Minbar Libya

بقلم هشام الشلوي

في ثمانينيات القرن الماضي، كان الجنرال حفتر رئيسا لمحكمة عسكرية أصدرت أحكاما بإعدام معارضين لنظام القذافي، وبعد ذلك بسنوات معدودة، مارس الجنرال حفتر وحشية في الحرب على دولة تشاد، حسب شهادات نقلها جنود كانوا تحت إمرته وقتها، ووثقها التاريخ المعاصر؛ من حرق للقرى وقتل لكل سكانها.

في مشهد آخر يمثل شخصية حفتر ونزوعه للتوحش، بعد عام 2011 ظهر حفتر في مقطع فيديو يدعو مليشياته وقواته إلى التنكيل بالأسرى وقتلهم، مشجعا إياهم على هذه الجرائم، وهو ما دفع مهووسا كمحمود الورفلي؛ إلى تصوير عمليات الإعدام داخل مدينة بنغازي على أعين الناس، وهي صورة موغلة في الوحشية فاقت تلك التي يراها الناس في أكثر الأفلام السينمائية رعبا.

بعد الرابع من نيسان/ أبريل الماضي، وعند دخول قوات حفتر إلى تخوم وضواحي العاصمة الجنوبية، تكررت المشاهد ذاتها، حيث ينشر جنود حفتر صورا لهم وهم يبتسمون ويقهقهون أمام جثث قوات الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق الوطني.

فجنود حفتر يؤكدون الصورة النمطية والمخيال الراسخ في ذهن معارضيه بقسوتهم التي لا علاقة لها بأية أعراف عسكرية.

الناطقون باسم حفتر يرددون في مؤتمراتهم الصحفية مصطلح العدوعلى قوات حكومة الوفاق، وكل من يعارضهم، هذا الاستخدام ليس عبطا أو وليد انفعال وشحن عاطفي، بل هو منهج يستحل القتل والسحل وقصف بيوت المدنيين بكل أنواع الأسلحة الثقيلة والطائرات، فهي كلمة تغرق قلوب وعقول قوات حفتر بكل أنواع التوحش البدائي، وتحولها إلى آلات جامدة خالية تماما من الوعي ووخز الضمير.

اللافت، أن أنصار ومؤيدي حفتر لم يتعلموا من درس السنوات الأربع الماضية، حيث إن كثيرا من مؤيدي كل عمليات حفتر العسكرية جرى التخلص منهم؛ إما بالإبعاد أو السجن أو القتل، ليتصدر بعد ذلك أبناؤه وأبناء عمومته، المقربون من دوائر صنع القرار المالي والعسكري، والذين ارتضوا البقاء معه شعروا واستفادوا من أن دور البيدق هو أفضل الألعاب للاستمرار والمحافظة على البقاء.

اليأس

على المستوى السياسي جاء عدوان وهجوم حفتر على العاصمة طرابلس في تقديري نتيجة يأسه وحالة الإحباط التي وصل إليها، بعد عجزه السياسي عن الوصول إلى سدة الحكم والتفرد المطلق بالسلطة.

اتفاق الصخيرات السياسي حدد لحفتر المناطق التي يمكن أن ينفذ منها، وهي العملية السياسية القائمة على الشراكة وليس التفرد.

وممثله في المجلس الرئاسي، علي القطراني، لم يدخل طرابلس قط، مصرا على التمترس خلف حفتر في بنغازي، وهذه رعونة أفقدت حفتر أحد أوراقه السياسية المهمة، حتى فتحي المجبري الذي لم يخف إعجابه بحفتر وتأييده لعملياته العسكرية في كل ناحية وصوب، لم يكن مفيدا لحفتر، لاستعجاله الشديد وضيق رؤيته ونفسه.

عموما، يقول العارفون بحفتر إنه سريع الغضب والنزق، ولا قدرة له على العمل السياسي، لذا عند كل منعطف أو منعرج، يلجأ دونما حساب للعواقب، إلى تغذية الصراعات والتوتر العالي والحروب، حتى يبقى اسمه مطروحا بشكل دائم ومستمر.

حفتر سارع بالهجوم على طرابلس ليأسه من الوصول إلى مبتغاه مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج، حتى إن الناطق باسم حفتر عبر عن هذا الملل في أحد مؤتمراته الصحفية عندما قال، لقد تحاورنا مع ضباط ممثلين لحكومة الوفاق قرابة السنة في القاهرة ولم نتوصل إلى شيء.
كما أن زاوية نظر حفتر إلى الخلافات داخل غرب ليبيا كانت ضيقة وعجولة بشكل مفرط،

فهو في تقديره وتقدير صنّاع سياساته من الدول الإقليمية الراعية لهذا الهجوم، أن خلافات السنوات الماضية بين المؤيدين والمعارضين لحكومة الوفاق، والصراعات الدائرة داخل طرابلس وحولها، ستجعل أحد هذه الأطراف إما محايدا أو منضما إليه في الهجوم على طرابلس،

وهو تقدير أظهرت الساعات الأولى للهجوم مدى هشاشته وضعفه، فكل القوى الرافضة لعملية حفتر العسكرية، من مختلف التيارات السياسية والعسكرية، التحمت سريعا تحت قيادة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني.

وهذا دفع آلة حفتر الإعلامية إلى تغذية الفتن والنعرات الاجتماعية، علها تؤتي ثمارها وتدب الخلافات والشقاق بين معارضيه، إلا أن هذه الوصفة أيضا باءت كغيرها بالفشل، فكل يوم، منذ الرابع من نيسان/ أبريل، تزداد القوة المسلحة والتيارات السياسية المعارضة لحفتر تماسكا وقوة وتقدما.

خلاصة القول ومنتهاه، أن غريزة التوحش البدائية هي التي قادت حفتر إلى هذا العدوان المجنون على ما يقارب من مليونين ونصف المليون من سكان العاصمة، وإمطارها بكل أنواع الصواريخ وقذائف الراجمات، مدعوما من دول إقليمية لا يروق لها ويقض مضجع حكامها أي سلام.. أي سلام فقط في المنطقة.

______________