Minbar Libya

بقلم علي‬ ‫بلعربي‬

تناولت هذه الدراسة دور الجزائر في تسوية الأزمة الداخلية في كل من ليبيا ومالي من خلال دعم مقاربة المصالحة الوطنية كآلية لحل الأزمة التي تعيشها الدولتان، وذلك من خلال التشجيع على الحوار الوطني الشامل.

الجزء الثاني

لخصوصية وأهمية دور الجزائر في حلحلة الأزمة الليبية لقراء المنبر، رأينا أن نركز على أجزاء الدراسة المتعلقة بالأزمة الليبية ضمن المحاور التالية:

المحور الثالث: طبيعة الأزمة وتطوراتها في ليبيا

قبل انطلاق الثورة الليبية استدعى الليبيون ذكرى الاحتجاجات التي وقعت في 17 فبراير 2006 أمام القنصلية الإيطالية في بنغازي تنديدا بالصور الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

هذه الاحتجاجات التي راح ضحيتها 10 قتلى واعتقل فيها 15 شخصا، فاستبق النظام هذا الحدث يوم 15 فبراير 2011 باعتقال محامي أسر ضحايا مجزرة أبوسليم الذين اعتادوا الاعتصام بين الحين والآخر، فخرجت مظاهرات عفوية في بنغازي تطالب بالإفراج عن المحامي فقابلها النظام بقمع شديد تسبب في مقتل عدد من المتظاهرين، وبذلك كانت بداية الثورة، وخلال خمسة أيام انهارت قوات النظام في بنغازي وأصبحت في قبضة الثوار وبعدها انتقلت المظاهرات إلى طرابلس وبقية المدن الليبية.

بعد تسعة أشهر من الثورة سقط النظام الليبي وذلك بمقتل القذافي في اكتوبر 2011، وهكذا تضافرت الجهود الداخلية مع التدخلات الخارجية خاصة قرار مجلس الأمن رقم 1373 الصادر بتاريخ 17 مارس 2011، لتسقط نظاما حكم لاكثرمن أربع عقود من الزمن.

لكن الأزمة الليبية لم تنته بمقتل القذافي وسقوط نظامه بل كانت بدايتها الحقيقية من هذا الحدث حيث باتت الأزمة أكثر تعقيدا بعد أن أصبحت الفوضى واللااستقرار والانقسام المؤسساتي والمجتمعي من أهم مميزات ليبيا ما بعد القذافي.

فعلى المشهد السياسي بات الانقسام المؤسسات أهم مميزات الساحة السياسية الليبية، فبعدما أقرت الدائرة الدستورية في المحكمة العليا عدم شرعية إقالة حكومة عبدالله الثني من طرق المؤتمر الوطني العام وإرجاعه إلى منصبه، دخلت الأزمة الليبية منعرجا خطيرا بعدما تقرر نقل مقر البرلمان إلى مدينة طبرق شرق البلاد بدعوى إتمام إجراءات استلام وتسليم السلطة وفقا لقرار المحكمة العليا، وهنا ظهر اللواء خليفة حفتر إلى الواجهة والذي شكل الجيش الليبي الموالي لحكومة طبرق التي نالت اعترافا دوليا وإقليميا.

وعلى أثر ذلك، رفعت دعوى قضائية إلى المحكمة العليا تطعن في صحة إجراءات نقل السلطة إلى طبرق، وجاء قرار المحكمة العليا في نوفمبر 2014 يقضي بعدم صحة هذه الإجراءات، بل وعدم صحة إجراءات انتخاب البرلمان من أساسها، وبذلك أصبح البرلمان بحكم المنعدم وهو ما يعني إجراء انتخابات جديدة.

وفي خطوة سياسية أقر المؤتمر الوطني العام في سبتمبر 2014 تشكيل حكومة الإنقاذ الوطني بقيادة عمر الحاسي في طرابلس مدعوما من رئاسة الأركان العامة بقيادة العميد عبدالسلام جاد الله العبيدي الذي تحت إمرته قوات الدروع.

بعد وصول مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا مارتن كوبلر الذي خلف برناردينيو ليون التي اتهم بولائه للواء حفتر، تم صياغة اتفاق الصخيرات في المغرب في 17 ديسمبر 2015، وتم فيه التوافق على تشكيل ثلاث هيئات: المجلس الرئاسي والحكومة والمجلس الأعلى للدولة، وتشكلت حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج في طرابلس بوصفه رئيسا للحكومة والمجلس الرئاسي في الوقت نفسه.

وهكذا بات المشهد السياسي منقسما، حكومة طبرق في الشرق بقيادة عبدالله الثني وحكومة الوفاق الوطني بطرابلس بقيادة فايز السراج ووراء كل حكومة مجموعة من الميليشيات المسلحة.

أما المشهد الأمني فهو الآخر بات أكثر تعقيدا، حيث لم يعمل القذافي على بناء جيش وطني قوي تسند له مهمة الحفاظ على الأمن في ليبيا، بل كان تركيزه منصبا على إنشاء كتائب أمنية متفوقة عسكريا على الجيش النظامي من حيث التعداد، والتسليح، والتجهيز والتدريب وذلك لحماية النظام.

ولكن هذا طرح تحديا أمنيا كبيرا في ليبيا ما بعد القذافي حيث انتشر السلاح وانتشرت المجالس العسكرية في كل المناطق الليبية في ظل عدم وجود بنية قيادية واضحة تنظم عمل هذه المجالس، وهذا ما أدى إلى الكثير من الفوضى،

كما أدى إلى انتشار السلاح إلى إعادة تسليح القبائل الليبية وسيادة روج الإنتقام بين هذه القبائل مما يعني زيادة الأعباء الأمنية على السلطات الليبية التي لم تستطع السيطرة على المليشيات والمجالس العسكرية، هذا ما سيؤجل تحقيق الاستقرار الداخلي في ليبيا,

وبات الصراع على السلطة أهم مميزات المشهد الأمني في ليبيا، بالإضافة إلى انتشار الجماعات الإرهابية والمتطرفة التي زادت الأمر تعقيدا في ليبيا.

أما المشهد المجتمعي فبات يعبر عن انقسام المجتمع الليبي في العمقإذ تم تصنيف مناطق وقبائل بأكملها تسمية ثوار أو أزلام، وفي حين يتم التعامل مع الثوار المنتصرين (الزنتان، مصراتة، ) بشرف وكرامة، ألصق العار والهزيمة والذنب بالأزلام وهم قبيلة ورفلة التي تدعم نظام القذافي.

من خلال ما تقدم، يظهر جليا عمق الأزمة التي تعاني منها ليبيا، فالإنقسام الهيكلي والمجتمعي بالإضافة إلى الإنفلات الأمني كلها عوامل عقدت الأزمة وأطالق في عمرها، وهذا كله في ظل انقسام إقليمي ودولي حول الأزمة الليبية.

البقية في الجزء التالي بدءً بـ (المحور الرابع: المقاربة الجزائرية لتسوية الأزمة الليبية .. توظيف مقاربة المصالحة الوطنية)

***

د. على بالعربي ـ استاذ محاضر ـ كلية الحقوق والعلوم السياسية ـ جامعة عبدالحميد بن باديس ـ مستغانم ـ الجزائر

______________

المصدر: مجلة العلوم السياسية والقانون ـ العدد 14 مارس 2019 ـ المجلد الثالث

المركز الديمقراطي العربي ـ برلين ـ ألمانيا