Minbar Libya

بقلم منى عبد الفتاح

تضمّنت مرجعيات الأزمة الليبية قواعد اللعبة السياسية المقدّمة من الخارج، وقام بتنفيذها الجنرال المنشق خليفة حفتر الذي أعلن، الأسبوع الماضي، بدء عملياته العسكرية للقضاء على “الإرهاب والمجرمين (!!)في العاصمة طرابلس.

وتبعاً لجرأة حفتر، استطاع رئيس حكومة الوفاق المعترف بها دولياً، فائز السراج، أن يتخلّص من تردّده، فدعا قواته إلى مواجهة تحركات قوات حفتر بالقوة.

تنسف هذه التطورات الحسابات السياسية الخاطئة للأمم المتحدة ومبعوثها إلى ليبيا، غسان سلامة، حتى باتوا أقرب إلى الاعتراف بعجزهم عن قراءة التعقيد الليبي الداخلي.

وفي غمرة الانشغال بمحاولات الفهم، باغتت المجتمع الدولي العمليات العسكرية التي نفذتها قوات خليفة حفتر في الغرب الليبي، ووصفها السراج بالطعنة من الخلف في ظهر ليبيا، والانقلاب على الاتفاق السياسي لعام 2015. بل في رأي السراج أنّ الخطاب التعبوي المصاحب لهذه التحركات تعود مفرداته إلى زمن الديكتاتوريات والحكم الشمولي.

لم يكن الموقف الدولي موحّداً ضد التصعيد العسكري في ليبيا، بل ظل غامضاً يدعو القوات المعتدية والمدافعة على حدٍّ سواء إلى التهدئة وضبط النفس، فقد أجهضت روسيا صدور بيان عن مجلس الأمن الدولي يدعو قوات حفتر إلى وقف عملياتها في طرابلس، على أثر رفض الولايات المتحدة مقترح التعديل الروسي.

وكان الوفد الروسي في الأمم المتحدة قد طالب بتعديل صيغة البيان الرئاسي، بحيث تصبح دعوة كل الأطراف الليبية المسلحة إلى وقف القتال، وليس فقط قوات حفتر.

وقبلها لم يكتفِ حفتر بالرفض القاطع للمقترح الذي قدّمه له الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، حول لقاء يجمعه مع رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج في جنيف، في محاولة لاحتواء الأزمة والتطورات المستجدة، وإنّما أعلن استمراره في عملياته العسكرية، فلم يكن غوتيريس الوحيد الذي فشل في إقناعه بتهدئة الأوضاع، يغادر ليبيا و”قلبه مثقل”، فالأزمة الليبية أثقلت قلوب ستة من المبعوثين الأمميين.

الوجود الغربي في الأزمة الليبية واقع ملازم لها منذ نشأة الدولة، فلهذا التدخل أساس تاريخي، بُني على اعتبارات استراتيجية، منذ استقلال ليبيا في مطلع خمسينيات القرن الماضي، وظلّت مسرحاً لهذا التدخل بحكم القرب الجغرافي.

ذلك بالإضافة إلى وجودها في مقدمة الحزام النفطي، المكون من السودان وليبيا والنيجر ونيجيريا. وكان الحائل بين الدول الطامعة وليبيا وجود العقيد الراحل معمّر القذافي، وسياساته الجريئة والمتخبّطة التي لا يمكن التنبؤ بها في حقل العلاقات الدولية.

وبعد سقوط القذافي، التفّت الولايات المتحدة حول بعثة الأمم المتحدة للدعم والوساطة التي تقوم بها بين الفرقاء الليبيين، والتي تمخض عنها توقيع اتفاق سياسي في مدينة الصخيرات المغربية في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2015.

وتناسلت الاتفاقات تحت الرعاة أنفسهم، من دون حلول على أرض الواقع. ثم نشأ عامل آخر، عزّز من حجم التدخل الغربي، وهو الهجرة غير الشرعية عبر ليبيا، ومحاربة الإرهاب والاتجار بالبشر، فتضافرت هذه العوامل، واكتملت حبات حلقتها ما بين اقتصادية وأمنية إنسانية وجيوسياسية.

يخشى المجتمع الدولي إجراء صفقةٍ لتقاسم السلطة بين رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج والجنرال المنشق خليفة حفتر، أكثر من خشيته الوصول إلى نظام ديمقراطي عبر انتخابات حرّة ونزيهة.

لذا كان أول تصريح من مجموعة الدول السبع في بيانها أخيرا إبّان الأزمة أنّ منشآت النفط في ليبيا وإنتاجها وإيراداتها مملوكة للشعب الليبي، وينبغي عدم استغلالها من أي طرف لتحقيق مكاسب سياسية.

ويُعتبر ضمان تدفق النفط العامل الذي يربط بين هذه الدول وسباقها في أن يكون لكلٍّ منها دور في الشأن الليبي، بالإضافة إلى محاربة التنظيمات الإرهابية.

ولكن عند الدخول في التفاصيل، نجد أنّ لكل دولة أجندتها التي تخدم هذين العاملين، فالولايات المتحدة غضّت الطرف طويلاً عن جرائم حفتر، على الرغم من تحذيرات المنظمات الإنسانية، فعملت على تقويته ودعمه لاستلام الحكم، كي يساهم في تطمين حلفائها في المنطقة بألّا تنتقل إليهم عدوى الديمقراطية ونسائم الربيع العربي.

أما إيطاليا فلا زالت تشعر بمسؤوليتها عن مستعمرتها السابقة، وما يمكن أن يجرّه الإرث التاريخي والواقع الجغرافي من زيادة مخاطر تدفق اللاجئين إليها، وهي بحكم متاخمتها ليبيا عبر المتوسط، تُعتبر الدولة الأكثر تأثراً بما يمكن أن تفضي إليه حالة الانفلات والفوضى، بوابة للمهاجرين القادمين من ليبيا وعبرها في طريقهم إلى أوروبا.

ووفقاً لهذه العوامل، سعت إيطاليا إلى تهدئة الأوضاع، حتى لا يتأثر تدفق النفط والغاز الليبي الذي تعتمد عليه بشكل كبير.

وتقتسم فرنسا الإرث التاريخي الاستعماري مع إيطاليا، وهي تنظر إلى عدم الاستقرار في جنوب ليبيا، والتي كانت تقع ضمن مستعمراتها في شمال أفريقيا، مهدّدا لاستثماراتها في منطقة الصحراء الكبرى.

ولن تتردّد فرنسا في التدخل في الجنوب الليبي، فقد قادت من قبل حملة عسكرية عام 2013 ضد الجماعات المسلحة في شمال مالي، لحماية شركاتها المستكشفة والمنقّبة عن النفط والذهب واليورانيوم هناك.

لم تكن كل هذه الحسابات غائبةً عن الأطراف المتصارعة في ليبيا. ونتيجة ذلك، استقوى كل منها بجهاتٍ دولية ضد الآخر، وعلى حساب الشعب الليبي. وقد قام حفتر، منذ المجيء به لقيادة جيش المعارضة لخبرته العسكرية، بتكوين جيشٍ قوامُه آلاف العسكريين، تدربوا على أسلوب حرب العصابات.

وكان الدافع في عودته إلى ليبيا والمشاركة في الحرب ضد القذافي رغبته في الانتقام من الأخير، بسبب رفضه مساعدته في الحرب التشادية، ما أدى إلى أسره، هو وآخرين، ثم إقامته في أميركا عقدين.

ونتيجة ذلك، تشكّلت عقيدة حفتر العسكرية على أن لا حل غير الخيار العسكري، ولذلك عندما بدأ الحلّ السياسي يتراءى من بعيد، ونودي إلى المؤتمر الوطني، نفض يده من الحوار، ونقض الاتفاقيات العديدة الموقعة في العواصم الغربية والعربية.

كان من المؤمّل أن يحمل هذا المؤتمر نتائج عديدة. ولكن أيّاً تكن، فهي لن تلبي طموحات حفتر في الحصول على السلطة الكاملة التي لن تتحقّق له إلّا بإعلان الحرب وعسكرة الدولة.

فبالإضافة إلى هدفه في إفشال الملتقى الوطني الجامع، والذي دعت إليه بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، برئاسة غسان سلامة، والمقرّر عقده في 14 إبريل/ نيسان الحالي في غدامس (جنوب) ليبيا، يسعى حفتر إلى إرباك المشهد السياسي، والضغط على صناع الرأي العام، الليبي والدولي، لإقناعهم بأنّ ليبيا لن ينجح معها مسار الانتقال الديمقراطي والمشروع المدني، بل نظام عسكري ليدحر المجموعات الإرهابية.

ولمواجهة هذه السياسة، يتظاهر المجتمع الدولي بالقلق على مدنية الدولة، ولكنه من وراء الكواليس يدعم حفتر لفرض نموذج عسكري. وهذا الطموح إذا ما نجح حفتر في تحقيقه، سيؤدي إلى استعار النزاع المسلح بأعنف مما هو عليه الآن، فضلاً عن الانسداد السياسي الذي سيلازم ليبيا زمانا قد يطول.

قادة المعارك الحالية هم رؤوس جبال الجليد، أما العمق فيحوي فسيفساء قوامها مليشيات متشابكة، وجهويات وقبليات راسخة. يتصارع كل هؤلاء في ظلّ الانهيار السياسي والاقتصادي.

كان يمكن أن يوحّد قتال حفتر بين المتشددين والمعتدلين، باعتباره استنساخا للعودة إلى نظام القذافي، أو على أقلّ تقدير استنساخا لنظام السيسي. ولكن أوراق هذه اللعبة ستتبعثر بين الارتباك والانتظام، إلّا أنّ الراجح سيكون فوضى قد تطيح الدولة نفسها.

تصوّر التجاذبات السياسية والعسكرية في ليبيا الآن المشهد مشدوداً من الأطراف جميعها، ولكن العبرة فيمن ينجح في سحب مواقف كثيرة مؤيدة لصالحه.

وهذه يمكن أن يُبنى عليها مستقبل الصراع في ليبيا ومآلاته التي سوف تزيد من عملية الاستقطاب، وسوف تدفع آبار نفط ليبيا فاتورة تجّار الحرب، ممن يناصرون أحد الطرفين، في سبيل تأمين الحكم في حالة السراج أو نزعه كما في حالة حفتر.

وهذه المعارك على الأرض، بعدّتها وعتادها وإعلامها، هي بداية لحربٍ مؤجلة، ربما تنفجر في أي وقت بشكلها الدولي، والإقليمي المتابع بترقّب لإرهاصات الربيع، السوداني والجزائري، مطوّقاً المشهد الليبي.

***

منى عبد الفتاح ـ كاتبة صحفية من السودان حاصلة على الماجستير في العلوم السياسية. نالت دورات في الصحافة والإعلام من مراكز عربية وعالمية متخصصة. عملت في عدة صحف عربية. حائزة على جائزة الاتحاد الدولي للصحفيين عام 2010، وجائزة العنقاء للمرأة المتميزة عام 2014.

_____________