Minbar Libya

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا لأستاذي العلاقات الدولية ميزيسلو بوداسزينسكي وكريستوفر لامونت، يقولان فيه إن خليفة حفتر وقواته، شنوا هجوما في 4 نيسان/ أبريل على عاصمة ليبيا، طرابلس.

وبشير الكاتبان في مقالهما، الذي ترجمته “عربي21″، إلى أن “ذلك التحرك كان ذروة سنوات من السيطرة على مزيد من الأراضي، وبعد ذلك بعدة أيام، وعندما قامت طائرات حفتر الحربية بشن هجوم على مطار المعيتقة، آخر مطار مدني يعمل في العاصمة، حذر المبعوث الأممي غسان سلامة من ارتكاب (خرق خطير للقانون الإنساني)”.

ويلفت الكاتبان إلى أن “مليشيات حفتر استطاعت أن تسيطر على مطار طرابلس الدولي بشكل مؤقت، وهو المطار الرئيسي للعاصمة، ويبعد إلى الجنوب منها بخمسة عشر ميلا، ومع أن المطار كان مغلقا أمام الرحلات المدنية منذ عام 2014، عندما أصيب بأضرار خلال القتال بين المليشيات المتنافسة، إلا أن قوات حفتر أرادت استخدامه قاعدة انطلاق للهجوم على طرابلس، لكنهم لم يستطيعوا فعل ذلك: حيث أعادت المليشيات الموالية للحكومة المعترف بها دوليا (حكومة الوفاق) السيطرة على المطار بعد يومين”.

ويقول الباحثان: “هذه ليست هي المرة الأولى التي تتحول فيها المطارات الليبية إلى مركز الحرب الأهلية الدائرة، فمنذ الاطاحة بالديكتاتور القذافي عام 2011، تحولت المطارات، وكذلك البنية التحتية الضرورية، بما في ذلك محطات النفط ومخازن الأسلحة والمعسكرات والجسور والطرق الرئيسية، إلى أصول استراتيجية بالنسبة للمليشيات المتحاربة لأجل السيطرة على موارد ليبيا الطبيعية الضخمة، وفي المحصلة السيطرة على البلاد”.

ويفيد الكاتبان بأن “تاريخ مطار طرابلس مرتبط جدا بالحرب الأهلية، فعشية الانتفاضة عام 2011، كان العمال الأتراك يعملون بجد على بناء قاعات مسافرين جديدة، لكن اعمال البناء تلك لم تكتمل، وفي آب/ أغسطس عام 2011، قامت مجموعة من المليشيات، بينها كتائب الزنتان ومصراته، بتحرير المطار من قوات القذافي، وسيطرت كتائب الزنتان القوية على المطار، وتربحت بشكل جيد من دخل الجمارك والتهريب الذي وفره المطار، وأي شخص زار ليبيا عن طريق المطار بعد القذافي كانت تستقبله شاحنات التويوتا الصغيرة، التي تحمل الرشاشات المضادة للطائرات، وكان رجال الكتائب الذين أداروا المطار يلبسون أزياء الدولة الرسمية لإضفاء الشرعية على أنفسهم، لكن لا أحد كان في شك حول هويتهم الحقيقية”.

وينوه الباحثان إلى أنه “في تموز/ يوليو 2014، اشتعل القتال في طرابلس بين الزنتانيين وكتائب مصراتة، وأصبحت قيمة المطار واضحة بسرعة: فقام الزنتانيون بإحراق المطار، مفضلين ذلك على أن يقع في أيدي منافسيهم من مصراته، ومع ذلك قامت كتائب مصراتة بالسيطرة على بقايا المطار المحترقة في آب/ أغسطس 2014، ما اضطر الزنتانيين إلى الانسحاب”.

ويقول الكاتبان: “بدوره، أصبح أصغر مطار، وهو مطار معيتيقة الدولي، الذي يقع على بعد خمسة أميال شرقي العاصمة طرابلس، هو المطار الدولي للعاصمة، مع أن الخطوط الأجنبية لم تستخدمه تقريبا، وكان المطار يخدم ثلاثة خطوط جوية ليبية عشية اندلاع القتال، فكانت هناك حوالي 10 رحلات يوميا، معظمها لتونس وتركيا، بالإضافة إلى عدد قليل من الأماكن في الشرق الأوسط وأفريقيا”.

ويضيف الباحثان: “في تاريخ ليبيا الحديثة، الذي يبلغ قرنا تقريبا، فإن من يسيطر على مطار معيتيقة يسيطر على البلد، ففي بدايات العشرينيات من القرن الماضي قامت إيطاليا ببناء مطار هناك، وخلال الحرب العالمية الثانية أصبح المطار قاعدة عسكرية ألمانية، وقامت بريطانيا بالسيطرة عليه عام 1943، ثم تم تسليمه للجيش الأمريكي، وسماه الأمريكيون قاعدة ويليوس الجوية، وعلى مدى 25 عاما عاش الجنود الأمريكيون وعائلاتهم في القاعدة، ومع مرور الوقت، أصبح الوجود العسكري الأمريكي رمزا لاستغلال الغرب البغيض لمصادر ليبيا النفطية”.

ويفيد الكاتبان بأنه “عندما قام القذافي بالانقلاب على الملك الحاكم عام 1969، فإن أحد أول أفعاله كان طرد الجيش الأمريكي من قاعدة ويليوس (!!)، وقام القذافي بإعادة تسميتها بقاعدة عقبة بن نافع الجوية، واستخدمتها القوات الجوية الليبية والسوفيتية لبعض الوقت، وفي عام 1995، أصبح المطار هو مطار طرابلس المدني الثاني، وأطلق عليه الاسم الحالي، معيتيقة”.

ويذكر الباحثان أنه “خلال الثورة عام 2011، وقع مطار معيتيقة تحت سيطرة الكتائب السلفية، التي يقودها قائد شاب اسمه عبد الرؤوف كاره، ومنح كاره ومقاتلوه غطاء سياسيا ورواتب من السلطات الليبية الانتقالية الهشة، وكانت تلك الدفوعات جزئيا عبارة عن محاولة لتمكين الكتائب من أن تصبح هي التي توفر الأمن في طرابلس ما بعد القذافي، وأعطيت كتائب كاره، كتيبة النواصي، مهمة مكافحة الاتجار بالمخدرات والتهريب والإرهاب”.

ويشير الكاتبان إلى أن “كاره، متخذا من المطار قاعدة له، قام بمنح نفسه مهمة أوسع: حيث قامت كتائبه بحملة قتل انتقامي بعد 2011، حيث تصيدت مسؤولي القذافي الأمنيين وغيرهم ممن ارتبطوا بالنظام السابق، وفي عام 2018 اعترفت الأمم المتحدة بحكومة التوافق الوطني، التي تسيطر اسميا على طرابلس وأجزاء من غرب وجنوب ليبيا، التي قامت باستيعاب كتائب كاره وغيرها، وأعادت تصنيفها على أنها قوات ردع خاصة، وهي جزء رئيسي من الجهاز الأمني الوطني، وبالرغم من العمل اسميا تحت سلطة وزارة الداخلية، إلا أن القوة تحتفظ بهيكلها القيادي، وتعمل بمستوى كبير من الاستقلالية كونها واحدة من الكتائب الأربعة المتنفذة التي تتنافس للسيطرة على طرابلس”.

ويقول الباحثان إن “كاره أصبح من قاعدته في معيتيقة، أمير حرب صغير، بالإضافة إلى أنه انخرط في التشدد الديني أيضا، وإن كان تحت فرع السلفية التي تعارض العنف الجهادي، وتم توجيه أصابع الاتهام إلى قوات الردع الخاصة في التهريب وغيرها من الجرائم، كما أصبح سجن معيتيقة الذي تديره الكتائب أكبر سجن في الغرب الليبي، ويحتوي على حوالي 2600 رجل وامرأة وطفل، وهو موقع يتم فيه السجن التعسفي والتعذيب والحرمان من العلاج والوفاة داخل المعتقل”.

ويجد الكاتبان أن “مطارات ليبيا أصبحت رمزا مأساويا لفشل الحكومة المركزية التي تعترف بها الأمم المتحدة، فكلها في أيدي الكتائب المسلحة التي لا تستطيع حكومة الوفاق السيطرة عليها، فمثلا مطار بنينا الدولي في بنغازي في شرق ليبيا يعد مركزا لوجستيا مهما، ونقطة اتصال بين آلة حفتر الحربية وحلفائه الإماراتيين والفرنسيين والروس والسعوديين، وفي الجنوب الليبي، يسيطر الجيش الوطني الليبي على قواعد جوية، مثل تمنهنت بالقرب من سبها، تسمح لميليشيات حفتر باستعراض نفوذها على مساحات استراتيجية مهمة من ليبيا، وتقوي من قبضته على حقول النفط في المنطقة”.

ويرى الباحثان أنه “مع أن المطارات تعطي انطباع الدولة الحديثة، فإنها تظهر العكس: حيث أصبح الأمر مختزلا في مليشيات صغيرة تتناحر على مساحات مدمرة من الأرض، بالإضافة إلى أنها تذكر بالفشل الدولي في ليبيا، ففي عام 2011 تدخل الناتو لحماية المدنيين ومساعدة الليبيين للإطاحة بالقذافي، لكنه لم يفعل شيئا بعد ذلك لضمان بقاء البنية التحتية والمؤسسات الضعيفة محمية خلال الفترة الانتقالية الهشة”.

ويلفت الكاتبان إلى أنه “لم يكن هناك دفع موحد تجاه نزع سلاح المليشيات، وبدلا من ذلك قام اللاعبون الخارجيون، مثل قطر والإمارات، باختيار مليشياتهم الوكيلة المفضلة، وإمدادهم من خلال مطارات ليبيا، والآن أصبح تغيير هذا الوضع غير ممكن”.

ويقول الكاتبان إن “الأمر سيصبح أسوأ إن نجح حفتر في جهوده للسيطرة على طرابلس، وقطع اتصال حكومة الوفاق الوطني مع العالم الخارجي، وسيكون حفتر قادرا على استخدام مطار معيتيقة لتعزيز إمدادات جيشه في غرب ليبيا، ومنع ممثلي حكومة الوفاق الوطني من الوصول إلى المجتمع الدولي، وتقويض جهود الأمم المتحدة على مدى الأربع سنوات الماضية لدعم شرعية حكومة الوفاق الوطني”.

ويختم الباحثان مقالهما بالقول: “يظهر القتال على مطارات ليبيا الوجهة التي تسير تجاهها البلاد، فما دامت الكتائب تستخدم المطارات لضمان وصول الإمدادات والمساعدات من الداعمين الأجانب، ستبقى الكتائب الليبية قادرة على زعزعة مؤسسات الدولة الضعيفة، وستبقى مطارات ليبيا، بالإضافة إلى حدودها، مراكز تهريب وابتزاز واحتجاز خارج القانون، وممارسات آخرى تقوض إمكانيات الدولة وحقوق الإنسان.

____________