Minbar Libya

بقلم علي‬ ‫بلعربي‬

تناولت هذه الدراسة دور الجزائر في تسوية الأزمة الداخلية في كل من ليبيا ومالي من خلال دعم مقاربة المصالحة الوطنية كآلية لحل الأزمة التي تعيشها الدولتان، وذلك من خلال التشجيع على الحوار الوطني الشامل.

الجزء الثاني

المحور الرابع: المقاربة الجزائرية لتسوية الأزمة الليبية .. توظيف مقاربة المصالحة الوطنية

في ليبيا تسعى الجزائر إلى إيجاد حل سياسي يقوم على الحوار والشمولية ليكون حصنا منيعا ضد كل الجماعات الإرهابية وضد أي تدخل أجنبي آخر، وصولا إلى تعزيز مؤسسات الدولة وقدراتها على مراقبة الحدود. فالموقف الرسمي الجزائري من الأزمة الليبية ظل محايدا وجها لوجه مع الانتفاضة التي أطاحت بنظام القذافي، كما أن الجزائر عارضت تدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا سنة 2011.

بعد فشل الانتقال السياسي الليبي في يوليو 2014 وانقسام الحكومة إلى سلطتين متنافستين، دعت الجزائر من أجل المصالحة الوطنية من خلال عملية شاملة تجمع بين كل الفواعل الليبية بمافيهم الإسلاميين والقيادات السابقة في فترة القذافي باستثناء الإرهابيين وهي فئة في نظر الجزائر تشمل أي شخص رفض الإنخراط في العملية السياسية مثل أنصار الشريعة، تنظيم داعش الإرهابي والقاعدة.

ولهذه الغاية تسعى الجزائر من أجل الوصول إلى حل ديمقراطي في ليبيا يؤدي إلى الانتخابات ووضع دستور جديد للبلاد، وذلك من خلال العمل وبشكل وثيق مع الممثل الخاص ورئيس بعثة الأمم المتحدة في ليبيا سابقا السيد برناردو ليون، كما رحبت الجزائر بالمفاوضات بين الأحزاب السياسية الليبية تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة، وتعتبر الجزائر أن الحل السياسي للأزمة وعودة مؤسسات الدولة ليس فقط أولوية في حد ذاته، ولكن هو أمر ضروري للتصدي لانتشار الفكر الجهادي في ليبيا.

ودعما منها للحوار في ليبيا، احتضنت الجزائر الاجتماع الثاني للحوار بين قادة الأحزاب السياسية والنشطاء الليبيين في الفترة الممتدة من 13 و 14 أبريل 2015، حيث أدكت الجزائر في هذا الاجتماع من جديد على مقاربتها التي تعتمد الحل السياسي والحوار الشامل بين الأطراف الليبية لحل الأزمة في ليبيا.

وأشار الوزير المنتدب المكلف بالشؤون المغاربية والإفريقية آنذاك السيد عبدالقادرمساهل في الكلمة التي ألقاها في هذا الاجتماع أن عدو ليبيا ليس الفرد الليبي بل أن عدوها هو الإرهاب، هو عدم الاستقرار، وهو أيضا الفوضى، كل هذه المعضلات تستوجب التصدى لها بالوحدة والعزيمة، كما أكد الوزير أيضا بأن الجزائر تدعم الجهود الأممية لتحقيق الأمن والسلم والاستقرار في ليبيا بعيدا عن أي تدخل في شؤونها واحترام سيادتها ووحدة ترابها“.

ورفضا منها لأي تدخل خارجي في شؤون ليبيا، اعتمدت الجزائر في فبراير 2015 موقفا معارضا لدعوة مصر لرفع جزئي لحظر الأسلحة المفروض على ليبيا

والمعمول به منذ فبراير 2011، وذلك للسماح بالأسلحة للتحرك نحو برلمان طبرق الذي بدعم سياسي وعسكري من مصر، كما رفضت الجزائر أي تدخل عسكري جديد في ليبيا حتى وإن كان محدودا وهذا ما تروج له فرنسا وبعض حلفائها الأفارقة.

كما عبرت الجزائر عن رفضها لتدخل دولة الإمارات في شؤون ليبيا وذلك بدعمها هي الأخرى للفصائل الموالية لبرلمان طبرق، حيث صرح دبلوماسي جزائري رفيع المستوى قائلا: أتساءل كيف أن لدول مجلس التعاون الخليجي الرد إذ كان لنا أن نتدخل في اليمن، أتفهم مخاوف جيراننا، ولكن ليس تلك التي للآخرين …” وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على موقف الجزائر الثابت تجاه

الأزمة الليبية والذي تفضل فيه الجزائر الحل السياسي للأزمة بعيدا عن أي تدخلات أو إملاءات خارجية. وتعتبر الجزائر طرفا أساسيا في المبادرة التي طرحها الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي في يناير 2017 والتي أعلن عن خطوطها العريضة في 20 فبراير 2017، وللإشارة تضم هذه المبادرة إلى جانب تونس والجزائر دولة مصر التي تعتبر هي الأخرى من المفاتيح الأساسية للأزمة الليبية.

تقوم هذه المبادرة على دعم الحوار السياسي بين الأطراف الليبية من خلال:

ـ مواصلة السعي الحثيث لتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة في ليبيا دون إقصاء في إطار الحوار الليبي بمساندة الدول الثلاث وبرعاية

ـ التمسك بسيادة الدولة اللييبة ووحدتها الترابية وبالحل السياسي كمخرج وحيد للأزمة الليبية، على قاعدة الاتفاق السياسي الليبي الموقع بالصخيرات في 17 ديسمبر 2015 كإطار مرجعي والاتفاق على مساندة المقترحات التوافقية للأطراف الليبية قصد التوصل إلى صياغات تكميلية وإلى تعديلات يمكن من دفعها.

ـ رفض أي تدخل عسكري في ليبيا وأي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية لليبيا باعتبار التسوية لن تكون إلا بين الليبيين أنفسهم، والتأكيد على أن يشمل الحوار كافة الأطراف الليبية مهما كانت توجهاتها وانتماءاتها السياسية.

ـ العمل على ضمان وحدة المؤسسات المدنية الليبية بما فيها المجلس الرئاسي ومجلس النواب ومجلس الدولة والمؤسسات العسكرية (الجيش) للقيام بمهامه للحفاظ على الأمن.

وهكذا استطاعت تونس والجزائر من خلال هذه المبادرة تليين الموقف الرسمي المصري، بوصف مصر الداعم الأساسي والرئيسي لبرلمان طبرق وللواء خليفة حفتر، وهذا في اعتقادنا يمثل خطوة كبيرة في تحقيق التقارب بين الفرقاء الليبيين، وبالتالي على مصر إقناع حفترعلى التخلي على السلاح والدخول في العملية السياسية، وفي المقابل على الجزائر وتونس إيجاد حل توافقي يتم من خلاله إدماج حفتر في حكومة الوفاق الوطني التي يجب أن تضم كل الأطراف المتنازعة في ليبيا.

بعد ما رأينا جهود الجزائر في دعم المصالحة الوطنية في لييبا وتغليب لغة الحوار على لغة السلاح، بات من الضروري معرفة الأسباب الكامنة وراء تفضيل الجزائر لهذا المسعى على آلية العدالة الانتقالية التي تفضي هي الأخرى إلى تحقيق المصالحة الوطنية.

،،، وعليه

فما هي دعائم تفضيل الجزائر لخيار الحوار على خيار العدالة الانتقالية لتحقيق وبناء المصالحة الوطنية في ليبيا؟

يرى ابراهيم شرقية أن الحوار الوطني هو عنصر حيوي في معظم حالات ما بعد الصراع، فهو يعطي الفرصة لمختلف أطراف الصراع لمناقشة القضايا الحساسة ـ نزع سلاح الميليشيات مثلا ـ كما يؤمن بيئة تجذب حلولا ممكنة ومشتركة ومستدامة، كما يمكن للحوار أن يملئ الفجوة التي حدثت بعد سقوط نظام القذافي وبين فترة ما بعد الثورة التي لم تشهد إطارا واضحا لبناء الدولة الليبية، ولهذا لابد للحوار أن يشمل كل من شارك في الثورة لبحث رؤاهم ومناقشتها حول سبل المضي قدما في المرحلة الانتقالية التي شهدتها ليبيا.

كما أنه لابد أن تكون مرحلة الحوار سابقة لمرحلة وضع القوانين، لأن أي قوانين ستصدر قبل الحوار ستكون قوانين إقصائية ستؤدي لا محال إلى الكثير من الفرقة وتهدد سلاحة ووحدة التراب الليبي، وقانون العزل السياسي الصادر سنة 2012 أكبر مثال على ذلك، ولهذا فالحوار الوطني هو فرصة هامة لليبيين للتعرف على المخاطر التي تحدثها قوانين مماثلة وكذلك التعرف على العواقب المحتملة على الوحدة الوطنية.

فيمكن للحوار الوطني بين شرائح المجتمع الليبي حل التحديات التي تقف عقبة نحو مصالحة وطنية حقيقية في ليبيا.

لهذه الأسباب تفضل الجزائر الحوار الوطني على العدالة الانتقالية لأنه يمكن لهذه الأخيرة أن تشعل مشاعر الانتقام كما يمكنها أن تزيد من تشتت المجتمع الليبي أكثر مما هو عليه الآن، لأن العدالة الانتقالية تقوم على المساءلة وكشف الحقائق وتقديم المجرمين للعدالة، فهذه كلها إجراءات لا تخدم مسار المصالحة الوطنية في ليبيا خاصة في الفترة الحالية، وعليه يبقى الحوار الوطني الشامل كفيل برأب الصدع في ليبيا.

المحور الخامس: تحديات تجسيد المقاربة الجزائرية للمصالحة الوطنية في ليبيا

يواجه تطبيق المقاربة الجزائرية في ليبيا العديد من التحديات سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، وفي يلي أهم التحديات:

أـ التحديات الداخلية

تواجه ليبيا الكثيرمن التحديات الداخلية سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو الاجتماعي، فعلى المستوى السياسي بات الانقسام المؤسساتي يشكل عائقا أمام تحقيق المصالحة، فعلى الرغم من الاعتراف الدولي بشرعية حكومة الوفاق إلا أن دعم بعض الأطراف للحكومة المؤقتة جعل من المصالحة الوطنية أمرا صعب التحقيق.

أما التحدي الأمني فيتمثل في انتشار السلاح إذ لا يمكن تحقيق مصالحة وطنية في بيئة تسيطر عليها المليشيات المسلحة وهذا ما خلق دولتين متوازيتين: الدولة الرسمية ودولة الثوار.

أما التحدي المجتمعي فيتمثلفي الانقسام الحاد والاستقطاببين الأزلام والثوار، وهذا كله في ظل ثقافة المنتصر التي أدت إلى إنقسامات حادة داخل المجتمع الليبي بعد انهيار نظام القذافي، إذ لا يمكن تحقيق المصالحة الوطنية في ظل هذا الإنقسام، فتحقيق المصالحة الوطنية في ليبيا متوقف على تحقيق مصالحة مجتمعية أولا.

ب ـ تحديات خارجية:

بالإضافة إلى العوامل الداخلية المعقدة، زاد التدخل الخارجي في الأزمة الليبية من تعقيد الأمور أكثر، فأضحت ليبيا مسرحا لتنفيذ استراتيجيات بعض القوى الإقليمية أو تلك البعيد عن ليبيا، إذ أدى تدخل الأطراف الخارجية إلى المزيد من الإضطرابات العنيفة وذلك أن أطرافا خارجية لم تتوان في تقديم الدعم لطرف دون الآخر في الصراع القائم بين القوى السياسية الليبية، وهو ما يقف عائقا أمام تحقيق التقارب بين الفرقاء السياسيين الليبيين وبالتالي تقويض عملية المصالحة الوطنية في ليبيا. بالإضافة إلى انتشار الجماعات الإرهابية التي تهدد أمن واستقرار ليبيا.

وهكذا تحالفت العوامل الداخلية والخارجية لتعرقل مسار المصالحة الوطنية في ليبيا.

الخلاصة

في آخر هذه الدراسة نستنتج، أن الجزائر لعبت دورا مهما كوسيط لحل الأزمة الليبية وذلك من خلال دعم مقاربة المصالحة الوطنية في لييبا، من خلال الدفع بمسار الحوار الوطني الشامل بغية إيجاد تسوية توافقية تشترك كل الأطراف في إيجادها، أو المشاركة في مبادرات إقليمية وعالمية بغية الوصول إلى حل نهائي للأزمة الليبية ولكن وفقا لمقاربة الحوار الوطني الشامل والمصالحة الوطنية التي تدعو إليها الجزائر بعيد عن أي تدخلات خارجية في الشؤون الداخلية للدولة الليبية.

***

د. على بالعربي ـ استاذ محاضر ـ كلية الحقوق والعلوم السياسية ـ جامعة عبدالحميد بن باديس ـ مستغانم ـ الجزائر

______________

المصدر: مجلة العلوم السياسية والقانون ـ العدد 14 مارس 2019 ـ المجلد الثالث

المركز الديمقراطي العربي ـ برلين ـ ألمانيا