Minbar Libya

بقلم الصحبي الماجري

حفتر على أبواب طرابلسهناك حيث يخوض نيابة عن بارونات وأمراء الثورة المضادة في المنطقة العربية حربا قذرة هدفها الوحيد القضاء على كل حلم عربي في بناء دولة مدنية ديمقراطية لكل مواطن فيه حظ.

حفتر في النهاية ليس إلا بيدقا يحمل سلاحا موجها من الغرف المغلقة في الشرق والغرب لحسم المعركة لفائدة الماضي على حساب المستقبل.

الكل في الغرب والشرق يعلمون أنه ليس من مصلحتهم قيام حكومات وطنية حقيقية نابعة من إرادة الشعوب العربية لأنها وبكل بساطة تهدد عروش الطغاة في الشرق ومصالح الدول الإمبريالية الاستعمارية في الغرب والتي يرى الكثير من سياسييها ومفكريها أن الدولة الديمقراطية لا تصلح للشعوب الشرقية.

ففي النهاية حفتر لا يختلف عن كل الطغاة الذين أفسدوا في بلاد الشرق ودمروا مستقبلها وباعوا ثرواتها بالمجان لحماتهم في الغرب.

ولذلك كله وغيره كثير يمثل حفتر خطرا أكيدا على مستقبل الدولة الديمقراطية المتعثرة في تونس.

لقد صرح الرجل كثيرا وعلنا أنه لن يسمح بقيام دولة ديمقراطية في تونس وسيحاول إجبار تونس على الدخول في معسكر الثورة المضادة ولو بقوة السلاح مبررا ذلك بمحاربة الإرهاب وهو المتحالف مع أشد التيارات إرهابا في السلفية.

إن موقف بعض وسائل الإعلام ومحلليها السياسيين الوهميين لا علاقة لهم لا بالتحليل ولا بالسياسةومساندة أحزاب وشخصيات سياسية في تونس لحفتر هو دليل على قصور فهمهم السياسي وعدم إداركهم لحقيقة الخطر القادم من الحدود الجنوبية لتونس ودليل على تفاهة العقل الايديولوجي الذي يوجه خياراتهم ومواقفهم نكاية في حركة النهضة متناسين أن دعمهم لحفتر يهدد الوطن لا الحركة.

إنه قصور فادح في التحليل وبناء النتائج وغياب لرؤية استشرافية تنظر بعين العقل للمستقبل لا بعين القصور الايديولوجي.

فما الذي يمكن أن يحدث لتونس لو حكم حفتر طرابلس؟

إن الرئيس حفتر سيكون أكبر كارثة تهدد البلاد التونسية لو حصلت وكابوس أخطر مما كانه القذافي، فالقذافي في النهاية لم تكن له طموحات توسعية في تونس وكان همه الوحيد الوحدة العربية أما حفتر فلا يخفي طموحاته التوسعية نحو تونس وأنه يجب أن تكون جزء من ليبيا بل مطمورة ليبيا الغنية بحكم فقرها كما صرح بذلك بنفسه.

وحفتر رجل سادي ونرجسي ولن يقبل بالحلول الوسطى بل سيسعى لتركيع تونس بكل الطرق ولو بالقوة الغاشمة معتمدا على الثروة الليبية الهائلة والدعم اللامحدود من الغرف المغلقة في الشرق والغرب.

أنه الكابوس القادم لتونس والخطر المهدد لوجودها وكيانها. فمن يدعم حفتر في تونس إنما ينتصر لزوال الدولة التونسية.

ذاك هو المستقبل لو أصبح حفتر حاكما لليبيا مدعوما من مصر السيسي التي تلتقي معه في أهداف اجهاض كل أمل لبناء دولة مدنية ديمقراطية في المنطقة العربية.

فالصراع في طرابلس ليس مجرد صراع ليبي ليبي داخلي لتقاسم السلطة بل صراع بين مشروعين في المنطقة العربية:

ـ مشروع التحرير وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية التي تستمد سيادتها من الشعوب

ـ ومشروع الدولة الاستبدادية التي يحكمها الطغاة الفاسدون الموالون موالاة تامة لحماتهم في الغرب… تلك هي حقيقة الصراع اليوم في كامل المنطقة العربية من المغرب إلى المشرق.

إن كل داعم لحفتر في تونس أنما هو مدافع عن مشروعه الاستبدادي المعادي لسيادة الشعوب وتحكمها في مصيرها وهو بذلك يريد تسليم السلطة من يد الشعب إلى يد الطغاة العسكريين.

ومن حسن حظ تونس أن عقيدة جيشها وطنيه وأنه زاهد في السلطة وداعم لسيادة الشعب ولذلك يريد هؤلاء الاستقواء بحفتر ومن ورائه من الغرف المغلقة ليبسطوا أيديهم على تونس لأنهم عاجزون على إقناع الشعب بصندوق الانتخاب فيريدون إجباره بصندوق الرصاص.

إن مصلحة تونس العليا تكمن في هزيمة حفتر ومن ورائه من الغرف المغلقة وفي الحد الأدني ألا يكون الحاكم الوحيد لليبيا وإنما شريك في الحكم في دولة ليبية مدنية ديمقراطية تحد من سلطته القاهرة وتجعل منه سبسي لا سيسي.

لقد أدركت الديبلوماسية التونسية خطورة الأمر ولذلك تحاول مع الجارة الجزائر الضغط على مصر لفرض الحل السياسي على حفتر الذي يمثل أيضا خطرا على مصالح الجزائر التي يعلم الجميع أنها مستهدفة لأنها أخر الدول العربية القوية والتي تهدد مصالح إسرائيل والصهاينة العرب في المنطقة.

ولذلك تستهدف من فرنسا حليفة حفتر التي تحاول بكل الطرق منع نجاح الحراك الشعبي الجزائري الذي إن نجح سيكون الضربة القاسمة لكل أحلام حفتر ومن ورائه لإجهاض المشروع الديمقراطي في تونس.

إن مصلحة تونس تكمن في أمرين:

الأول فشل الغزوة الحفترية على طرابلس واستسلام حفتر ومن ورائه للحل السياسي وتقاسم السلطة في الحد الأدنى للجميع.

والثاني نجاح الحراك الجزائري بما تمثله الجزائر من ثقل حيوي واسترايجي لتونس ومن سند دائم لا ينكره إلا جاحد.

إن نجاح الثورة السودانية أيضا أمرا مطلوبا من أجل الشعب السوداني ومن أجل تواصل وديمومة التجربة التونسة ونجاحها فالسودان ستشكل جزاما ديمقرطيا أمنا لتونس في الحدود الجنوبية لمصر.

إن نجاح الحراك الشعبي الجزائري والثورة السوادنية سيكون صفعة قاسمة للغرف المغلقة في الغرب والشرق وجدارا حاميا وعازلا للتجربة الديمقراطية التونسة ودافعا لشعوب المنطقة حتى تعيد النظر في ولائها المطلق للطغاة.

التاريخ في حركة دائمة إلى الأمام ولا يمكن لعجلة الماضى مهما فعله عن تبعده عن مساره ولا أن تبعد الشعوب عن مصيرها المحتوم في أن تكون سيدة نفسها.

***

الصحبي الماجري ـ أستاذ فلسفة بالمدرسة التونسية بالدوحة

____________