Minbar Libya

نظمت وحدة الملف الليبي بمركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية بتونس يوم السبت 13 أفريل 2019 بنزل البيلفيدير بالعاصمة ندوة بعنوان ليبيا بين الصراع المسلح والتوافق السياسيوذلك تزامنا مع الأحداث الجارية في الشقيقة ليبيا.

الجزء الأول

استُدعي للندوة جملة من الخبراء وهم السادة: د. محمد إسماعيل الأكاديمي والجامعي الليبيي. والأستاذ محمد عمران كشادة وهو إعلامي وكاتب مرموق من ليبيا والأستاذ المهدي ثابت الباحث في الشأن الليبي ورئيس وحدة الملف الليبي بالمركز. وقد تضمنت الندوة ثلاثة محاور رئيسية:

المحور الأول: الأحداث الجارية وتأثيرها على التوافق السياسي \الأستاذ المهدي ثابت\

المحور الثاني: اتفاق الصخيرات .. مرجعية للتوافق السياسي أم محطة تجاوزها الزمن؟ \ الأستاذ محمد عمران كشادة\

المحور الثالث: الملتقى الجامع .. بداية للحل والتوافق أم مرحلة جديدة للصراع؟

وأدارت الندوة الإعلامية اللامعة رحاب السهيلي.

افتتح الندوة الدكتور رفيق عبد السلام رئيس مركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية بكلمة رحب فيها بضيوف المركز وبالجمهور الحاضر الذي غصت به القاعة.

وأشار في كلمته إلى ما يجري في الشقيقة ليبيا من أحداث هو متعلق مباشرة بالأمن القومي التونسي وأن تونس معنية مباشرة بما يجري.

كما أكد أن الحل في ليبيا لا يمكن أن يكون إلا سياسيا وأننا مع التوافق السياسي الذي يضمن بناء الدولة المدنية الديمقراطية وأن الهجمة العسكرية التي شنها أحد أطراف الصراع خلفها محور إقليمي معاد لموجة الربيع العربي وللتحول الديمقراطي في المنطقة بعد أن أدرك وأن ليبيا سائرة في اتجاه التوافق من خلال المؤتمر الوطني الجامع الذي كان مزمعا عقده هذه الأيام.

وأشار رفيق عبد السلام إلى أن الحرب والاقتتال ليس حلا ولن تجلب للبلاد إلا الخراب وعلى الجميع أن يعمل على إيقاف القتال والعودة إلى الحوار السياسي وهو الطريق الأمثل للحل.

مداخلة الأستاذ المهدي ثابت: الأحداث الجارية وتأثيرها على التوافق السياسي

مهد الأستاذ ثابت لمداخلته بمقدمة منهجية أطرت للأسباب التي أدت إلى حالة الاقتتال التي تعرفها الساحة الليبية الآن. فليبيا عرفت الانقسام بعد انطلاق عملية الكرامة وبعد حرب فجر ليبيا. إذ استقر البرلمان المنتخب سنة 2014 والمشكوك في شرعيته في مدينة طبرق بالشرق الليبي واستقر عبد الله الثني بحومته في مدينة البيضاء.

في حين عاد المؤتمر الوطني العام للانعقاد في طرابلس وشكل حكومة الإنقاذ لتصبح البلاد من ذلك الوقت بحكومتين وبرلمانين . وقد لحق الانقسام أهم مؤسسات الدولة السيادية مثل البنك المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط .

تبنى البرلمان المنعقد في الشرق الجنرال حفتر وسماه قائد عام للجيش الليبي وكانت تلك فرصة لحفتر ليتمكن من الاعتمادات المالية وشكل قوة عسكرية تمكن بها من السيطرة على الشرق الليبي وحتى على قرار الحكومة المؤقتة وفرار البرلمان ليتحول إلى الحاكم الحقيقي للمنطقة الشرقية وأصبح له طموح حقيقي لحكم ليبيا عسكريا على الطريقة المصرية.

أما في طرابلس والمنطقة الغربية عموما حيث الثقل الديمغرافي والسياسي والعسكري فقد عرفت المكونات السياسية فيها حالة من الانقسام الشديد خصوصا بعد دخول حكومة الوفاق إلى طرابلس بداية 2016 بين مؤيد للاتفاق السياسي (اتفاق الصخيرات الذي أفرز حكومة الوفاق بقيادة فايز السراج) وبين رافض له.

وقد عملت البعثة الأممية على دعم حكومة الوفاق طيلة السنوات التي تلت الاتفاق . لكن أداء الحكومة والمجلس الرئاسي لم يكن في مستوى انتظارات الليبيين والمجتمع الدولي . وكذلك لم تستطع البعثة الأممية للدعم أن تنزل الاتفاق السياسي على أرض الواقع وذلك بفعل التدخل الأجنبي القوي في الملف الليبي والذي فاقم الأزمة وزاد في حدتها وهو ما اضطرها إلى تسمية السيد غسان سلامة على رأس البعثة الأممية أواخر 2017 باعتباره عربيا له قدرة أكبر على فهم طبيعة الليبيين وكذلك عايش وضعا مشابها في لبنان .

وهذه الخبرة قد تمكنه من تطوير أداء البعثة للوصول إلى حل للأزمة التي طالت كثيرا. كان مشروع غسان سلامة الرئيس عقد مؤتمر وطني جامع يضم كل الفرقاء الليبيين وتكون مخرجاته عبارة عن خارطة طريق تعتمد للوصول إلى الحل النهائي أمام حالة الخلاف العميق بين البرلمان والمجلس الأعلى للدولة المخولان وفق الاتفاق السياسي لرسم ملامح مشروع الحل السياسي المؤدي إلى انتخابات رئاسية وتشريعية تنهي المراحل الانتقالية وتؤسس للوضع النهائي .

في هذه الإثناء كان الصراع الدولي على أشده بين قوتين رئيسيتين تسعيان بقوة لفرض أجندتهما في الداخل الليبي وهما إيطاليا وفرنسا المسنودة بمحور إقليمي يشتغل بقوة لواد الثورة الليبية عبر الدعم الكبير للجنرال حفتر معول الثورة المضادة في ليبيا.

نظمت فرنسا مؤتمر باريس في مايو 2018 وحضره الجنرال حفتر الذي فرضته فرنسا كأمر واقع . فتحركت ايطاليا بعد أشهر قليلة وعقدت مؤتمر باليرمو بغاية نسخ مخرجات مؤتمر باريس .

وكانت الولايات المتحدة تراقب هذا الصراع بين حليفيها وتلاحظ أيضا المحاولات الروسية للتمدد في المتوسط وبالتحديد في ليبيا برغبة كبيرة من الجنرال حفتر .

هذا الواقع جعلها تنخرط بقوة في الملف الليبي وكان ذلك عبر تسمية ستيفاني ويليامزكنائبة لرئيس البعثة في مرحلة أولى ثم الإشراف على لقاء أبو ظبي الذي أجبرت فيه الجنرال حفتر على القبول بالانضواء تحت السلطة المدنية قبل انعقاد الملتقى الجامع الذي تعد له البعثة الأممية للدعم .

إنه رغم قبول الجنرال حفتر بالعمل تحت إمرة سلطة مدنية إلا أنه كان يخطط لاقتحام طرابلس والقضاء على العملية السياسية وفرض أمر واقع على الليبيين وعلى المجتمع الدولي. ووجد في الوضع الجزائري المضطرب فرصة مناسبة لإطلاق عمليته العسكرية التي ثبت أنها أعدت بدقة ولمدة شهور وكانت تحركاته في الجنوب واقترابه لبعض مناطق الغرب الليبي تثير الريبة والشك لدى قوى المنطقة الغربية التي كانت تجد تطمينات من المجتمع الدولي بأن حفتر لن يقدم على أي حماقة تجاه طرابلس أو أي من مدن المنطقة الغربية.

أطلق حفتر عمليته بالسيطرة فجرا على مدينة غريان التي دخلها بدون قتال بتوافق مع كتيبتين عسكريتين من المدينة وجعل منها قاعدة لعملياته للسيطرة على العاصمة مراهنا في ذلك على حالة الفرقة التي تعرفها القوى السياسية والعسكرية في المنطقة الغربية وكذلك على الخلايا النائمة الجاهزة سلفا للتحرك بمجرد تحرك القوات من غريان في اتجاه العاصمة.

ولكن ما فاجأ القوة المهاجمة هو تداعي كل القوى العسكرية في العاصمة ومصراته والزاوية للدفاع عن طرابلس في وقت قياسي تاركين خلفهم كل خلافاتهم وبذلك خسر حفتر عامل المفاجأة الذي عول عليه للسيطرة على العاصمة وانقلبت الحرب ضده وبدأ يتلقى الضربات العنيفة وخسر عددا كبيرا من قواته بين قتلى وأسرى ناهيك عن الخسائر في الآليات والمدرعات.

وبالمنظور الإستراتيجي فإن الجنرال خسر معركة طرابلس ووضعه الميداني الآن في غاية السوء بعد قطع خطوط الإمداد التي تؤمن له الذخائر والمحروقات من طرف قوات الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق المعترف بها دوليا.

وقد خرجت المعارك الآن من نطاق طرابلس الكبرى لتتجه إلى غريان وترهونة ثم إلى الجنوب والشرق حسب الخطة التي أعدتها غرفة عمليات بركان الغضب“.

وبالمحصلة فإن البلاد مقدمة على ثلاثة سيناريوهات وهي إمكانية وصول قوات حكومة الوفاق إلى معاقل الكرامة في الشرق والسيطرة على كامل ليبيا وخروج حفتر نهائيا من المشهد أو أن تطول الحرب لتتحول إلى حرب أهلية تعرف بدايتها ولا تعرف نهايتها أو أن يتدخل المجتمع الدولي ويفرض وقف إطلاق النار والعودة إلى المسار السياسي على قواعد جديدة مغايرة لما قبل الحرب.

والأقرب أن المجتمع الدولي لن يقبل بحرب أهلية مفتوحة لما في ذلك من خطر على المصالح الدولية الكبرى في ليبيا. ولكن في كل الحالات سيكون الجنرال حفتر الخاسر الأكبر بعد هذه العملية.

البقية في الجزء الثاني

______________

وحدة الملف الليبي (مركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية)