Minbar Libya

بقلم المهدي ثابت

لم تعرف ليبيا منذ 2011 حدثا بضخامة وجسامة ما أقدم علية الجنرال حفتر من محاولة للسيطرة على العاصمة وعلى الحكم بقوة السلاح .

وهو ما غير كل المعادلات في البلاد وأحدث واقعا جديدا تحكمه ضوابط ومعايير جديدة سواء في التعاطي الداخلي أو مع الخارج. كما أن الحديث عن العملية السياسية أصبح من الماضي .

الجزء الثاني

3 / الهجوم على طرابلس:

بدأ حفتر هجومه فجر 4 أبريل 2019 بالسيطرة على مدينة غريان البوابة الجنوبية لطرابلس ودخلها دون قتال بعد التنسيق مع كتيبتين قويتين من المدينة . وقد نجح في إحداث المفاجأة في مرحلة أولى . ثم بدأ يدفع بمجموعاته إلى محاور جنوب وغرب العاصمة.

وكانت الضربة القوية الأولى التي تلقاها والتي أسهمت بشكل كبير في فشل عمليته هي أسر كتيبة بكامل عتادها وعدتها في منطقة 27 بين طرابلس والزاوية يوم 5 أفريل. وكانت مهمة هذه الكتيبة تتمثل في تأمين دخول قوة عبر البحر للسيطرة على مصفاة الزاوية وقطع الطريق الساحلي بين المدينتين لتحييد قوات الزاوية عن الالتحاق بالعاصمة.

أما في بقية محاور جنوب طرابلس فقد تحركت قوة حماية العاصمة بسرعة وفاعلية ونظمت صفوفها وتمكنت في مرحلة أولى من امتصاص الهجوم ثم من تنظيم خطوطها الدفاعية وهو ما مكنها من تكبيد القوة الغازية خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد . أما العامل الذي غير المعادلة نهائيا هو دخول قوات مصراته التي تمكنت من دحر قوات حفتر من أغلب المحور الجنوبي

الشرقي (وادي الربيع) ودعمت محور الجنوب (قصر بن غشير) الذي به قوة حماية طرابلس وهو أكثر المحاور اشتعالا خصوصا مع دخول قوة من ترهونة إلى جانب قوات حفتر. وهذا أخر عملية إحكام طوق طرابلس الذي سيليه الهجوم الشامل على قوات حفتر في كل المنطقة الغربية .

أما المحور الجنوبي الغربي فقد تكفل به اللواء أسامة الجويلي آمر المنطقة العسكرية الغربية وحرر كامل منطقة العزيزية إلى تخوم غريان وهو منجز إستراتيجي حول المعركة من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم .

كما أن قوات الزاوية المتمركزة في محور السواني مع القوة الوطنية المتحركة (قوة الأمازيغ) وقوة فرسان جنزور قد تمكنت من السيطرة على المحور بالكامل والتحمت مع محور العزيزية ليصبح غرب وجنوب غرب طرابلس محررا بالكامل من قوات حفتر وهو ما مكن من الوصول إلى الهيرة والقواسم التي تقع في سفح الجبل على بعد 5 كم من غريان لتتحول بذلك قوات حكومة الوفاق من الدفاع إلى الهجوم حيث تم تطويق مدينة غريان التي بها غرفة عمليات الكرامة .

ولعل ما سهل كثيرا في دحر قوات حفتر هو الخطة العسكرية المحكمة التي اعتمدت بشكل كبير على قطع خطوط الإمداد لقواته سواء للجبهات أو حتى لداخل مدينة غريان . والفضل يعود لقوات مصراته التي سيطرت على الطرق الرئيسية في الصحراء جنوب غريان بقوات على الأرض وبالضربات الجوية .

وبالسيطرة على محور قصر بن غشير سيكتمل طوق العاصمة في شكل هلال من البحر شرقا وإليه غربا وبذلك تؤمن العاصمة تماما والانتقال إلى المرحلة الثانية وهي تحرير مدينتي غريان وترهونة وكامل المنطقة الغربية.

إن الأمور تسير في اتجاه حسم الحرب لصالح حكومة الوفاق في طرابلس إذا بقي الطيران الأجنبي خارج حلبة الصراع.

4 / السيناريوهات الممكنة للحرب:

هذه الحرب لن تخرج عن ثلاث سيناريوهات ممكنة:

الأول: أن تندحر قوات حفتر من المنطقة الغربية وتتم ملاحقته إلى الجنوب والشرق إلى اجدابيا وهي أول مدن برقة من الغرب والتوقف هناك (الأقرب إلى الواقع) لتتحرك ضده بقية المدن الشرقية ويتم إنهاء الجنرال من هناك.

وهذا سيناريو وارد لأن شعبية حفتر انهارت في الشرق وهنالك شغل كبير من قيادات قبلية وعسكرية تنتظر وتهيئ للثورة عليه من الداخل مستغلة هزيمته العسكريةوسيكون ذلك بدعم سياسي وعسكري من مصراته وطرابلس

الثاني: أن تتواصل الحرب دون قدرة أي من الطرفين على حسمها لتتحول إلى حرب استنزاف للقدرات الليبية وتعمق التدخل الأجنبي وتنهي أي إمكانية للحل السياسي. وقد تفضي في النهاية إلى انفصال إقليم برقة . وهو سيناريو وارد وتشتغل عليه مصر بقوة لأنه المناسب لمصالحها تماما.

كما سيكون مناسبا لحفتر لأنه الخيار الوحيد الذي يمنعه من أن يكون مقتولا أو مسجونا أو طريدا

الثالث: أن تتدخل القوى الدولية وتفرض وقفا شاملا لإطلاق النار من شروطه عودة حفتر إلى مواقعه ما قبل الحرب لتنطلق العملية السياسية من جديد .

وهذه المرة بإدارة خارجية تكاد تكون مطلقة وبحضور أمريكي قوي سيخفض بدرجة كبيرة من حضور حفتر الذي عطل الحل السياسي لسنوات والذي ارتكب عديد الحماقات التي أفقدته ثقة الأمريكان ومنها اتصالاته بالروس وانكشاف رغبته في حكم ليبيا بقوة السلاح وأيضا ثبوت ضعفه العسكري مقارنة بمصراته وطرابلس اللتين متنتا علاقتهما كثيرا بالولايات المتحدة واللتين تعتبران القوة الحقيقية في ليبيا عسكريا واقتصاديا.

ويمكن أن يتحدث البعض عن سيناريو رابع نستبعده تماما وهو انتصار حفتر وسيطرته على البلاد .

هذا السيناريو في غير الوارد على الإطلاق بالنظر لموازين القوى على الأرض . والدليل فشله الذريع في هذه العملية التي خطط لها لفترة طويلة والتي أعد لها بكل ما يملك من القوة العسكرية والمالية . واعتمد على عنصر المباغتة الذي عادة ما يحسم الحرب.

ولكنه رغم كل ذلك فشل فشلا ذريعا. ووضعه الميداني الآن في أسوء أحواله وهو ما اضطره لاستعمال السلاح الثقيل وصواريخ الجراد لقصف المدنيين من مسافات بعيدة كان يسيطر عليها عله بذلك يفرض على حكومة الوفاق القبول بوقف إطلاق النار .

5 / لماذا خسر حفتر في مغامرته ؟

قبل هذه الحرب كان في الشارع الليبي تيار مهم مساندا للجنرال حفتر وكان يعتبره فعلا صادقا في بناء مؤسسة عسكرية وطنية وفي محاربة الإرهاب. ولكن بهجومه على العاصمة وضربه العملية السياسية في مقتل فقد الكثير من التعاطف معه وظهر على حقيقته كجنرال عسكري متعطش للسلطة .

وأن ما كان يعتبر في تقدير الكثيرين جيشا ظهر وأنه مجرد مجموعات تفتقد للخبرة العسكرية وبها عدد من المرتزقة الأجانب وأطفال ذوي 17و18 سنة مكانهم الطبيعي على مقاعد الدراسة وقد استعملهم حفتر كوقود للحرب. ثم كان دكّه للمدنيين بالصواريخ الضربة التي أنهت رصيده الأخلاقي وجعلت من أنصاره في الداخل والخارج عاجزين عن الدفاع عنه .

أما الضربة القاضية له فهي هزيمته في هذه الحرب والتي ستنهيه عسكريا وسياسيا وستضاف إلى هزيمته في وادي الدوم سنة 1987 .

ماذا ربحت المنطقة الغربية من هذه الحرب؟

ما جرى في المنطقة الغربية لم يكن يتوقعه أكثر المتابعين تفاؤلا. فالعارف بالساحة الليبية في الغرب الليبي يدرك حجم الخلافات المستحكمة بين مختلف المكونات السياسية والعسكرية.

ولكن ما حصل بعد الهجوم على طرابلس غير المشهد بالجملة والتفصيل إذ أن من رفعوا على بعضهم السلاح بالأمس القريب ومن تخاصموا إلى حد التخوين نجدهم اليوم قد تركوا كل خلافاتهم جانبا واتحدوا على قلب رجل واحد في جبهة عسكرية متماسكة أسقطت مشروعا يرغب في إعادة ليبيا إلى حضن العسكر وإلى منظومة الاستبداد.

هذا التحول الكبير وهذا التقارب بين مختلف المكونات في المنطقة الغربية يعتبر منجزا استراتيجيا . فهذه القوى في علاقة بحكومة الوفاق هي من سيحدد طبيعة المرحلة القادمة وهي من سيخاطب العالم في شكل قوة متحدة على هدف بناء الدولة المدنية الديمقراطية .  

وأيضا فإن القوى العسكرية التي تدافع عن مدينة طرابلس هي من ستكون النواة الحقيقية للمؤسسة العسكرية الليبية.

أما حكومة الوفاق فإنها ستجد نفسها منفتحة على هذه القوى بفعل الأمر الواقع أمام زوال أهم معوقات التقارب السياسي في علاقة بالداخل والخارج . فداخليا لن يكون هناك حساب في المستقبل للجنرال حفتر ولن تخضع حكومة السراج للضغوط الفرنسية والإماراتية باعتبار وأن أهم قوتين في العالم وهما أمريكا وروسيا قد اتفقتا على مساندة الطرف الذي سيحسم المعركة ميدانيا.

المكسب الآخر الكبير الذي تجلى بوضوح بعد الهجمة على طرابلس والذي سيؤثر بشكل فعال على الرأي العام الدولي وعلى صناع القرار لدى القوى الكبرى هو هذا التلاحم الشعبي غير المسبوق في مساندة حكومة الوفاق وثوار فبراير في الدفاع عن العاصمة ورفض مشروع العسكرة.

لقد عادت اللحمة للمنطقة الغربية وعاد لفبراير بريقها وتلقت الثورة المضادة ضربة عنيفة. فما بعد الهجوم على طرابلس لن يكون ما قبله بالتأكيد.

6 / في علاقة حكومة الوفاق بالجنرال

منذ دخول حكومة الوفاق إلى طرابلس بداية 2016 كان السيد السراج يعتبر الجنرال حفتر شريكا في العملية السياسية وواجه كل الضغوط المطالبة بإقصائه رغم أن الأخير بقي متمردا على حكومة طرابلس المعترف بها دوليا ورافضا للاتفاق السياسي .

وقد سبب هذا للسراج في عديد العداوات مع مكونات أساسية في المشهد داخل المنطقة الغربية . ورغم ذلك بقي مصرا على التواصل معه بل وقدم جملة من التنازلات لإرضاء الجنرال . وكان السيد السراج من خلال سياسته هذه يرغب في توحيد البلاد بقوة السياسية لا بلغة السلاح . فهو يعتبر نفسه رجل الوفاق والسلام لا رجل الحرب.

ولكن ثبت أن خياره كان خاطئا فالجنرال حفتر لا يريد أن يكون جزءا من الحل بل أن يكون كل الحل ولو أحرق من أجل ذلك البلاد. واليوم قطعت شعرة معاوية بين الرجلين ولن يكون هناك مركب يسعهما ولا إمكانية بالمطلق لأي شكل من أشكال الوفاق بينهما. ومن سينتصر في الميدان هو من سيزيح الآخر من المشهد ولن يجد هذا الخيار رفضا دوليا . فطبيعة المرحلة سيحددها صوت المدفع لا ضجيج السياسة والمؤتمرات.

***

المهدي ثابت ـ باحث في الشأن الليبي

___________