Minbar Libya

بقلم سالي هايدين (ترجمة حفصة جودة)

فوق أسطح المباني العالية في تاجوراء والمجمع العسكري ومركز احتجاز اللاجئين جنوبيّ طرابلس، يتخذ القناصة مواقعهم، يقول أحد اللاجئين المحتجزين هناك: “الليلة لن ينام أحد من الخوف، يمكننا سماع صوت الرصاص وانفجارات القنابل قريبًا للغاية من مركز الاعتقال“.

كان عشرات الناس قد لقوا حتفهم في ليبيا منذ أمر الجنرال المنشق، خليفة حفتر، قواته في الجيش الليبي الوطني بالتقدم نحو طرابلس حيث مقر حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة، وفي يوم الإثنين اتهم غسان سلامة مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا حفتر بمحاولة الانقلاب.

وبينما يستعد المقاتلون الذين يسيطرون على تاجوراء للمواجهة، يعيش مئات اللاجئين والمهاجرين في المجمع وبقية مراكز الاحتجاز في طرابلس في قلق من أن يصبحوا الضحايا والهدف، فقد أجبروهم على القيام بدور نشط في دعم القوات العسكرية الموالية للجيش الليبي الوطني، ويعد إجبار اللاجئين والمهاجرين المحتجزين على دعم المقاتلين جريمة حرب.

منذ أن بدأ حفتر بالتقدم للقتال يوم 4 من أبريل، قال اللاجئون والمهاجرون في 3 مراكز احتجاز إنهم أخرجوهم من القاعات المغلقة وأمروهم بحمل ونقل السلاح إلى قواعد عسكرية في جميع أنحاء المدينة، وفي مركز رابع قال المحتجزون إن المقاتلين أخذوا بعضًا منهم وحتى الآن لا يعلمون مصيرهم وما حدث لهم.

يجب على السلطات أن تطلق سراح جميع المهاجرين المحتجزين بشكل تعسفي وتضمن سلامتهم

يقول أحد المهاجرين المحتجزين الذي يستخدم هاتفًا سريًا للتواصل: “تجبر قوات الشرطة والجنود المهاجرين على القيام بأعمال التنظيف وتحميل السلاح، ويخبرون المهاجرين أنهم إذا كانوا يتقنون استخدام السلاح فسوف يبقون معهم، ويجبرونهم على ارتداء زي عسكري“.

يضيف محتجز آخر: “كنا نغسل السيارات الممتلئة بدماء الجنود الذين قتلوا على الجبهة، كانوا يضعون جثث الموتى في السيارات العسكرية، لا أشعر أنني بخير عند القيام بذلك لكنني لا أملك الخيار، تقول جوديث ساندرلاند المدير المساعد لقسم أوروبا وآسيا الوسطي في هيومن رايتس ووتش: “إجبار المدنيين على حمل السلاح في مناطق الحرب يعد عملاً قسريًا مسيئًا وقسوة غير قانونية ويضعهم في خطر بلا ضرورة، كما أن إجبارهم على ارتداء زي عسكري يعني استخدامهم كرهائن أو دروع بشرية وكلاهما يعد جريمة حرب“.

وبدلاً من الضغط على المهاجرين المحتجزين للمشاركة في تلك الأنشطة الخطيرة، يجب على جميع الأطراف اتخاذ الإجراءات اللازمة لتجنب وقوع خسائر بين المدنيين، ويجب على السلطات إطلاق سراح جميع المهاجرين المحتجزين بشكل تعسفي وتضمن سلامتهم“.

هناك ما يقرب من 6 آلاف لاجئ ومهاجر في مراكز الاحتجاز الخاضعة ظاهريًا لمديرية مكافحة الهجرة غير الشرعية في ليبيا المرتبطة بحكومة فايز السراج، لكن في الواقع العديد من تلك المراكز يخضع لسيطرة الميليشيات.

يعد الـ600 محتجز في تاجوراء من بين عشرات آلاف الرجال والنساء والأطفال الذين تم اعتراضهم في البحر الأبيض المتوسط أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا خلال العامين الماضيين وتمت إعادتهم إلى مراكز الاحتجاز لأجل غير مسمى

ينفق الاتحاد الأوروبي عشرات الملايين من اليوروهات لتدريب وتمويل وتجهيز خفر السواحل الليبي للحد من معدل الهجرة من إفريقيا.

يقول أحد المحتجزين: “إنهم يعلمون ما يحدث داخل مراكز الاحتجاز الليبية لكن الاتحاد الأوروبي يتظاهر بأنه لا يعلم شيئًا، إن ليبيا ليست مكانًا آمنًا للمهاجرين واللاجئين، يجب أن يتوقف الاتحاد الأوروبي عن إعادة هؤلاء الذين يحاولون عبور البحر، ويقول محتجز في مركز آخر بطرابلس: “تعد ليبيا سوقًا للبشر، فالناس ما زالوا يعملون بالسخرة بها، فكيف يمكننا البقاء هنا؟“.

إذا توقفت عن العمل للحصول على بعض الراحة فإنهم يبدأون في الصراخ والتهديد، وإذا حاول المحتجزون الهرب فإنهم يطلقون النار عليهم

قبل تصاعد القتال في ليبيا خلال الأيام الماضية تحدّث أكثر من عشرة محتجزين حاليّين وسابقين عن تجاربهم في العمل القسري، وقالوا إنهم في بعض الأوقات كانوا يعملون لدى حراسهم في مراكز الاحتجاز وفي بعض الأحيان كانوا يعملون لدى أقارب الحراس، ويضيف اللاجئون والمهاجرون أنهم نظفوا المنازل وشيدوا المباني وعملوا في المزارع.

يقول لاجئ من إريتريا قُبض عليه في البحر في مايو 2018 وتمكن من الهرب إلى تونس بنهاية العام الماضي: “كان العمل فرصة عظيمة لنا كمحتجزين للهروب من السجن المزدحم، على الأقل يمكنك أن ترى الشمس وتستنشق الهواء النقي في أثناء هذا العمل القسري، أما النساء فلسن بحاجة لمغادرة مراكز الاحتجاز لكن القاصرات لم يسلمن من العمل الاستعبادي“.

يتم إجبار المحتجزين على العمل ربما لأربعة أو خمسة أشهر متتالية، ويقول أحد المحتجزين إنه بنى منزلاً لأحد الحراس العاملين في مديرية مكافحة الهجرة غير الشرعية، ويضيف: “إذا توقفت عن العمل للحصول على بعض الراحة فإنهم يبدأون في الصراخ والتهديد، وإذا حاول المحتجزون الهرب فإنهم يطلقون النار عليهم“.

في بعض الأحيان يحصل العاملون على سجائر أو خبز أو خضراوات كمكافأة وفي كثير من الأحيان لا يحصلون على أي شيء، وتؤكد العديد من المصادر من بينها هيومن رايتس ووتش والأمم المتحدة على انتشار العمل بالسخرة في مراكز احتجاز المهاجرين الليبية.

يقول التقرير الصادر عن مكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في ديسمبر الماضي إن المحققين وثقوا شهادات عن العمل القسري في 6 مراكز احتجاز بين عامي 2017 و2018 ومن بينهم مراكز تاجوراء وطريق السكة شمال طرابلس.

وفي أكتوبر العام الماضي أشعل لاجئ صومالي – 28 عامًا – النار في نفسه على طريق للسكة بعد أن غمر نفسه بالبترول الذي حصل عليه من أحد المولدات التي عمل بها وفقًا للشهود، ويقول أصدقاؤه إن عبد العزيز كان يشعر باليأس من حصوله على فرصة الإخلاء، وأكدت المنظمة الدولية للهجرة ووكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة وفاة عبد العزيز.

قبل عدة أشهر وصف أحد اللاجئين ما شاهده في مخزن الأسلحة حيث قال: “في أحد الأيام أجبروني على العمل في مخزن أسلحة وكان لديهم أسلحة متنوعة مثل الدبابات والصواريخ والقنابل المختلفة“.

***

سالي هايدن ـ صحفية ومصورة حائزة على جوائز وتركز حاليًا على الهجرة والصراعات والأزمات الإنسانية.

__________