Minbar Libya

بقلم محمد عمران كشادة

إن واقع الصراع السياسي في ليبيا والذي طال أمده يؤكد بان استمرار الصراع بدون حسم ، أو حل سياسي سلمي ، سوف يؤدي إلى دخول لاعبين جدد على مسرح الأحداث.

الجزء الثاني

مؤثرات السياسة الخارجية الروسية

يقصد بمؤثرات السياسة الخارجية تلك العوامل المتعدّدة التي تسهم بشكل أو بآخر في توجيه السياسة الخارجية وتبلورها لأي دولة، كما تعني أيضًا دراسة السياسة الخارجية كمتغير تابع أمام مجموعة من المُتغيِّرات المستقلة التي تفرضها معطيات البيئتين الداخلية والخارجية“. أمّا المؤثرات الداخلية فتتمثل بالجغرافيا، السكان، الاقتصاد، القوة العسكرية، بيئة صنع القرار.

ـ الجغرافيا

تقدّر مساحة روسيا بـ17.075.200 كلم، وتمتد إلى شرقي أوروبا وشمالي آسيا. إلاَّ أنّ طبيعتها السهلية في حدودها مع أوروبا تجعل منها أرضًا مكشوفة من ناحية الغرب بعكس الشقّ الشرقي الذي تحيط به سلسلة جبال الكارات، إذ يتسبّب المحيط المتجمِّد الشمالي بتعطيل معظم موانئها الشمالية في فصل الشتاء، أمّا وصولها إلى مياه المحيط الأطلسي أو المياه الدافئة عبر الممرات البحرية فمرهون بظروف عدّة دول.

من هنا يمكن تحليل بعض قراءات الخرائط لفهم السياسة الخارجية الروسية وما تستشعره هذه الدولة من أخطار محدقة بها، سببها الرئيس فقدانها للمنطقة العازلة أو ما يُعرف بدول بحر البلطيق ، وتحكُّم أوروبا وتركيا بوصولها إلى المنافذ البحرية، إضافة إلى وجود معظم الأراضي الزراعية والتي تُشَكِّل 8٪ فقط من مساحتها العامة في المنطقة الجنوبية الغربية بمحاذاة جورجيا، وأوكرانيا، والقوقاز ، وآسيا الوسطى، أمّا السبب الآخر والذي لا يقلّ أهمية عن السبب الرئيس فيعود إلى قرب موسكو من الحدود الروسية الغربية، وبُعدِها مئات الأميال عن أماكن تمركز حلف الناتو.

المنافذ البحرية

تعاني روسيا من عقدة المنافذ البحرية. وصول روسيا إلى محيطات العالم بغض النظر عن المنطقة القطبية الشمالية  يبدو محدودًا ،  فالمنافذ التي تمتلكها للوصول إلى البحار التجارية قابلة لأن يتم إغلاقها من قِبل دول أخرى، وهو أمر يمكن ملاحظته من خلال الخريطة .

تمتلك روسيا الأوروبية ثلاثة منافذ محتملة يمكنها من خلالها الوصول إلى مراكز التجارة البحرية العالمية..

المنفذ الأول عبر البحر الأسود الذي يمر بمضيق البوسفور، وهو ممر مائي ضيق تسيطر عليها تركيا ويمكنها بسهولة أن تغلقه بوجه روسيا،

المنفذ الثاني هو سانت بطرسبرغ، حيث يمكن للسفن أن تبحر في المياه الدنماركية، وهذا المعبر أيضًا يمكن أن يُغلق بسهولة أمام روسيا،

المنفذ الثالث هو الطريق الطويل من المحيط المتجمد الشمالي، الذي يبدأ من مورم انسك ويمر عبر الفجوات البحرية بين غرينلاند وأيسلندا والمملكة المتحدة.

خلال الحرب الباردة، عملت القواعد الجوية في النرويج واسكتلندا وأيسلندا، إلى جانب المجموعات القتالية المحمولة جوًا، على منع وصول روسيا إلى منافذ البحر، وهذا الأمر يدل على الضعف الذي تعاني منه روسيا بسبب افتقارها للمنافذ التي تصلها بالمحيطات والمجاري المائية الحيوية، كما أنه يكشف عن سبب اعتبار روسيا بلدًا داخليًا وغير ساحلي، علمًا أن وصول الدول إلى البحار الحيوية هو عامل مؤثر للغاية على قوتها الاقتصادية والسياسية.

التمدد غربا نحو أوروبا

الإستراتيجية الوطنية لروسيا تسعى دائما لمد حدود البلاد غربًا بأقصى قدر متاح؛ فالصف الأول من بلدان شرق حافة شبهالجزيرة الأوروبية، دول البلطيق وروسيا البيضاء وأوكرانيا، توفر العمق الذي يُمكّن روسيا من حماية نفسها، وكذلك توفرلروسيا فرصًا اقتصادية إضافية.

عندما ننظر إلى تموضع روسيا في عام 1914م ، قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، حينها كانت روسيا تضم كامل الصف الأول من بلدان حدودها الغربية الحالية، كما ضمت بعض دول الصف الثاني، مثل بولندا ورومانيا في الوقت الحاضر، وكانت السيطرة الروسية على الجزء الأكبر من بولندا تتمتع بأهمية خاصة؛

فعندما هاجمت ألمانيا والإمبراطورية النمساوية الهنغارية الدولة الروسية في عام 1914م ، هذا العمق الفاصل الذي تمتعت به روسيا، سمح لها بمقاومة الهجوم دون مد القتال إلى الداخل الروسي حتى عام 1917م .13

ـ السكان

على خطٍ موازٍ، يعتبر العامل السكّاني من العوامل المؤثِّرة على السلوك الخارجي للدول، فالتنوّع العرقي، اللغوي والديني غالبًا ما يُفرِز كتلًا بشرية غير متجانسة تحاول التأثير على قرارات السياسة الخارجية.

يصل عدد السكان في روسيا، بحسب إحصائيات العام 2014م إلى حوالى148.8 مليون نسمة معظمهم من العرق الروسي بنسبة تصل إلى 81.5٪، أمّا باقي الأعراق تتارأوكرانيونتشوفاسيهود فتشكّل مجتمعة ما نسبته 18.5٪.

ـ الاقتصاد

بلغت نسبة النمو في الصادرات الروسية من الناحية الاقتصادية وبحسب منظّمة التجارة العالمية 22٪ في العام 2011م ، كما احتلَّت روسيا المركز التاسع بين المصدرين الرئيسيين، وشكّلت حصّتها من التجارة السلعية ما نسبته 4،7٪. كذلك أصبح للنفط والغاز شأن محوري في الاقتصاد الروسي الذي صُنّف من ضمن أكبر عشر اقتصاديات في العالم، وذلك بوصف روسيا أكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم، وثاني منتج للنفط بعد المملكة العربية السعودية.

ـ القوة العسكرية

عسكريًا، ومع كل التغيُّرات التي شهدها النظام العالمي في السنوات الأخيرة، وعلى الرغم من توقيع برنامج التعاون سي تي آرأو نان لوغرومعاهدتيSTART 1-2بين الجانبين الأميركي والروسي، إلاّ أنَّ العالم لا يزال ثنائي القطبية في هذا المجال ، فالترسانات ألإستراتيجية الأميركية والروسية تتجاوز القوى النووية الثلاث الأخرى، أي الصين وفرنسا والمملكة المتحدة.

إنّ روسيا تمتلك وفق معطيات العام 2012م ، 11 ألف رأس نووي من النوعين التكتيكي والاستراتيجي في مقابل8500 رأس للولايات المتحدة، وهي تستعمل ذلك كقوّة ردع إستراتيجية لمواجهة الدرع الصاروخي الأميركي وتوسع حلف الأطلسي .

ـ بيئة صنع القرار

إنّ عملية صنع القرار في السياسة الخارجية الروسية تتم ضمن مؤسسات الدولة، إلا أنّ ما يجعل هذه العملية تختلف عن أي دولة أخرى هو طبيعة صُنَّاع القرار، أي القيادة السياسيّة والأحزاب.

تُعدّ القيادة السياسيّة من أهمّ مؤثّرات السياسة الخارجية للدولة، فالقائد السياسي هو رأس الدولة والمسؤول عن صنع سياستها الخارجية وفقًا للدستور الروسي الذي ينصّ على أنّ الرئيس الروسي يحدِّد توجهات السياسة الداخلية والخارجية “. 

لذا فإنّ أي تغيّر في هذه القيادة يؤدِّي إلى حدوث تغيّر في توجُّه السياسة الخارجية، كما أنّ تغيّر رؤية القائد السياسي للأحداث والمصالح من وقت إلى آخر تجعله يغيّر في سياسته الخارجية.

مع تفكُّك الاتحاد السوفياتي برزت حقيقة جيو سياسية جديدة تمثّلت بظهور عدّة دول أُعيد دمجها في خريطة العالم المعاصر تقع في وسط آسيا وشمالها، ما أدى إلى تقلُّص مجال روسيا الآسيوي بنسبة 20٪، وجعل ثروات تلك المناطق هدفًا لمصالح القوى الإقليمية والدولية.

تم إنشاء كومنولث الدول المستقلة لإظهار دور روسيا البارز ضمن الكيان الجديد“. لكنّ هذا الدور قابلته جملة من التحدّيات الإقليمية، لعلّ أبرزها توسع الحلف الأطلسي على تخوم روسيا ونشر الدرع الصاروخي الأميركي في دول أوروبا الشرقية.

فقد عكس السعي الأميركي، لتطويق التحرك الروسي في إقليمها المجاور، واقع الرغبة الروسية في العودة إلى الساحة الدولية كدولة عظمى.

من هنا، أنشأت منظمة شانغهاي” التي جسّدت رؤية روسية صينية مشتركة حول عالم متعدّد الأقطاب، كما وَطَّدت علاقتها مع كل من الهند ودول أميركا الجنوبية بإنشاء تحالفات وتكتلات اقتصادية.

على خطٍ آخر، أدركت روسيا أهمية العنصر الطاقوي فهي تهيمن على 67٪ من إنتاج الغاز في العالم، وتعَدّ المُورِّد الأول لهذه المادة للصين وأوروبا، وتسعى في الوقت نفسه لتخطّي منافسيها في هذا الحقل.

البقية في الجزء الثالث

***

محمد عمران كشادة ( باحث ليبي)

__________

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية