Minbar Libya

بقلم علي‬ ‫بلعربي‬

تناولت هذه الدراسة دور الجزائر في تسوية الأزمة الداخلية في ليبيا من خلال دعم مقاربة المصالحة الوطنية كآلية لحل الأزمة التي تعيشها ليبيا، وذلك من خلال التشجيع على الحوار الوطني الشامل.

الجزء الأول

تطرقت هذه الدراسة إلى تبيان عوامل اهتمام الجزائر بتسوية الأزمات في أفريقيا بصفة عامة، بالإضافة إلى إبراز أهم أسس المقاربة الجزائرية في كل من ليبيا ومالي مع التطرق إلى أهم التحديات التي تواجهها هذه المقاربة.

توصلت الدراسة في الأخير إلى نتيجة أساسية وهي أن الجزائر نجحت إلى حد بعيد في توظيف مقاربة المصالحة الوطنية في تسوية أزمة مالي، ولا زالت تلعب دورا معتبرا في الدفع بجهود المصالحة الوطنية في ليبيا.

المقدمة:

كان للحراك الاجتماعي الذي مسّ منطقة الشمال الأفريقي سنة 2011 أثره البالغ في هز أمن واستقرار المنطقة ككل، حيث تسببت الثورة التي أطاحت بالقذافي في ليبيا إلى تزايد حدة التهديدات الأمنية على دول شمال أفريقيا ودول منطقة الساحل الأفريقي حلى حد سواء، خاصة على دولة مالي التي عاد اللاستقرار ليخيم على شمالها بعد حركة التمرد التي قادتها الحركة الوطنية لتحرير أزواد بداية سنة 2012، وهذا ما انعكس بدوره سلبا على الأمن القومي الجزائري حيث باتت الجزائر محاطة بدول غير مستقرة أمنيا.

وحرصا منها على إعادة الأمور إلى نصابها، بذلت الجزائر جهدا معتبرا في سبيل إيجاد تسوية نهائية لأزمتي ليبيا ومالي، سواء من خلال جهودها الفردية أو من خلال المشاركة في مبادرات إقليمية أو عالمية على غرار تلك التي يقوم بها الاتحاد الإفريقي أو هيئة الأمم المتحدة.

ومن خلال تجربتها الوطنية القائمة على المصالحة الوطنية في حل الأزمة الأمنية التي مرت بها لأزيد من العقد من الزمن، ترى الجزائر أن الحل في ليبيا ومالي لن يكون إلا عن طريق تبني مقاربة المصالحة الوطنية كحل لإنهاء الأزمة في الدولتين، وذلك بتشجيع أطراف النزاع للجلوس حول طاولة الحوار لتفادي الخلافات وإيجاد تسوية توافقية مرضية للجميع، فالحل السياسي والحوار والمصالحة الوطنية في حلول كفيلة لإيجاد تسوية للأزمة الداخلية التي تعيشها كل من ليبيا ومالي، وذلك وفقا للمقاربة الجزائرية.

وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها وما زالت تبذلها الجزائر من أجل إيجاد تسوية للأزمتين الليبية والمالية، إلا أن تعدد أطراف النزاع في كل الدولتين، مع زيادة التدخلات الخارجية فيهما باتت تشكل أهم التحديات التي تواجهها الجزائر لتحقيق مقاربة المصالحة الوطنية، وعلى هذا الأساس تحاول هذه الدراسة عن الإجابة عن الإشكالية التالية:

ما هي التحديات التي تواجه الجزائر في تجسيد مقاربة المصالحة الوطنية في كل من ليبيا ومالي؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية تحاول هذه الدراسة التحقق من الفرضيات التالية:

ـ ضعف السلطة المركزية في كل من ليبيا ومالي يشكل عائقا أمام تحقيق المصالحة الوطنية في كلا الدولتين.

ـ تعدد أطراف النزاع في كل من ليبيا ومالي شكل تحديا أمام تجسيد مقاربة المصالحة الوطنية في الدولتين.

ـ التدخلات الخارجية في ازمتي ليبيا ومالي أعاقت تحقيق مقاربة المصالحة الوطنية لحل الأزمتين.

أما عن المناهج المستخدمة في هذه الدراسة فتمثلت أساسا في المنهج التاريخي من خلال تتبع مراحل تطور الأزمة في كل من ليبيا ومالي، ومنهج دراسة الحالة كون الدراسة تتناول الأزمتين الليبية والمالية كدراسة حالة.

وللإلمام بجميع جوانب الإشكالية والفرضيات المرتبطة بها تم تقسيم الدراسة إلى خمس محاور وهي كالتالي:

المحور الأول: مفهوم المصالحة الوطنية

المصالحة في معناها الشامل تتضمن مجموعة من الإجراءات المتعلقة يخلق الشروط الضرورية لتحقيق السلام المستدام في المجتمعات محل الصراع، وتحديد ودعم الهياكل التي تسهم في تقوية وترسيخ السلم من أجل تجنب الرجوع إلى حالة الصراع“.

كما تعرف المصالحة على أنها: “عملية للتوافق الوطني تنشا على أساسها علاقة بين الأطراف السياسية والمجتمعية قائمة على التسامح والعدل وإزالة أثار صراعات الماضي لتحقيق التعايس السلمي بين أطياف المجتمع كافة بما يضمن الانتقال الصحيح للديمقراطية، من خلال آليات محددة، ووفق مجموعة من الإجراءات“.

تقوم المصالحة الوطنية على محورين أساسيين:

الأول ـ تغير العلاقات بين الخصوم السابقين بهدف الوصول إلى قدر من التعايش المشترك بينهما.

الثاني ـ إقامة نوع جديد من العلاقة بين المواطنين والحكومة تقوم على أساس سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

مما سبق يتضح أن المصالحة الوطنية هي آلية لتسوية الأزمات من خلال تحقيق التوافق بين الفرقاء، سواء على المستوى السياسي أو المجتمعي بغية الوصول إلى نوع من التعايش السلمي الذي يخدم الجميع وذلك في ظل سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، وتجدر الإشارة إلى أنه ليس هناك معايير محددة سلفا لتحقيق المصالحة، فنجد أن هذه الإجراءات تخطع لطبيعة المجتمعات وطبيعة الصراعات فليس كل إجراء نجح في مجتمع ما بالضرورة ينجح في مجتمع آخر، ولهذا يبقى الحوار وحده الكفيل بتحديد هذه الإجراءات للوصول إلى المصالحة.

المحور الثاني: عوامل اهتمام الجزائر بتسوية الأزمات الإفريقية:

إن الجزائر وبحكم موقعها الجغرافي وتاريخها وثقافتها تستمد جذورها من العمق الأفريقي، وهذا ما جعلها تدرك تمام الإدراك ضرورة تقاسم نفس المصير مع كافة الدول الأفريقية، وبصفتها عضوا نشيطا وفعالا في الإتحاد الإفريقي وقبله ضمن منظمة الوحدة الإفريقية، عكفت الجزائر على توحيد الجبهة الأفريقية وإيصال صوتها في العديد من المناسبات في المحافل الدولية إذ تدافع الجزائر وبقوة عن مصالح القارة الإفريقية“.

ونظرا لتشبت الجزائر والتزامها بمبادئ السلم والأمن في أفريقيا وجعلها من أهم أولوياتها الإقليمية، دعت الجزائر الدول الإفريقية إلى العمل والسعي في سبيل التسوية النهائية لأزماتها ونزاعاتها والإلتفاف حول ديناميكية السلم طبقا لما جاءت به أهداف ومبادئ الوحدة الإفريقية سابقا، الاتحاد الإفريقي حاليا.

ويمكن إرجاع اهتمام الجزائر بتسوية الأزمات في القارة الإفريقية إلى جملة من العوامل التي هي في الحقيقة مبادئ أساسية في السياسة الخارجية الجزائرية والتي نذكر منها:

ـ سياسة التضامن التي تعتمدها الجزائر مع جيرانها في إطار سياسة حين الجوار الإيجابي.

ـ القرب الجغرافي والروابط التاريخية بين بلدان منطقة الساحل والصحراء.

ـ مبدا عدم التدخل العسكري وتشجيع الجزائر للحلول السياسية لحل الأزمات من خلال الحوار.

ـ انعدام الأمن في دولة من الدول هو تهديد للأمن في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل الإفريقي.

وانطلاقا من هذه المبادئ عملت الجزائر على تسوية أزمتي ليبيا ومالي من خلال الدفع بالجهود السياسية الرامية إلى تحقيق المصالحة الوطنية في كلا الدولتين، وهذا ما سنتطرق إليه بالتحليل في المحاور الثلاث التالية:

البقية في الجزء التالي بدءً بـ (المحور الثالث: طبيعة الأزمة في كل من ليبيا )

***

د. على بالعربي ـ استاذ محاضر ـ كلية الحقوق والعلوم السياسية ـ جامعة عبدالحميد بن باديس ـ مستغانم ـ الجزائر

______________

المصدر: مجلة العلوم السياسية والقانون ـ العدد 14 مارس 2019 ـ المجلد الثالث

المركز الديمقراطي العربي ـ برلين ـ ألمانيا