Minbar Libya

بقلم أسامة عكنان

إن الاعتراف بالهوية الثقافية لأيِّ إقليم هو اعتراف ضمني بحقوق    سياسية مرتقبة له حتى وإن تغاضينا عنها في مرحلة معينة لأسباب .معينة

الجزء الثاني

البنية القبائلية الليبية

وإذا انتقلنا إلى البنية القبائلية الليبية فإننا نجد أن القبائل الكبرى التي يتكون منها الشعب الليبي هي في معظمها بالأساس من شبه الجزيرة العربية، ومن الأمازيغ بنسبة أقل. وتشير العديد من المصادر إلى أن أكبر 6 قبائل في ليبيا: هي:

أولا: “الورفلة، وينتمي إليها سدس السكان، وتنتشر في أغلب التراب الليبي، خصوصا في منطقة فزان، وبنغازي وسرت

ثانيا: “القذاذفة، ويتمركزون وسط ليبيا، في سبها وسرت.

ثالثا: “ترهونة، وتنتمي إليها أغلب القبائل الفرعية، والتي قد تصل حسب مختصين إلى أكثر من 60 قبيلة. يشكل أبناؤها حوالي ثلث سكان العاصمة طرابلس.

رابعا: “المقارحة، وهي من أقدم القبائل الليبية التي أتت مهاجرة من شبه الجزيرة العربية منذ سنة 1051 ميلادي.

خامسا: “زناتة، وتنتشر في مختلف الدول المغاربية، وهي أكبر القبائل الأمازيغية في ليبيا، لكن مركز تواجدها الجغرافي في مدينة الزنتان بمنطقة الجبل الغربي.

سادسا: “الطوارق، وهي قبيلة أمازيغية تتمركز بالصحراء الكبرى وتتوزع بين عدة دول من الساحل الأفريقي. مركزها مدينة غاتبأقصى الجنوب الليبي. وبإجراء قراءة أنثروبولوجية في التركيبة القبائلية للجنوب الليبي، نجد أنه من الصعب فصله عن الشمال الليبي، إذ أن معظم القبائل تنتشر في الجنوب وفي الشمال على حدٍّ سواء، وعلى نحو يستحيل معه ربط الجغرافيا الأرض، بالديموغرافيا في مكونها العرقي القبلي السكان، على نحوٍ فيه تطابقٌ معبِّر ودال سياسيا. وبالتالي فنحن أمام حالة من عدم التطابق الديموغرافي الجغرافي ذي التجَسُّدات السياسية الحقيقية.

فإن نحن قلنا إن سكانَ الجنوب هم من القبائل الفلانية كي نَسِمَهم بخصوصية عرقية تؤسِّس لخصوصية سياسية قانونية، فإننا لا نستطيع ذلك، لأن نفس تلك القبائل موجودة وبكثرة في الشمال وفي الوسط.

وبالتالي فنحن إزاء الحديث عن هوية ثقافية للجنوب الليبي، أمام محاولة تعسُّفِيَّة مريبة وغير بريئة تستهدف استيلاد كيان ثقافي هوياتي مصطنع هدفه أن يستدعيَ حالةً سياسية قائمة بذاتها، للتأسيس والتأصيل لتعدُّدِيَّة سياسية تتجاوز حدود مفهوم التشاركية في التعدديَّة السياسية في قلب وحدة الهوية والدولة، إلى أن تصل إلى مستوى كونها هي والتقسيم السياسي للدولة إلى عديد الدُّول سيان، في حين أن الحديث عن مكونات ثقافية ضمن الكل الثقافي الليبي ذي القواسم المشتركة التي تحكنهما الهوية الليبية الجامعة، هو الأصح والأصوب.

خلاصة القول إذن، أن العناصر الثقافية للجنوب الليبي، لا يمكنها أن تشكل هوية ثقافية معزولة عن الهوية الثقافية للشعب الليبي، والتي هي ذلك التركيب التاريخي المنصهِر في العروبةوالإسلاموالأمازيغيةوالإفريقية“.

2/ الحالات الثقافية الخاصة في مُكَوِّنات الهوية الثقافية الليبية:

في هذا السياق، وبناء على ما يستدعيه النَّسَق الهوياتي، أو نسق جدل الهوياتفي ليبيا ما بعد انتفاضة فبراير، فإننا استقرأنا حالتين تعتبران من المكونات الأساس المُؤَصِّلَة لجدل الهويات في ليبيا، وهما حالة الثقافة الأمازيغية، وحالة البُنية القبلية“.

بحيث وجدنا أن التعاطي معهما يتجاوز حدود التحليل السابق الذي أوضحنا بموجبه الفرق بين المُكَوِّن الثقافيالذي يمكن الاعتراف بتعدُّدِه وتنوعه الإثرائي للهوية الثقافية الليبية الواحدة، دون أن تترتب عليه حقوق ذات مُسَوِّغات وتبريرات سياسية قانونية، والهوية الثقافيةالتي تعتبر واحدة وأصيلة في ليبيا، يقوم عليها الكيان السياسي القانوني الليبي الواحد أصلا ومن حيث المبدأ.

لذلك فإننا لن نختم هذا التحليل الهوياتي قبل أن نعرض إلى توصيف التأصيلات المنطقية لكل من حالة الثقافة الأمازيغية، والبُنْيَة القبليةفي مجموع مكونات وعناصر الهوية الثقافة الليبية، كي تبقى آليات التعاطي مع هاتين الحالتين قائمة في قلب اعتبار حيثياتهما مجرد مكونات تنتمي لمشروع الهوية الليبية الواحدة.

أ – الثقافة الأمازيغية تئن تحت وطأة عدم حسم جدل الهوية في أوساط الأمازيغ أنفسهم

تحاول الأقلية الأمازيغية في ليبيا منذ عقود أن تثبت ما تعتبرها حقوقها الثقافية، إلا أن النظام السابق كان يرفض على الدوام الاستجابة لمطالب هذه الأقلية، وعملَ على إدماجهم قسرا مع المُكونات المجتمعية الأخرى.

من هنا يعتبر بعض نشطاء أمازيغ ليبيا أن الوقت قد حان بعد ثورة 17 فبراير 2011 للحديث الصريح عن حقوقهم تلك.

في هذا السياق قال نشطاء من مدينة زوارةذات الغالبية الأمازيغية:”إن الصراع مع القذافي لم يكن ذا طابع عرقي لأنه لم يكن في صراع مع الأمازيغ وحدهم فقط بل مع كل الليبيين“.

 ولكن السؤال الذي يطرح نفسه دائما في موضوع الثقافة الأمازيغية في المغرب العربي عامة هو: “هل حسم الأمازيغ جدلية هويتهم، وغدا الأمر مقتصرا الآن على كيفية تحصيل هذه الهوية لحقوفها الثقافية؟“.

هنا بيت القصيد ومكمن القضية، إذ ما تزال الهوية الأمازيغيةحتى عند من يعتبرون أنفسهم أمازيغ مثار جدل واسع، ومحل أخذ ورد.

فبالإضافة إلى وجود فئات أمازيغية تعتبر نفسها مُكَوِّنا مختلفا عن المكون العربي عرقيا وثقافيا، فإن فئات أمازيغية أخرى ما تزال تعتبر أن العلاقة الحقيقية بين الأمازيغيةوالعروبةتجد حلولها في تلك الموجة القديمة من الهجرات السامية التي غادرت الجزيرة العربية باتجاه الشمال الإفريقي، والتي بتفاعلها مع المُكوِّن الذي كان مقيما هناك تشكَّل الأمازيغ.  ولعل هذه الجذور العربية الضاربة في القدم للأمازيغ هي التي تفسِّر سرَّ تحول الشمال الإفريقي كاملا إلى العربية والعروبة بدون أيِّ ضغوطات أو إكراهات، في حين لم يحصل في آسيا غير العربية.

وهو ما يعتبره الكثيرون من قُراَّءِ التاريخ راجعا إلى أن سكان الشمال الإفريقي استعادوا واستظهروا بالفتح العربي الإسلامي عروبتهم القديمة الكامنة، بينما مسلمو آسيا لم يحصل لهم ذلك، لأن جذورهم ليست عربية أصلا، وبقوا فرساوأورداوهنوداوأتراكاوبشتونا“.. إلخ.

وإذن فإن المعضلة ما تزال قائمة في صلب الجدل الأمازيغي – الأمازيغيحول الهوية، وهو الأمر الذي يجعل مسألة الثقافة الأمازيغية والخصوصية الأمازيغية مرشحة للبقاء معلَّقة إلى أن تُحسمَ مسألة الهوية داخل النخب الأمازيغية ذاتها.   

ب – أهمية ومركزية البُنْيَة القبلية في التكوين الثقافي للشعب الليبي:

تعد البنية القبلية للمجتمع الليبي من أبرز العوامل التي أثرت في تشكيل الحياة السياسية في ليبيا على مر تاريخها .

وفى ظل غياب القانون والدستور قامت القبائل بتكوين الأعراف الاجتماعية لتسيير كافة أوجه الحياة في ما عرف بـدربة أولاد علي،أو بالأحرى شريعة الصحراء، وهذا العُرف أو الدربةأصبح بمثابة قانون للعقوبات مستندا سميا وجزئياً إلى الشريعة الإسلامية، ويتكون من 67 مادة تحدد أنماط العلاقات بين أعضاء القبيلة/القبائل، وأنواع الاعتداءات والعقوبات التقليدية التي توقع على من يرتكبها.

والتزمت جميع القبائل التي تدور في فلكأولاد عليبهذا القانون القبلي، وأصبحت الدربةبمثابة صمام الأمن والأمان بين أبناء القبائل في المنطقة المذكورة، تقضي بينهم في كل مشاكلهم وأحوالهم المدنية والشخصية من الجنح إلى الجنايات.

لا بل إن حضور القبيلة بشكل طاغٍ تجلى أكثر ما تجلى في العمليات الانتخابية بعد إسقاط نظام القذافي، إذ بدا واضحا أن القبلية لا تزال المحور الرئيس الذي يشكل اتجاهات الناخبين والأحزاب السياسية.

فقد اعترضت بعض القبائل على القانون الانتخابي لا لشيء إلا لأنها تراه يضعف من حصصها القبلية الخاصة بتوزيع مقاعد المجلس الوطني، بعد أن تم تحديدها بحسب النطاق الجغرافي والحجم السكاني.

خاتمة:

لقد كنا في هذا التحليل حريصين على عدم الانسياق وراء ظاهرة تقسيم ثقافة الليبيين المتباينة العناصر إلى هويات ثقافية، كي لا نسهم عن طريق الخطأ المنهجي في الاعتراف بتعدد البُنى السياسية لهذا الكيان، لأن الاعتراف بالهوية الثقافية لأيِّ إقليم هو اعتراف ضمني بحقوق سياسية مرتقبة له حتى وإن تغاضينا عنها في مرحلة معينة لأسباب معينة.

فليبيا لها هوية ثقافية واحدة، هي ذلك التركيب المنصهر الذي أشرنا إليه، أما كيف تتجسَّد هذه الهوية الثقافية من مكان لآخر، ومن إقليم لآخر في الجغرافيا الليبية، فإن هذا لا يسمى هوية ثقافية، وإنما يسمى عناصر ومكونات ثقافيةمتنوعة ومتباينة من إقليم جغرافي لآخر، ومن مكون ديموغرافي لآخر، تُجَسِّد جميعُها بتنوعها وتباينها الهويةَ الثقافيةَ الليبية الأم، في الجغرافيا وعبر الديموغرافيا فقط لا غير، ولا يخرج عن هذا كلٌّ من المُكَوِّن الثقافي الأمازيغي، والمكون الثقافي للبُنْيَة القبليةللشعب الليبي.

*** 

أسامة عكنان باحث أردني

__________________