Minbar Libya

بقلم محمد عمران كشادة

إن موقع ليبيا الاستراتيجي، والثروة النفطية الهائلة التي تزخر بها ، يجعلها في محل اهتمام كل الدول الكبرى، والقوى الصاعدة، والمصالح السياسية والاقتصادية في عالم مضطرب تفرض نفسها.

روسيا لديها مصالح في ليبيا ولا يمكن أن تفرط فيها، وهي مصالح تضع روسيا دائما في حالة صدام مع الدول الغربية، في لعبة السياسة الدولية والمصالح، لا نتوقع أن يكون هناك توافق في المواقف والرؤى أو تعاون بين روسيا والغرب تجاه ليبيا ، خاصة في ظل كل المؤشرات التي تنبئ بعودة الحرب الباردة بين روسيا والغرب، وسيكون السؤال المهم ..

كيف ستدافع روسيا عن مصالحها في ليبيا، ما هي السياسة التي سوف تتبعها في مواجهة الدول الغربية التي تهيمن على الملف الليبي ؟. على الرغم من أن ليبيا تعتبر الاتحاد ألأوروبي هو الشريك الاقتصادي الرئيسي لها ، حيث يبدو ذلك واضحا من خلال حجم التبادل التجاري بين ليبيا ودول الاتحاد ألأوروبي، إلا انه هناك علاقات اقتصادية بين ليبيا وروسيا ومبادلات تجارية تمثل بعد اقتصادي مهم وله تأثير في رسم سياسة روسيا تجاه ليبيا .

1 / تطور العلاقات الروسية الليبية:

مرت العلاقات الاقتصادية الليبية الروسية بمراحل صعود وهبوط ، وبذلت موسكو في عهد الرئيس بوتين منذ عام 2000م جهودا كبيرة لتطوير العلاقات مع ليبيا.

ولم يتسن حل جميع المشاكل التي تشوب العلاقات بين البلدين إلا بعد زيارة الرئيس الروسي آنذاك بوتين إلى العاصمة الليبية  طرابلس في أبريل  2008م ، وشطب الديون المستحقة لروسيا على ليبيا والبالغة 4.6 مليار  دولار مقابل عقود اقتصادية جديدة مربحة للشركات الروسية قيمتها عدة مليارات في مجالات الطاقة والسكك الحديدية والاستثمار

فقد وقعت شركة سكك الحديد الروسية مع ليبيا عقدا لبناء خط جديد في ليبيا بين سرت وبنغازي بطول 500 كلم،  كما وُقعت مذكرة للتعاون بين شركتي غاز بروم الروسية وشركة النفط والغاز الوطنية الليبية

وتسعى روسيا دائما للحصول على عقود الطاقة السخية في ليبيا التي توجد بها أكبر احتياطيات النفط في أفريقيا ، وتبدي شركة غاز بروم الروسية للغاز العملاقة والمملوكة للدولة اهتماما بالمشاركة في بناء خط أنابيب جديد للغاز يربط ليبيا بأوروبا. 

وبلغ حجم التعاون الاقتصادي والتجاري الليبي الروسي في الفترة من 1970– 1980 حوالي مليار دولار، أقامت روسيا فيها عددا من المشاريع في ليبيا منها مركز للبحوث الذرية وخطان لنقل الطاقة الكهربائية وخط أنابيب الغاز،  كما جرى حفر حوالي 1340 بئرا لاستخراج النفط.  

وفي الفترة ما بين 1997–2001 عقدت في عاصمتي البلدين على التوالي خمس دورات للجنة الليبية الروسية للتعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي والتقني،  ووقعت في ختامها اتفاقيات التعاون في مجال الوقود وصناعة الطاقة وحول التعاون بين غرفتي التجارة والصناعة في البلدين. 

وتم الاتفاق مبدئيا على مشاركة المؤسسات الروسية في تنفيذ المشاريع الكبرى في ليبيا في مجال الطاقة والاتصالات والنقل والزراعة واستخراج النفط والغاز ومد أنابيب الغاز ومشاريع البنية الأساسية. 

وفازت شركة غاز بروم في مناقصة استثمار أحد قطاعات النفط والغاز في ليبيا ، وفي أبريل عام 2007م  تشكل مجلس الأعمال الليبي الروسي، وعقد في العاصمة الليبية طرابلس المنتدى الليبي الروسي إمكانات روسيا في مجال التصدير

وبلغ حجم التبادل التجاري الروسي الليبي في عام 2006م ما قيمته 130 مليون دولار، ارتفع إلى 231 مليون دولار في عام 2007م، الغالب الأعم منها صادرات روسية تتألف من الوقود المعدني والحبوب والماكينات والمعدات ووسائل النقل. 

وفي أكتوبر عام 2018م أكد رئيس المؤسسة الوطنية للنفط  مصطفى صنع الله  بأن  حجم التبادل التجاري بين المؤسسة والشركات الروسية خلال العشر سنوات الماضية بلغ قرابة 11مليار دولار.  

وأضاف صنع الله في تصريحات لقناة روسيا اليوم :” أن ليبيا تسعى لإعادة الشركات الروسية وتعول عليها في دعم استقرار البلاد،  إن طرابلس لديها القدرة على المحافظة على معدلات الإنتاج الحالية وزيادتها إذا توفرت الظروف الأمنية. كما أن الدولة الليبية لديها مصالح اقتصادية في روسيا.

تحت عنوان الليبيون جاؤوا من أجل القمح “. كتبت ماريانا بيلينكايا  في كوميرسانت” حول آمال ليبية بتنشيط العلاقات الاقتصادية مع روسيا، والاستغناء عن الوسطاء في شراء القمح الروسي.

وجاء في المقال:” يجري وفد ليبي برئاسة وزير الاقتصاد والصناعة في حكومة الوفاق الوطني محادثات في موسكو حول آفاق التعاون التجاري والاقتصادي “.

وجاء في المقال أيضا:”حاليا، المشاريع الروسية الرئيسية في ليبيا، المتعلقة بإنتاج النفط والبناء، معلقةولم يتجاوز حجم التجارة في عام 2016م، من  2من يناير إلى نوفمبر 131.8 مليون دولار، هنا الحديث يدور فقط عن صادرات روسية إلى ليبيا

وعلى سبيل المقارنة، تجاوزت صادرات إيطاليا إلى ليبيا في عام 2016م  مليار دولار، وبلغ إجمالي حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي مليارات دولار، كما أن أكبر خمسة مستوردين من ليبيا، إلى جانب إيطاليا، الصين وتركيا وكوريا الجنوبية والإمارات العربية المتحدة

تذهب الصادرات الليبية الرئيسية إلى الإمارات وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وفرنساوأضافت ماريانا بقولها : ” الغرض من زيارة الوفد الليبي إلى موسكو هو الاتفاق على إمداد ليبيا بالمنتجات الزراعية، خاصة القمح والشعير والذرة.

كما يأمل الليبيون في جذب الشركات الروسية للمشاركة في مشاريع البنية التحتية المتعلقة بترميم صوامع الحبوب في طرابلس ومصراته  الآن، 70٪ من حبوب ليبيا تأتي من روسيا، لكن ليس بشكل مباشر، إنما عبر تركيا ومصر

لماذا لا نقيم اتصالات مباشرة، خاصة أن دولا أخرى تعمل بنشاط على تطوير اتصالاتها مع ليبيا الآن؟” تساءل المدير العام لبيت التجارة الروسي الليبي أليكسي بوتيمكين

وفي مقابلة مع كوميرسانت ، قال إن إمكانية توقيع مذكرة تعاون بين وزارة الاقتصاد والصناعة الليبية ووزارة الزراعة الروسية نوقشت أيضا خلال المحادثات.

وفي الوقت نفسه، ذكرت وزارة الخارجية الروسية أن المحادثات شملت آفاق استنهاض وتطوير العلاقات التجارية والاقتصادية الروسية الليبية مع استقرار الوضع السياسي الداخلي في ليبيا“. 

كما أن الصحافة الايطالية كانت تراقب وتتابع السياسة الروسية تجاه ليبيا ،  والعلاقات الاقتصادية بين ليبيا وروسيا ، حيث  تطرقت الصحيفة الإيطالية إيل بوست، وهي صحيفة إلكترونية يومية  تهتم بالشأن السياسي والاقتصادي والجيوسياسي والثقافي ، إلى تنامي الدور الروسي في ليبيا التي تشهد منذ سقوط نظام القذافي حالة من الفوضى والانقسام السياسي، مشيرة إلى الأسباب التي جعلت موسكو تركز في الآونة الأخيرة اهتمامها بالشأن الليبي.

وأوضحت الصحيفة الايطالية بان روسيا تسعى إلى تعزيز مصالحها في هذاالبلد الغني بالنفط ، فضلا عما لديه من موقع جغرافي هام، من خلال دعم أحد الأطراف الرئيسيين في الصراع، وهو خليفةحفتر.

وأشارت الصحيفة إلى أن توجه روسيا إلى ليبيا يعود إلى أسباب تتعلق بالمصالح الاقتصادية، ولكن قبل كل شيء بدافع رغبة موسكو في العودة كقوة عظمى، واستعادة المساحات التي كانت لديها قبل سقوط جدار برلين .

وذكرت الصحيفة بانالمصالح الاقتصادية الروسية في ليبيا تتعلق بالنفط وبيع الأسلحة، وقد وقعت شركة النفط الروسية روسنفت اتفاقات معالمؤسسة الوطنية للنفط، هذه الاتفاقات ليس لها أهمية كبرى من وجهة نظر طاقية بحتة، نظرا لأن ليبيا غير قادرة على استغلال مواردها بالشكل الكافي، جراء حالة الفوضى والحرب، لكن لها في نفس الوقت قيمة إستراتيجية كبرى.

***

محمد عمران كشادة ( باحث ليبي)

_______________

مركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية