد والنيجر أيضا لدعم وجودها، كما لجأ طوارق ليبيا إلى امتداداتهم القبلية باستدعاء طوارق مالي والنيجر وجنوب صحراء الجزائر، ولجأ أمازيغ الجبلوزوارةالى امتداداتهم القبلية في دول المغرب العربي وبالتحديد في المغرب الأقصىللاستعانة بهم ثقافيا في تعليم الأمازيغية وفي إقرار مناهجها في ليبيا.

ولجأ أحد شيوخ أولاد عليمن مناصري الحكم الفيدرالي في إجدابيامن الجضرانوجماعته إلى التهديد باستدعاء أولاد عليالمتوطنين في مصر إلى ليبيا لمناصرة دعاة الحكم الفيدرالي.

وليس هناك ما هو أشد خطرا، وأوقع تأثيرا على وحدة وتماسك الهوية الجامعة للشعب الليبي، من هذا اللجوء إلى الامتدادات الهوياتية الفرعية الخارجية وذات الطبيعة العرقية والاثنية والقبلية لتقوية برنامج سياسي ارتبط بالمكون الهوياتي الفرعي وأصبح جزءا لا يتجزأ من عناصره ومكوناته، لا بل ومن سيرورته أيضا.

إن الاعتراف بالخصوصية الثقافية في هذا الجانب أو في ذاك، لا يستدعي حتما الإقرار بالهوية الثقافية المستقلة القائمة فعليا لمن نعترف بخصوصيته تلك على نحو يستدعي تجسيدا سياسا وقانونيا لها، وإلا لأمكن اعتبار أن كل مدينة لها أعرافها الخاصة وتقاليدها المختلفة عن غيرها في الزواج وفي الأعياد وفي الطقوس والمناسبات الدينية.. إلخ، من حقها اعتبار نفسها تملك هوية ثقافية مستقلة ذات خصوصية ثقافية تستدعي حقوقا سياسية وقانونية، وهذا خلاف المنطق، بل خلاف النهج العام للتقدم الإنساني في العالم.

وفي هذا السياق هناك محاولات غير بريئة لعزل الجنوب الليبي عن باقي ليبيا عبر العمل الحثيث على استيلاد هوية ثقافية متميزة ومختلفة لهذا الإقليم الواسع من الدولة الليبية.

ولأن الجنوب الليبي عامة يعتبر هو الخزان التاريخي الحضاري لهذا الكيان السياسي الثقافي المُسَمى ليبيا، فقد كان من الضروري التفريق بين حقوق الهوية الجامعة، وحقوق الهويات الفرعية، بين ثقافة الهوية الجامعة التي ترتبط بالمكونات القانونية والسياسية للدولة، وثقافات الهويات الفرعية التي لا تخرج عن إطار كونها عادات وتقاليد لا تمنح خصوصية ثقافية تصل إلى حدِّ وصفها بأنها هوية ثقافيةمستقلة، تستدعي حقوقا سياسية وقانونية

إن جنوب ليبيا لصيق منذ القدم بفكرة الكيان الليبي.

إنه في الأصل مصدر الحضارة الليبية القديمة المعروفة بالحضارة الجرمنتيةالكبرى أو مملكة غارامانتسالتي اعتبرها البروفيسور ديفيد جي ماتنجليأستاذ الآثار بجامعة ليسترالبريطانية أول حضارة متقدمة ومزدهرة في ليبيا، ومستقلة عن الحضارات السائدة في منطقة حوض البحر المتوسط، وأول دولة كبرى في الصحراء الوسطى، وقد امتد تأثيرها الحضاري في مختلف أنحاء الصحراء واسعة المساحة.

أحفاد أسلاف تلك المملكة المفقودة لا يزالون موجودين في الجنوب الليبي اليوم، ولم تنقرض لغتهم القديمة من لسانهم، مثل قبائل الطوارقوالتبووهم يتعايشون مع القبائل العربية القادمة من الشمال. 

ولأن الجنوب الليبي إقليم صحراوي قاحل يضم منخفضات كبرى وواحات عديدة، فقد ظل معزولا عن مركز السلطة أو بتعبير أدق عن مركز الدولة في الشمال، إلا من حيث هو ممر تجاري للقوافل بين الشمال والصحراء الكبرى من جهة، ومن حيث هو ممر للثقافات العربية/الإسلامية/الأفريقية  من جهة أخرى.

في هذا السياق يمكننا ذكر صحراء مرزقالتي كانت عبر التاريخ نقطة التقاء وترابط بين ثقافة الأمازيغ والعرب في الشمال، وثقافة الطوارق والأفارقة في الجنوب، ومن هذا التلاقح الحضاري تتشكل اليوم مكونات الهوية الثقافية الوطنية للشعب الليبي بأكمله.

….

البقية في الجزء الثاني

*** 

أسامة عكنان باحث أردني

__________________