Minbar Libya

بقلم ناجي عيسى سالم

افترضت الدراسة ان بعض دول الشرق الأوسط تعيش الان حالة من الفوضى بسبب التدخل الخارجي باستخدام العنف في حين ان الدعوات الفكرية من ذات المصدر الذي يقود التدخل الخارجي من الخلف يطالب باستخدام طرق سلمية للتحول الديمقراطي.

الجزء الأول

هذا التناقض، بين التدخل الخارجي باستخدام العنف والدعوات لاستخدام طرق سلمية للتحول الديمقراطي، قاد الى طرح تساؤلات منها:

هل يمكن ان تحدث الفوضى نظام؟

هل الفوضى وسيلة سلمية لإحلال الديمقراطية؟

كيف يحدث هذا؟ ولماذا؟

وقفت دراستنا على بعض الرؤى الفكرية المؤسسة للفوضى وانطلقت من فرضية مفادها أدى التدخل الخارجي عبر استراتيجية النضال السلمي في تغيير النظام السياسي الى صناعة فوضى في ليبيا.

وعبر استخدام الإطار التحليلي والوقوف على حالة الدراسة تبين ان هناك علاقة بين متغيرات الفرضية بمعنى أدت استراتيجية النضال غير العنيف الى احداث الفوضى وان مصطلح الربيع العربي غربي النشأة وهو مشروع امريكي تم التخطيط له عبر مؤسسات بحثية أمريكية وبدعم حكومي كبير.

يشار إلى المفهوم العام لـ النظامبأنه مجموعة عناصر مترابطة ومنسقة، تعمل معا لتشكل منظومة واحدة وهو مشتق من الترتيب، إذا النظام والفوضى نقيضان.

تهتم هذه الورقة البحثية بظاهرة سياسية كانت قد برزت مطلع العقد الأول من الألفية الثانية من هذا القرن. وهي ظاهرة الهدم وإعادة البناء عبر صناعة الفوضى داخل النظم السياسية القائمة.

تلك النظم كانت قد صُنِّفت، بأنها دكتاتورية وشمولية، أو هشة وفاشلة، وغير حرة في منطقة الشرق الأوسط من قبل مؤسسات ومراكز بحثية غربية. ونشير إلى بعض بلدان المنطقة (العراق، سوريا، اليمن، ليبيا). هذا القرار اتخذ من بعض الفاعلين في السياسة الدولية، واستندت في وسمها وتصنيفها بأنها الشمولية والدكتاتورية على تقارير من منظمات ومؤسسات دولية.

تنطلق مشكلة الدراسة من افتراض مفاده: تحولت بعض بلدان الدراسة إلى دول تعيش حالة من الفوضى، بمعنى آخر أن المبررات التي قادت للتدخل الخارجي باستخدام العنف أو الـ لا عنف بهدف إحلال الديمقراطية وتحطيم الدكتاتورية هي من خلق فوضى بداخل تلك البلدان.

نحن نعتقد أن هذه السياسات لا تتوافق مع أطروحة النضال السلمي في إحلال الديمقراطية وتحطيم الدكتاتورية أو ما بات يعرف باستراتيجية القوة الناعمة أو الثورات الناعمة في التحول الديمقراطي. هذا الافتراض قادنا إلى طرح التساؤلات التالية:

ـ هل يمكن أن تؤدي الفوضى إلى نظام؟

ـ هل صناعة الفوضى هي إحدى وسائل النضال باللاعنف؟

ـ الفوضى الخلاقة هي خلاقة لصالح من؟ وهدامة بالنسبة لمن؟

هل هناك علاقة بين أطروحة اللاعنف في تفكيك النظم الدكتاتورية واستراتيجية صناعة الفوضى؟

فرضية الدراسة: أدى التدخل الخارجي عبر استراتيجية النضال السلمي في تغيير النظام السياسي إلى صناعة فوضى في ليبيا. واعتبرت الدراسة أن استراتيجية النضال السلمي متغير مستقل، والفوضى متغير تابع، واعتبر العامل الخارجي متغير وسيط مع ثبات وعزل أي عوامل أخرى.

،ويتوقع أن يكون اتجاه العلاقة السببية بين متغيرات الفرضية هي موجبة الإتجاه بمعنى أنه كلما كان هناك حراك سلمي عبر الدعم أو التدخل الخارجي بشكل مباشر أو غير مباشر، كلما أدى ذلك إلى خلق فوضى داخل مجتمع دولة الدراسة.

إن سبب الفوضى يرجع إلى وجود ما بات يعرف باستراتيجية اللاعنف في النظام نحو تحطيم الدكتاتورية وإحلال الديمقراطية بالمقابل نفترض فرضية بديلة وهي لا وجود للعلاقة المشار إليها أعلاه.

وقد يبرز تساؤل حول ما هي منطقة الشرق الأوسط التي تعنيها الورقة؟ لذا يتطلب الأمر تحديد بعض المفاهيم الإجرائية حيال بعض المصطلحات ذات العلاقة .

التعريفات الإجرائية:

منطقة الشرق الأوسط: هي تلك المنطقة الموصوفة جغرافيا بالنسبة إلى أوروبا. وهي منطقة اهتمام القوى الفاعلة والمؤثرة في السياسة الدولية وتشمل دول منطقة الشرق الأوسط البلدان: إيران، الباكستان، السعودية، تركيا، البحرين، قطر، الإمارات، الأردن، فلسطين، الكويت، اليمن، سوريا، لبنان، مصر، ليبيا.

صناعة الفوضى: هي تلك الخطوات العملية التطبيقية المخطط لها وتنفذ بمساعدة خارجية، وقد تأخذ أشكال عدة منها النضال السلمي أو العنيف بغية إدارة الصراع الناشئ من الأزمات، التي خلقتها استراتيجية الفوضى وهي تطبيق عملي لفلسفلة سياسية أمريكية النشأة والأصل.

مبررات وأسباب اختيار الموضوع:

إن الوقوف على طبيعة العلاقة ما بين النضال السلمي واستراتيجية الفوضى الخلاقة ومحاولة فهم تلك العلاقة هو أحد مبررات هذه الورقة البحثية بالإضافة إلى توضيح إثر استراتيجية اللاعنف في تغيير النظم وعلاقتها بالرأي المعارض للتدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول، كما أنه من الناحية التطبيقية تعد مبررا إلى ما سوف تضيفه للرأي المساند حول العامل الأيديولوجي وأثره على استقرار النظام السياسي في مجتمع الدراسة.

أهداف الدراسة: تهدف الدراسة إلى الكشف عن العلاقة بين استراتيجية النضال السلمي وإحداث فوضى داخل ليبيا، ومحاولة تفسير ووصف ظاهرة الفوضى الخلاقة في دولة الدراسة.

حدود الدراسة: تشير إلى الحدود الموضوعية ضمن إشكال الدراسة وهي ماهية الفوضى الخلاقة؟، ومدى علاقتها بالنضال السلمي؟ أما الحدود المكانية فهي دولة ليبيا بحدودها المتعارف عليها قبل عام 2011، والأفق الزمني يبدأ مطلع عام 2011 وهو تاريخ بداية التطبيق العملي لنموذج جديد من الفوضى الخلاقة (الربيع العربي) وحتى مايو 2018، وهو تاريخ إعداد هذه الورقة.

الدراسات السابقة: ناقشت العديد من الدراسات والبحوث العربية والأجنبية والندوات العلمية هذا الموضوع، منها ما تمكن الباحث من الإطلاع عليها ونذكر منها:

ـ دراسة حول نظرية الفوضى الخلاقة وأثرها على الأمن القومي العربي، أسامة الكرد ـ رسالة ماجستير منشورة ـ أكاديمية الإدارة والسياسة للدراسات العليا 2016. ناقشت الفكر الاستراتيجي الأمريكي الذي أنتج مشروع الفوضى الخلاقة باعتبارها مشروع أمريكي في الشرق الاوسط واعتبر الربيع العربي نموذج عملي في ثلاثة دول عربية (مصر وليبيا وسوريا) وهي دراسة استشرافية بدأت عام 2003، وتوقفت عام 2016.

وإذ نتفق مع أسامة الكرد في أن الفوضى عملية مخطط لها وهي مشروع استباقي مدعوم الإعلام الموجه إبان انتفاضة الربيع العربي، وكذلك خلق رموز يمكنهم التجمع حوله. ونتفق أيضا حول الإطار المرجعي للفوضى الخلاقة، غير أن دراستنا تختلف من حيث النموذج والأدوات والإطار التحليلي.

ـ الفوضى الخلاقة وأثرها على التوازن الاستراتيجي العالمي رؤية في إشكالية عنونة المستقبل ـ علي بشار ـ المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية ـ 2014.

ناقشت الدراسة حالة الفوضى في العراق وتأجج الصراع الطائفي والعرقي . ونتفق مع دراسة بشار في نشأة وتطور الفوضى الخلاقة وانتقالها عبر بعض بلدان المنطقة، وخاصة في العلاقة الطردية ما بين تولي الإسلاميون السلطة

السياسية، وبين ظاهرة الفوضى الخلاقة. كما نتفق مع دراسته في أن الفوضى مرحلة تأتي لاحقة لإسقاط النظام، غير أن هذه الدراسة لم تتناول أساليب النضال السلمي التي كان قد بدأت به الفوضى عبر المظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات وجميعها وسائل نضال غير عنيفة في طرق إحلال الديمقراطية.

علاقة النظام السياسي ببعض المفاهيم:

كنا قد أشرنا في التقديم إلى مفهوم النظام بشكل عام، غير أن النظام السياسي هو وراء القصد فالنظام السياسي هو نظام اجتماعي، يقوم بعدة أدوار ووظائف استنادا إلى سلطة مخولة وهو مجموعة مؤسسات تقوم بعملية صنع القرار السياسي وفق قواعد وأجهزة مترابطة فيما بينها.

الإصلاح السياسي: هو تحسين وضع أو تعديل ما هو خطأ والإصلاح يهدف إلى معالجة بعض المشاكل دون المساس بأسياسيات النظام، ويسعى الإصلاح إلى تحسين النظام القائم دون الإطاحة به وقد يأخذ شكل إعادة ترتيب وبالتالي فإن الإصلاحات هي حالة سياسية، أو إنسانية يتوقع أن تكون مريحة بعد مرحلة فوضى متعمدة.

صناعة الفوضى: هي استراتيجية حديثة تعمل على إحداث الخراب داخل النظام القائم، وهي أطروحة نظرية تشير إلى منظومة من الإصلاحات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية تقوم على الهدم وإعادة البناء وفق توجهات معينة.

استندت دراستنا على منهجية وأسلوب تحليل يعتمد على المنهج الوصفي الاستنتاجي في معالجة واختبار الفرضية العامة عبر مبحثين وخلاصة.

الجزء التالي يتناول (المبحث الأول: مشروع الربيع العربي .. نموذج للفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط).

***

أ. ناجي عيسى سالم – كلية الاقتصاد، جامعة بنغازيليبيا

_______________

المركز الديمقراطي العربي ـ مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.