Minbar Libya

بقلم مأمون خلف

«أنا قلق، أعتقد أن خلف الأحداث الأخيرة هناك أحدًا ما. أحدهم أطلق شرارة حرب كانت لا يجب أن تندلع أبدًا، ودعا لعقد انتخابات دون العودة لحلفائه ودون التواصل مع كل الأطراف المحلية المعنية.

أحدهم ذهب لهناك لفرض إملاءاته، ولتصدير ديمقراطيته، هذه الطريقة لن تجدي نفعًا أبدًا».

الجزء الأول

كان وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني قد أطلق هذا التصريح النقد القاسي بحق حكومة ماكرون الفرنسية في سبتمبر (أيلول) الماضي، بعد أن اندلعت المواجهات بين قوات خليفة حفتر وقوات حكومة الوفاق.

والتصريح يحدد ملمحًا أساسيًا لأحد محاور الصراع بين البلدين في ليبيا، ويواري خلفه آخر، ويتهم باريس بمحاولة دفع عملية سياسية لم تنضج بعد ظروفها، وليس بالإمكان حتى الالتزام بتطبيقها.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تتلاسن فيها الدولتان إعلاميًا بسبب تباين رؤاها السياسية بخصوص العملية السياسية في ليبيا، وترتيب أولوياتها؛ واللافت في الأمر أنه وبرغم مرور الوقت على هذا التصريح، إلا أنه لو قدر لنا أن نسمع رأي أي سياسي إيطالي اليوم فيما يتعلق بالدور الفرنسي هناك؛ لسمعنا التصريح نفسه على الأغلب.

ليبقى السؤال المطروح الآن.. كيف ينظر الطرفان إلى المسألة الليبية؟

ما هي منطلقات كل منهما في التدخل بالشأن الليبي؟

وما الذي يريده كل طرف؟

هذا ما سنحاول في هذا التقرير أن نجيب عليه.

الخلفيات التاريخية للصراع … ربما لم تسمع من قبل عن احتلال إيطاليا لفرنسا

لا يعود التنافس المحموم حاليًا بين إيطاليا وفرنسا بخصوص الوضع في ليبيا إلى عام 2011، حينما قاد الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي التسويق لأهمية التدخل العسكري في ليبيا للإطاحة بنظام القذافي، وهو التدخل الذي اعتبره رئيس الحكومة الإيطالية الأسبق سيلفيو برلسكوني تهديدا لمصالح إيطاليا الاقتصادية والسياسية في هذا البلد، لكن التاريخ يخبرنا أن الصراع بين القطبين الأوروبيين يعود إلى ما قبل ذلك بكثير.

ففي صيف عام 1940 غزت قوات المملكة الإيطالية بقيادة الوزير الأول آنذاك، موسوليني، الأراضي الفرنسية الجنوبية دعمًا لحليفه الألماني في حربه ضد فرنسا وبريطانيا.

لتنتظر فرنسا ثلاثة أعوام كاملة لترد مع حليفها الإنجليزي الصاع لإيطاليا بطردها وحليفها الألماني من شمال أفريقيا، ومن الأراضي الليبية عام 1943، وتنهي تواجد إيطاليا في ليبيا الذي استمر 30 عامًا ونيف.

ولتبسط فرنسا يدها على الجنوب الليبي، أو ما كان يعرف حينها بإقليم فزان، منذ ذلك الحين حتى الاستقلال عام 1951.

بين الليبرالية الفرنسية والشعبوية الإيطالية.. ليبيا بين المطرقة والسندان

اجتاحت أوروبا كما العديد من دول العالم موجة ركود وضعف معدلات النمو الاقتصادية منذ العام 2008، وكان لزامًا على السياسيين الأوروبيين إيجاد حلول لها.

هذه المشاكل الاقتصادية ألقت بظلالها لاحقًا على برامج الأحزاب السياسية ونقاشاتها في القارة العجوز؛ حتى أن بعض القوى اليمينية نجحت في مراكمة خطاب سياسي شعبوي، أقل ما يوصف به أنه تضليلي بحسب الكثير من خبراء الاقتصاد، يربط بين الأزمة الاقتصادية وبين مشاكل هامشية، من بينها الهجرة.

إيطاليا كانت واحدة من تلك البلدان الأوروبية التي لم تنج من فخ الشعبوية السياسية، ففي 2018 شهدت البلاد صعود قوتان سياسيتان (يمينية/شعبوية) أنشأتا تحالفًا فيما بينهما تولى مقاليد السلطة بعد هزيمة ساحقة منيت بها قوى اليسار.

فسياسة التشدد ضد المهاجرين، والتعهد بطرد نصف مليون مهاجر خلال خمس سنوات، وإغلاق الآلاف من الكيلومترات الساحلية في وجه المهاجرين؛ علاوة على سياسات شعبوية معادية للفساد ومناصرة للبيئة، ومتحفظة جزئيًا على سياسات التكامل الأوروبي، كانت البرنامج السياسي والرافعة التي قادت هذا التحالف إلى مقاليد السلطة في روما.

على الجانب الآخر، وقبل شهور قليلة كان قد وصل إلى سدة الحكم في فرنسا شاب أربعيني طموح، حاملًا وعودا كبرى ورؤية طويلة الأمد، وبرامج عمل لتخليص فرنسا من مشاكلها المتعددة.

تنفس المراقبون في العالم الصعداء بعد فوزه في الانتخابات على حساب القوى اليمينية المتطرفة. إذ مثّل انتخابه وقفًا للمد الشعبوي السياسي في أوروبا، على الأقل مؤقتًا.

واختار الفرنسيون المرشح الوسطي على زعيمة اليمين المتطرف، مفضلين بذلك برنامج ماكرون الأكثر انفتاحًا على وعود لوبن، التي وعدت بالخروج من الاتحاد الأوروبي واتباع سياسات حمائية.

أما ماكرون فقد تبنى برنامجًا تضمن تخفيضاُ للضرائب، وتعزيزًا لأمن فرنسا الداخلي والخارجي، وتحسين قوانين العمل.

ولأن الحكومتين اليمينية الشعبوية في إيطاليا والاجتماعية الليبرالية في فرنسا مطالبتان بتحقيق الوعود التي قطعتاها على نفسيهما، خصوصًا أن انتخاب الاثنتين كان في لحظة تاريخية في كل بلد، لذا يسعى الطرفان لإثبات أنهما على قدر المسؤولية التاريخية، وأنهما قادران على إعادة الهيبة كل لبلده.

فمن التنافس في إطار الاتحاد الأوروبي، إلى الإطار الإقليمي والدولي؛ تسعى كل من الحكومتين الجديدتين في البلدين لإثبات جدارتهما للناخب.

لذا يمثل الملف الليبي ساحة للطرفين لتحقيق إنجازات تعود على أحزابهم بالنفع ربما في استحقاقات انتخابية قادمة، وذلك عبر بدفاعهما عن مصالح بلدانهم في ذلك البلد العربي الذي تمزقه الصراعات والحروب بالوكالة.

فالحكومة الحالية في روما ترى في الملف الليبي فرصة العمر للقضاء على تسلل المهاجرين اليها، كما أن نظيرتها الفرنسية الحالية ترى فيه فرصة عمرها هي الأخرى في القضاء على بؤر التنظيمات المسلحة التي تكن لها العداء، وتتخذ من ليبيا والانفلات الأمني فيها واحة تنطلق منها لضرب فرنسا في عقر دارها.

ومن جهة أخرى يسعى الطرفان من خلال الملف الليبي تحقيق النفع الاقتصادي الأقصى لبلديهما من خلال نهب النفط والغاز الليبي بدعم طرف سياسي على حساب الآخر.

الصراع في ليبيا: أجندات متضاربة بين فرنسا وإيطاليا هناك

بدأت المناكفة السياسية بين البلدين في عهد الحكومتين الجديدتين مبكرًا جدًا؛ فقبل أسبوع من أدائها القسم الدستوري تلقت الحكومة اليمينية الإيطالية الجديدة نقدًا لاذعًا من ماكرون بسبب رفضها استقبال إحدى سفن المهاجرين غير الشرعيين؛ ما دفع وزير الداخلية اليميني برد الصاع صاعين في اليوم نفسه بتصريحه رفض سماع محاضرة أخلاقية من دولة مثل فرنسا.

لتبدأ منذ ذلك الحين سلسلة من التصيد السياسي، وحفلات من التراشق الإعلامي بين الطرفين.

ويمكن القول إن الهجرة هي العامل المشترك الذي يعاني منه الطرفان، كل على طريقته.

فروما تغرقها قوارب المهاجرين، سواء الفارين من الحرب، أو أولئك الباحثين عن الحياة وفرصها، بسبب قربها الجغرافي من القارة الأفريقية. وباريس تعاين جراحها التي خلفها مهاجرون جهاديون في أحيائها وشوارعها.

إيطاليا إلى جانب اليونان تعتبران المستقبل الأكبر للمهاجرين؛ إذ استقبلت إيطاليا في عام 2016 فقط ما يقارب 182 ألف مهاجر، وفي العام 2017 استقبلت قرابة 120 ألف مهاجر.

فيما استقبلت روما أكثر من مليون مهاجر منذ العام 2011 بحسب أرقام «المفوضية العليا لشؤون اللاجئين».

وهي أرقام مهولة، يتوجب على الدولة الإيطالية التعامل معها بطريقة أو أخرى على مر الحكومات التي تعاقبت من ذلك العام حتى تاريخه.

في المقابل لم تعان باريس من استقبال هذا العدد الضخم من المهاجرين، لكن كان عليها التعامل مع نوع محدد من المهاجرين، أولئك الذين يحطون الرحال في أراضيها تحت غطاء الهجرة الشرعية وغير الشرعية، ويحملون «الموت والدمار» لها.

شكلت ليبيا تاريخيًا واحدة من أهم طرق مرور المهاجرين إلى أوروبا؛ إذ تشير أرقام «المجلس الأوروبي للشؤون الخارجية» أنه في الوقت الذي دخل فيه أوروبا قرابة 29 ألف مهاجر عن طريق تركيا إلى اليونان عام 2017، و20 ألف مهاجر عن طريق المغرب إلى إسبانيا؛ دخل أوروبا 119 ألف مهاجر عن طريق ليبيا إلى إيطاليا.

وهذا ما يدفع الحكومة الإيطالية دوما للتنسيق مع الأطراف الليبية للحد من هذا التدفق البشري السنوي الهائل، خصوصًا بعد سقوط نظام القذافي.

أما فرنسا فتؤرقها أكثر المسألة الأمنية التي تتسبب بها موجات الهجرة؛ إذ إن نشاط قواتها ومخابراتها في أفريقيا، ودعمها لأنظمة قمعية في القارة الأفريقية، وممارستها النهب المنظم والمستمر لموارد البلدان الأفريقية يجعلها هدفًا للقوى المتشددة والمتطرفة على الدوام لدوافع انتقامية.

خصوصًا أن الجنوب الليبي المنفلت أمنيًا يشكل الخاصرة الرخوة لقواتها المتمركزة في مالي والنيجر تحديدًا؛ وهدفًا سهلًا يتم إزعاجه انطلاقًا من الصحراء الليبية من أطراف عدة مثل تنظيمات «القاعدة»، و«داعش» وليس آخرها تجار العبيد، وأمراء التهريب.

من هنا تأتي أهمية ليبيا للطرفين من ناحية مسألة الهجرة، وهذه المشكلة بالنسبة لباريس وروما لا تحل إلا بوجود نظام سياسي ليبي مستقر، يراقب الحدود ويسيطر على مفاصل الدولة.

البقية في الجزء الثاني

***

مأمون خلف ـ باحث فلسطيني/ إيطالي

_________