Minbar Libya

بقلم السنوسي بسيكري

أن يُساق عناصر لواء أو كتيبة عسكرية بكامل عتادهم أسرى كما شاهدناهم يوم أمس، هذا كفيل ليس فقط بتوقف حفتر عن محاولاته الدخول لطرابلس بقوة السلاح بل حتى استقالته من منصبه.

لكن ليس حفتر الذي يفكر بهذه الطريقة، ولا هو الذي ينضبط بالمبادئ والأعراف التي تحكم العمل العسكري المسؤول، والذي يقدر قيمة النفس البشرية أو الكرامة الإنسانية، وها هو يدفع بقوة جديدة عبر محاور أخرى ربما قد تواجه المصير ذاته.

التهور والكلفة العالية

كان دخول حفتر لبنغازي في 16 أيار (مايو) 2014 دمويا، إذ قتل وأسر ثلث قواته المهاجمة، لكنه استمر في محاولته ونجح في حشد الأنصار وزج بأعداد أكبر في المعارك حتى بلغ عدد القتلى والجرحى في صفوف جيشه عشرات الآلاف، ليكتشف كثيرون ممن ناصروه أن الغاية سياسية بامتياز والهدف شخصي دون ريبة.

صحيح أن الظروف السياسية والعسكرية في طرابلس تختلف تماما عن بنغازي، هذا ما تؤكده حقائق مشاهدة على الأرض، لكن هذه الحقائق لم تمنع حفتر من أن يكرر تهوره لدخول طرابلس منذ شباط (فبراير) 2014م، وبطرق وقوالب متعددة، فمن قوات الكرامة إلى جيش القبائل إلى المنطقة العسكرية الغربية، دون أن يبلغ هدفه ويحقق حلمه.

ومع تبني الترتيبات الأمنية والعسكرية في المنطقة الغربية والتنسيق بين المناطق الثلاث والتي جعلت أي مخطط للاختراق العسكري ليس نزهة، إلا أن حفتر لم يتردد في المغامرة من جديد، ولا أخاله يتردد في إعادة الكرة مهما كانت النتائج.

ركائز العملية والردع المضاد

اعتمد حفتر في عمليته العسكرية الأخيرة لدخول طرابلس على قوات تتقدم بكثافة صوب العاصمة، مسبوقة بتعبئة إعلامية مركزة بهدف تهيئة الرأي العام الغرباويللتعاون ودعم الجيش، وحفز الذين لم يحزموا أمرهم للانتفاض من الداخل، مع الترتيب مع المجموعات المسلحة الموالية المنتشرة في بعض مدن غرب وجنوب غرب العاصمة للتحرك السريع.

من المؤكد أن حفتر توقع نجاحا حاسما وسريعا لعمليته العسكرية اعتمادا على أن الرأي العام وشباب المدن وغيرهم سينتفضون دعما له كما وقع في بنغازي في تشرين أول (أكتوبر) 2015م، هذا لا يُفهم فقط من الخطاب الموجه للرأي العام الطرابلسي، بل أيضا من التوجيهات التي تسمع عبر اللاسلكي الصادرة عن القيادات العسكرية في الميدان، وأيضا من كلام بعض من وقعوا في الأسر، فقد ذكر أحد الأسرى من مدينة طبرق أنهم أبلغوا بأن التحرك أشبه بعرض عسكري، وليس عملية قتالية وأن سكان العاصمة في انتظارهم كفاتحين.

تواجه عملية حفتر لدخول طرابلس سدا منيعا، والهبة قوية وردة الفعل واسعة وسريعة بقيادة الغرفة المشتركة التي تجمع المناطق العسكرية الغربية الثلاثة، ومساندة قوة حماية طرابلس وثوار بعض مدن الغرب، وعامل الوقت ليس في صالح حفتر، خاصة إذا لم تتحرك جموع من داخل طرابلس وضواحيها لمناصرة قواته.

ملامح استراتيجية الردع واشتراطاتها

ما يمكن أن تؤول إليه عملية الدخول لطرابلس سيكون مهما في تقدير وضع وموقف حفتر الراهن والمستقبلي، ولا أتصور أن فشل العملية سيمنع حفتر من المحاولة مرة أخرى، وسيخاطر بأرواح الليبيين من أنصاره وخصومه ولن يردعه المجتمع الدولي، وما يمكن أن يوقف تهوره ويمنع اندلاع حرب واسعة وسقوط قتلى بالجملة من الطرفين هو فعل عسكري منظم واسع رادع يهدف إلى:

ـ إعادة ترتيب كل الفاعلين من المكونات العسكرية في كافة مناطق الغرب الليبي بشكل ينهي الحالة المليشاوية ويجعل منهم جسما نظاميا منضبطا ورادعا.

ـ احتواء كل جيوب حفتر والمجموعات التي يعتمد على تحركها في المنطقة الغربية ومحيطها.

ـ شل نقاط الانطلاق والإمداد في شرق سرت وجنوبها إلى الجفرة ومنها إلى باقي الجنوب.

يواكب العمل العسكري ويتبعه تفاهمات ترتقي إلى مواثيق اجتماعية قبلية مناطقية في الغرب الليبي تُحرم وتُجرم الاقتتال في طرابلس ومدن الغرب تحت أي مبرر وتستوجب تبعات يدعمها كل الموقعين ويلتزمون بها ضد من يتجاوزها.

على المستوى السياسي ينبغي أن يتم الضغط بقوة على البرلمان لتحمل مسؤوليته تجاه حفتر والضغط عليه لمنع تكرار ما وقع، وهذا ممكن في حال كانت خسائر العملية فادحة. أيضا ينبغي اتخاذ موقف صلب تجاه التراخي الدولي حيال اعتداءات حفتر المستمرة.

ويعتمد نجاح عملية الردع بمساراتها العسكرية والاجتماعية والسياسية على توفر قيادة في مستوى التحدي الراهن والمتوقع.

السيد السراج في شخصه، والمجلس الرئاسي في مجموعه، عليه أن يتحمل مسؤوليته كرأس السلطة التنفيذية، والقائد الأعلى للقوات المسلحة وأن يراجع نفسه في موقفه من حفتر كونه قائدا عاما الجيش، ذلك أن حفتر معتد مع الإصرار والترصد والنية للاستمرار في العدوان، وينبغي التعامل معه وفق هذا التصنيف.

السراج ينبغي أن ينخرط في عملية الردع بمساراتها الثلاث، وأن يدشنها بموقف سياسي رافض للتقارب مع حفتر إلا أن يقدم الأخير اعتذارا عن عدوانه وتعهدا بالتزامه بعدم المقامرة بأرواح الليبيين.

***

السنوسي بسيكري ـ مدير المركز الليبي للبحوث والتنمية

_________