Minbar Libya

بقلم عبدالرحمن أسعد

يستمر مسلسل التدخلات والعبث بمصير الشعوب الذي تتهم به كل من الإمارات والسعودية ومصر، وكان آخر حلقاته إعطاء الضوء الأخضر للواء المتقاعد خليفة حفتر للهجوم على العاصمة الليبية طرابلس، بحسب ما يذهب إليه مختصون بالشأن السياسي العربي.

والخميس الماضي (4 أبريل)، أطلق حفتر عملية عسكرية للسيطرة على طرابلس، بالتزامن مع تحضير الأمم المتحدة لعقد مؤتمر للحوار في مدينة غدامس الليبية (جنوب غرب)، بين يومي 14 و16 أبريل الجاري، ضمن خريطة طريق أممية لحلّ النزاع في البلد العربي الغني بالنفط.

وفي آخر بياناتها المتعلقة بهذا الشأن، ذكرت منظمة الصحة العالمية أن المنشآت الصحية قرب العاصمة الليبية طرابلس أعلنت مقتل 47 وإصابة 181 آخرين بجروح خلال الأيام الثلاثة الماضية، وحذرت في بيان لها من أنَّ تجدُّد الصراع في الدولة المنقسمة منذ الإطاحة بمعمر القذافي عام 2011 يهدد أيضاً باستنزاف الإمدادات الطبية“.

ما علاقة بن سلمان بهجوم حفتر على طرابلس؟

عملية عسكرية أطلقها حفتر يرى كثير من المحللين السياسيين أنها ليست حرباً بين المنطقتين الشرقية والغربية في ليبيا، إنما هي حرب جنرال متمرد ينفذ أجندة تمليها عليه دول خارجية؛ تطمح للسلطة ومد النفوذ على حساب شعوب المنطقة“.

هذا ما أكده المحلل المختص بالشؤون المغاربية، رضا بودراع، ليصف المعركة التي يخوضها حفتر بـالفاشلة، واعتبرها مغامرة وحماقة عسكرية غير محسوبة، وأن نتائجها حتى اللحظة تشكل ضربة كبيرةللإمارات وفرنسا والسعودية ومصر.

فيما يتعلق بتمويل العملية، تحدث بودراع عن تقديم السعودية

دعماً واضحاً لحفتر؛ مبيناً أن ذلك الدعم تجلى عند قدوم ولي العهد محمد بن سلمان إلى القمة العربية في تونس، بموكب تضمن 22 طائرة، إضافة إلى باخرة عملاقة، وألف عنصر مرافق للوفد.

وأضاف بودراعإنه حين غادر بن سلمان بقيت خلفه الطائرات والباخرة والعناصر، لتظهر لاحقاً مدرعات عسكرية وعربات جديدة، خرجت من ذات المصنع الذي تعاقدت معه الإمارات لصناعة عربات جيشها، وأن الأمر بحاجة لتحقيقوفق قوله.

بودراع أشار إلى أن حفتر أجرى قبل هجومه على طرابلس بأسبوع زيارة للسعودية، والتقى خلالها بالملك سلمان، واجتمع بشخصيات بارزة في المملكة، منهم وزير الداخلية ووزير الخارجية السعوديان، إلى جانب وزير الدولة للشؤون الأفريقية؛ ليعكس هذا الاستقبال الاسثنائي أهمية حفتر بالنسبة للسعودية، ويؤكد موافقة السعودية على هجوم اللواء المتقاعد ضد طرابلس.

المختص بالشأن المغاربي لفت من جانب آخر النظر إلى أنه لا يمكن التغاضي عن أن هذا الهجوم يتزامن مع خوض الجزائر نزاعاً ديمقراطياً، يُثير مخاوف كل من السعودية والإمارات؛ نظراً لصلاتهما الوثيقة بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة ورئيس الأركان الحالي أحمد قايد صالح، ونية كلتا الدولتين تكثيف جهودهما لتجنّب عملية الانتقال الديمقراطي في الجزائر؛ التي من شأنها أن تتسبّب في تقويض نفوذهما في البلاد.

فرض سيسي جديد في ليبيا

من جانبه يرى الخبير الاستراتيجي د. محمد فؤاد، أن السيطرة على العاصمة طرابلس من قبل اللواء خليفة حفتر تعني نهاية حلم فبراير (الثورة)، والعودة للدولة العسكرية وإتمام الانقلاب، مشيراً إلى أن ذلك لن يحدث أبداً في ظل الانتصارات التي يحققها الجيش الليبي (غرب) ضد القوات المتمردة، في إشارة إلى حراك حفتر.

وأضاف فؤاد في حديثه لـالخليج أونلاين” مبيناً أن دولاً مثل الإمارات وفرنسا والسعودية ومصر هي من أعطت حفتر الأوامر والمشورة للتقدم نحو طرابلس؛ باعتبار أن السيطرة على العاصمة تعني السيطرة على كامل التراب الليبي، وخلق حكم عسكري؛ ما يعني فرض سيسي جديد في ليبيا بالقوة، على حد تعبيره.

وأشار الخبير الاستراتيجي إلى أن هناك أكثر من محور تستفيد منه هذه الدول؛ أولها المحور السياسي؛ إذ تعني سيطرة حفتر على العاصمة انضمام ليبيا إلى دول المحور الإماراتي السعودي المصري، وهذه ستشكل ضربة كبيرة لكل المحاربين لهذا المحور، خاصة في ظل الحراك الجزائري.

وبحسب رأيه، فإن تلك الدول تريد دولة قريبة من الجزائر تكون مصدراً للقلاقلإذا ما نجحت الثورة الجزائرية، إضافة إلى السعي نحو إفشال أي حلم لدولة أخرى في التحرر؛ بعد ما فعلوه في اليمن وتم فعله في ليبيا؛ لتكون الوجهة القادمة تونس، خاصةً في ظل قرب الانتخابات هناك.

فؤاد أضاف أن المحور الآخر والأهم هو الجانب الاقتصادي؛ إذ تعاني مصر أزمة اقتصادية كبيرة، والأموال التي تدفعها السعودية والإمارات للنظام المصري غير كافية.

وعليه، يقول الخبير الاستراتيجي: “يعتبر وجود دولة غنية قريبة من مصر سيساعد السيسي بشكل كبير على حلّ أزماته المالية، خاصةً أن مصر هي الركن الأساسي في هذا المحور أفريقياً“.

حفتر نسخة القذافي

من طرابلس وصف محمود إسماعيل، الكاتب والمحلل السياسي، العملية العسكرية التي أطلقها حفتر، بأنها لم تحقق عملياً أي نجاح على الأرض، ولا في الجانب السياسي أيضاً، موضحاً أن ما حققته هو إدراك الجميع بأن حفتر طامع بشكل حقيقي في السلطة، ومحاول قدر الإمكان إفساد الحياة السياسيةبدعم دول عربية وغربية.

وأضاف إسماعيل لـالخليج أونلاين، أن حفتر لا يقل دموية عن نظام القذافي، الذي أرسل في مارس 2011 رتلاً عسكرياً إلى بنغازي، قائلاً: “ها هو حفتر يرسل رتلاً أيضاً في مارس 2019 إلى طرابلس؛ فكلاهما مجرم، لكن حفتر أكثر دمويةً، خاصة أنه دك المطارات المدنية وعلى رأسها مطار معيتيقة“.

من جهة أخرى يقول إسماعيل، إن الجميع يدرك تضارب مواقف بعض الدول من تحرك حفتر، في حين اتخذت الأمم المتحدة موقفاً خجولاً تجاه الحراك؛ ما دفع ثوار فبراير إلى العودة مجدداً، ومحاولة لم الشمل والاتجاه للميادين والدفاع والذود عن عاصمتهم.

وأوضح المحلل السياسي أنه لولا تدخل الثوار بشكل فعلي لكان حراك حفتر حقيقياً، وأزال ما يتعلق بحكومة الوفاق الوطني والمجلس الرئاسي.

واستطرد قائلاً، إن الذين تم استبعادهم من المشهد عادوا بقوة للدفاع عن طرابلس، خاصةً أن حفتر يسعى لإنهاء العملية السياسية، وإنهاء الاتفاق السياسي، وكل ما انبثق عنه، ولولا تلك القوات التي تصدت له ببسالة لسقطت العاصمة، وفق قوله.

وأضاف المحلل السياسي أن حفتر والدول الداعمة له، على رأسها الإمارات وفرنسا والسعودية ومصر، يشعرون بخيبة الأمل تجاه الهزائم التي تعرض لها اللواء المتقاعد في طرابلس، خاصة أنها كشفت وهن الحراكوفشل حفتر عسكرياً في خوض معركة على بعد 1000 كم؛ ليقع في اليوم الأول من تحركه أسر 128 جندياً من عناصره، ثم 45 آخرين، إضافة إلى العدد الكبير من القتلى والجرحى الذين تركهم خلفه.

إسماعيل شدد على ضرورة بحث الليبيين عن شريك فاعل في المنطقة الشرقية، خاصةً أن حفتر لم يعد فاعلاً ولا مقبولاً من المجتمع المحلي، ولا الدولي، داعياً إلى محاكمته وإدانته على الجرائم التي ارتكبها والأرواح التي تسبب في إزهاقها.

ودعا أيضاً المجتمع الدولي ليكون واضحاً في مواقفه، خاصة أن رجل الإمارات في ليبيا فشل بالمطلق، وانهزم بشكل فعلي في هذه المعركة.

إجهاض الحراك الجزائري

المحلل السياسي عصام الزبير يشير إلى أن السيطرة على طرابلس تعني السيطرة على القرار وثورة ليبيا وكل مقدرات الدولة في طرابلس، بما فيها المؤسسات المالية والنفطية.

وذكر في حديثه لـالخليج أونلاينأن أبوظبي والرياض والقاهرة تسعى لتعويض ما قدمته من سلاح ودعم في سبيل تنصيب حفتر ودخوله للعاصمة؛ ولذلك سينفذ تعهداته والتزاماته معهم، بأن يوقع معهم عقوداً تكون مخففة ومخفضة جداً.

ولم يستبعد الزبير حدوث ذلك، خاصة أنه جرى في دول عربية بشكل جلي من خلال تقييد الدولة، وجعل مقدراتها رهناً لدول أخرى، مثل ما حدث في مصر التي تربطها اتفاقية بيع الغاز بسعر مخفض للكيان الإسرائيلي، إضافةً إلى اتفاقية الغاز بين الجزائر وفرنسا، وغيرها من الدول التي تسير نفس المسلك؛ فهذه الدول تتعامل مع عملائها بهذه الصورة، وتأكل ثوراتها وخيراتها.

وعلى الصعيد الديموغرافي يرى  الزبير أن محور الإمارات والسعودية ومصر استغل اشتعال المظاهرات في الجزائر ليدفع حفتر إلى الزحف نحو العاصمة في محاولة للسيطرة عليها.

وتابع يقول إن سقوط طرابلس في يد حفتر يعني انتهاء الأزمة الليبية بالنسبة لتلك الدول، ووضع يدها على كل مقدرات البلاد.

أيضاً فإن سقوط طرابلس يعني لهذه الدول التفرغ للجزائر، ومحاولة إجهاض الحراك الجاري هناك، خاصةً أن تلك الدول تعمل دوماً على إسقاط أي حراك عربي يسعى للتغيير ويطالب بالحرية وخلق سلطة مدنية، بحسب الزبير.

يتفق أيضاً أستاذ الأخلاق السياسية بجامعة حمد بن خليفة محمد مختار الشنقيطي، مع ما ذهب إليه الزبير، مبيناً أن محور الإمارات والسعودية ومصر، إضافة إلى فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، متواطئ مع حفتر“.

وأضاف أن هذا المحور يعتبر حفتر مشروعاً جديداً في ليبيا، وأنها لا تريد أن تظهر بشكل واضح وفاضح أمام الشعوب، لكن الحراك الأخير كشف تورط تلك الدول بشكل كبير، ودعمها للعدوان على طرابلس.

الشنقيطي بين في حديثه لـالخليج أونلاينأن ما أنقذ ليبيا هو جهود الثوار وثباتهم في الميدان، وهو الذي يفرض الموقف السياسي في نهاية المطاف.

ولفت الانتباه إلى أن حفتر لو كان نجح في السيطرة على طرابلس، لكانت كل هذه القوى الدولية ترحب به، ولكن الثوار وقفوا له بالمرصاد، إضافة إلى موقف رئيس حكومة الوفاق في طرابلس فائز السراج، الذي وقف موقفاً حازماً؛ حينذاك اضطرت الجهات الدولية إلى تغيير موقفها.

من جانب آخر، يقول الشنقيطي لـالخليج أونلاين، إن دول المغرب العربي أدركت أن الأمر يتجاوز ليبيا؛ لأن حقيقة إشعال جبهة على حدود الجزائر التي تربطها مع ليبيا حدود تبلغ مساحتها قرابة 1000 كم، وتشهد الآن تحركاً سياسياً نشطاً، وإرباكها في هذا الوضع الانتقالي يعني الانقلاب على إرادة الشعب.

واستطرد قائلاً: “من جهة أخرى فإن حراك حفتر يعني تهميش المغرب، وهي الدولة التي  عقد فيها اتفاق الصخيرات حول الوضع في ليبيا، فضلاً عن محاولة خنق الثورة التونسية الواقعة على حدود ليبيا، وهي القريبة من طرابلس، فسيطرة حفتر على العاصمة، بحسب الشنقيطي، أخطر من مجرد صراع سياسي.

____________

الخليج أونلاين