Minbar Libya

بقلم صبحي حديدي

الطرابلسيون، أبناء العاصمة الليبية، اختاروا صيغة طريفة للتعبير عن احتجاجهم ضد المساندة الفرنسية للماريشال خليفة حفتر، قائد ما يُسمّى الجيش الوطني الليبي، الزاحف نحو المدينة منذ أسبوع:

لقد تظاهروا وهم يرتدون السترات الصفراء، في إشارة ارتباط مع حركة الاحتجاج الأقوى التي يجابهها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منذ 22 أسبوعا. غير أنهم بحاجة إلى طرائق أخرى، لا تقلّ طرافة، إذا شاؤوا الاعتراض على الشطر الروسي من الدعم الدولي الذي بات حفتر يحظى به؛ خاصة بعد إصرار موسكو على إفشال إدانة زحف الماريشال نحو طرابلس في مجلس الأمن الدولي، إلى درجة استخدام حقّ النقض.

بمعزل عن هذا الجانب في التعبير الشعبي، ثمة دماء تُراق كلّ يوم إذْ يسقط القتلى أو الجرحى بالعشرات والمئات، وثمة خراب يتسع ويتفاقم، ولاجئون يضطرون لمغادرة بيوتهم تحت وابل القصف العشوائي.

وفي الباطن من هذه المغامرة الجديدة للماريشال، المصاب بجنون العظمة وسلسلة أمراض التبعية لقوى خارجية، ثمة سوء فظيع في تقدير موقف عسكري رآه حفتر مواتيا، أو زيّن له الرعاة ذلك؛ وسوء ليس أقلّ فظاعة في قراءة الخلفيات السياسية، المحلية الليبية أو الإقليمية أو الدولية، التي أقنعت الماريشال بأنه هذه المرّة سوف يبتلع طرابلس، ومعها حكومة الوفاقلقمة سائغة أيسر هضما من ابتلاع بنغازي.

والحال أنّ الكمائن التي واجهتها قوّاته الزاحفة، في مدينة الزاوية بصفة خاصة، حين أُسر العشرات من عناصره وغُنمت عربات وأسلحة ثقيلة؛ ليست العامل الحاسم الأبرز الذي أوقف الزحف، أو عطّله، أو أبطأه قسرا، حتى باتت خطوط إمداد الحملة طويلة ومتقطعة وشاقة.

الأرجح أنّ المعادل الأهمّ هو طبيعة الائتلاف الذي تقاتله قوّات حفتر اليوم، والمؤلف من مليشيات لا يجمعها بالضرورة جامع تأييد حكومة الوفاق، إذْ قد يكون العكس هو الصحيح بالنسبة إلى بعضها؛ ولا جامع العقيدة الجهادية، أو أعمال التهريب والجزية والجريمة المنظمة ومختلف أشكال التجارة الموازية التي ينخرط فيها البعض الآخر من هذه المليشيات.

كذلك فإنّ زيارة حفتر إلى المملكة العربية السعودية، واجتماعه مع الملك سلمان، قبيل إطلاق حملته نحو طرابلس؛ ثمّ توقيت ابتداء العمليات قبل أيام معدودات من موعد انعقاد مؤتمر وطنيجامع، تنظمه الأمم المتحدة في مدينة غدامس الليبية؛ وضع معظم رعاة الماريشال في حرج التأييد العلني لمغامرته العسكرية، فكيف بمساندته عسكريا وعلى نحو مباشر، كما فعلت فرنسا في معركة الاستيلاء على ما كان قد تبقى من بنغازي، سنة 2017.

لكنّ النغم الذي أخذ عزفه يتصاعد تدريجيا في العواصم الغربية، خاصة تلك التي لم تتوقف عن إرسال غمزات التأييد المبطنة إلى الماريشال، يفيد بأنه قد يكون أهون الشرور بالقياس إلى سواه، والمليشيات الإسلامية والجهادية تحديدا.

وهذه كثيرة، بالفعل، وسلوكياتها الإجرامية تتفوّق على عقائدها الجهادية زائفة كانت أم فعلية؛ ابتداء من ثوّار طرابلسبقيادة هيثم التاجوري، ولواء النواصيجماعة آل قدور؛ وليس انتهاء بـقوات الردع الخاصةبزعامة عبد الرؤوف كارة، والأمن المركزيالذي يقوده عبد الغني الككلي.

وبهذا المعنى قد يصبو حفتر إلى لعب دور مماثل لذاك الذي أسندته الولايات المتحدة إلى بعض أكراد سوريا في قتال داعش، بحيث لا يحتفظ الماريشال بصفة الرجل العسكري الأقوى في ليبيا، الذي يُستقبل في باريس وروما والرياض وتونس كما على ظهر حاملة روسية في عرض المتوسط، فحسب؛ بل ينقلب إلى خندق أوّل ضدّ الإرهاببالنيابة عن الغرب، وشرطي حراسة ضدّ موجات اللجوء المارّة من ليبيا وعبر شبكات تديرها المليشيات أيضا.

وبالفعل، أية غرابة في دور كهذا يمكن أن يُناط برجل يشير سجلّه الشخصي إلى نشوء وارتقاء في خيمة القذافي، ثمّ انتقال إلى أجهزة المخابرات المركزية الأمريكية، فعودة إلى ليبيا بعد انتفاضة 2011، وتنصيب ذاتي على رأس كتائب مبعثرة مليشياتية قبائلية مناطقية؛ في بلد تتزاحم على حكمه هيئات ومجالس ومؤتمرات وبرلمانات…ما أنزل بها من سلطان!

***
صبحي حديدي ـ ناقد ومترجم وصحفي

_____________

القدس العربي