Minbar Libya

بقلم علي اللافي

أظهرت السنوات الماضية ما كان مخفيا قبل اندلاع ثورات الربيع العربي، بخصوص العلاقة المُريبة بين قادة وأتباع التيار السلفي المدخلي السعودي المنشأ – أو من يسمون “المداخلةفي العالم العربي وفي المنطقة المغاربية خاصة .

بل وأصبح هؤلاء من مجرد موالاة الحكام إلى تكفير المخالفين، واستخدام السلاح لتنفيذ مخططات الأنظمة أو وكلاء محور إقليمي بعينه، فما هو واقع التيار المدخلي في بلدان المغرب العربي وما هي آفاقه المستقبلية؟

ماهية التيار المدخلي وبداية ظهوره في المنطقة المغاربية

أعادة ما تتحدد ماهية أي تيَار بطبيعة العناصر التي تنتسب إليه من حيث مرجعياتهم الفكرية والمذهبية ورؤيتهم السياسية، إلا أن المداخلة (على الرغم من أنهم يرفضون المصطلح)، هم عمليا تيار متحكم فيه بل هم عمليا نتاج واقعي لاكراهات فكرية ودينية وإقليمية، تعرَضت لها المملكة العربية السعودية أثناء حرب الخليج في بداية تسعينات القرن الماضي.

وعمليا المداخلة ينتسبون لـ”الجامية” (نسبة للشيخ الأرتري “محمد أمان الله الجامي”) أو «المدخلية» (نسبة للسعودي “ربيع المدخلي”)، ويتكوّن التيار المدخلي المغاربي أساسا من بعض العناصر الذين يرفضون ظاهرا الاشتغال بالسياسة، وعمليا ليس بين عناصر هذا التيار ارتباطات تنظيمية ظاهرة للعيان كما لا توجد له زعامة موحدة بل زعامات كثيرة مُتنوعة يتقارب بعضها ويجتمعون في بعض المسائل ويحصل بينهم افتراق واختلاف أحياناُ وقد يصل إلى حد القطيعة.

ما يجمع عناصر هذا التيار تشابه المنهج في التعامل مع المُخالف ومحاولة احتكار التسمي بــ”السنة” و”السلفية” وتضليل بقية التيارات ولهذا التيار موقف مُتشدد من العمل السياسي والحزبية والانتخابات والتقارب مع الآخرين، كما أنه مُغال في ما يسمى طاعة ولي الأمر….

ب – بدأ انتشار التيار المدخلي بطرق ناعمة وتحت مظلات متعددة للبحث عن حواضن شعبية وخاصة في كل من الجزائر وليبيا وتونس وتحت مظلات أخرى في المغرب وموريتانيا باعتباره اقل تواجدا، وتم التخفي تحت مُحاربة “الجهاديين” ونشر الكتب وفتح الجمعيات ومراكز متخصصة، ولكن النخبة سرعان ما انتبهت لخطورته وبدأت في العمل على تطويق الظاهرة والعمل دون استمرار تمدُده….

تأول ظهور للتيار المدخلي كان في ليبيا بناء على أن القذافي ومن اجل رفع العقوبات الدولية عن نظامه في بداية تسعينات القرن الماضي دعا بعض الفقهاء والشيوخ السعوديين لزيارة ليبيا بل وأفسح لهم يومها مجال الدعوة في إطار مُكافحة بقية التنظيمات الإسلامية المعارضة لنظامه على غرار “تيار الإخوان المسلمين” و”الجماعة الليبية المقاتلة”

وكان ذلك مُمكنا بناء على خاصية التيار المدخلي وجنوحه للدفاع عن الأنظمة القائمة وتحريمه الخروج على “ولي الأمر” (الحاكم) حتى لو كان جائرا واستنادا على مقولة أن «الفتنة أشد من القتل» (وهو شعار رفعه أنصار التيار المدخلي أيام الثورة التونسية)

وفي فبراير 2011 في ليبيا عبر معارضتهم الصريحة والعلنية لثورة 17 فبراير/ شباط 2011 في ليبيا، وقد تم اعتماد نفس الحُجة والبراهين في كل المناسبات الهامة في البلدان المغاربية ومع ذلك اعتمدوا نهجا مُتشددا ولكنه يعتمد التقية في أداء الأدوار المُسندة إليهم عند كُل تطور سياسي أو اجتماعي فيعمدون إلى محاربة التيارات الوطنية والقول في أدبياتهم وخطبهم وتسجيلاتهم أنها تعمد إلى تقسيم صُفوف الأمة…

فسيفساء التيار المدخلي في البلدان المغاربية

1–التيار المدخلي في الجزائر

نشأ التيار المدخلي في منصف التسعينات ولكنه اعتمد منطق المُواربة والتخفي ثم بحث في السنوات الأخيرة عن حاضنة شعبية ولعب أدوار خفية قبل أن يبدأ في التعبير عن نفسه  والإدلاء بمواقف بدت غريبة وخطيرة على غرار تشكيكهم في النشيد الوطني الجزائري عبر التلويح  أن النشيد يتضمن قسما بغير الله ( يبدأ النشيد الذي كتب نصه الشاعر “مُفدي زكرياء” بــــــ«قسما بالساحقات الماحقات..”)،

وقد وقف المداخلة في الجزائر مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وانتقدوا معارضيه ودافعوا ضمنا على العُهدة الخامسة قبل خفوت أصواتهم مع بداية الحراك الشعبي والذي أوصوا أنصارهم بعدم مُناصرته، وقد استخدمت الدولة العميقة في الجزائر التيار المدخلي لتعزيز شرعيتها الدينية، قبل أن تنحو باتجاه التخلص من عبئهم في السنوات الماضية.

بل وبدأت إجراءات وترتيبات جديدة اتخذتها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف لاستعادة التحكم بالمجال الديني، وقطع المنافذ على الجماعات التي استطاعت أن تتمدَد بفضل سياسة غض الطرف، ولاحظ  المتابعين العودة إلى التأكيد على «المرجعية الدينية الوطنية»، وتحديدا المذهب المالكي، ما يعني غلق الباب أمام التيارات الوافدة، ومن ضمنها المداخلة…

2- التيار المدخلي في ليبيا

بعد انتصار ثورة فبراير ومقتل القذافي وهروب نجله الساعدي إلى النيجر، خرج أتباع الحركة السلفية عموما للعلن، وقد نظروا إلى انتخابات المؤتمر الوطني العام 2012 على أنها “بدعة لا يجوز الخوض فيها…”

وقبل الانتخابات، قام أتباع المدخلي في ليبيا، بهدم تُراث الصوفية في ليبيا وحرق أدبيات الإخوان المسلمين، ومع اندلاع الصراع بين تياري “الكرامة” و”الفجر” في صيف 2014، انضمت جماعات المداخلة المسلحة للفصائل المتحاربة.

وقبل ذلك وأثناء زيارة رئيس الوزراء الأسبق علي زيدان للمملكة العربية السعودية طلب من شيوخ المداخلة والسلفية بها إصدار فتوى تحض أتباعهم في ليبيا على المساهمة في انتخابات مجلس النواب الليبي التي أجريت في الخامس والعشرين من جوان 2014.

ومن ثم صدرت فتوى على موقع الشيخ “ربيع المدخلي” بأنه على الليبيين المشاركة في الانتخابات لاختيار نُوابهم، وفهم السلفيون الرسالة وشاركوا في عمليات الاقتراع بكافة المدن والقرى المُتواجدين بها، وبالتالي بدأت مواقفهم تتطور وفقا لاصطفاف المملكة العربية السعودية إقليميا والتي أصبحت ضمن إطار المحور الإماراتي/المصري ضد المحور التركي/القطري وان كان أشكال غلب عليها الحذر والتواري.

وفي الشرق الليبي ناصر المداخلة حفتر وحاربوا معه وكونوا كتائب خاصة بهم بينما اكتسب مداخلة الغرب الليبي خصوصيات المنطقة والاصطفاف السياسي ضد قوات حفتر خلال المواجهات الأخيرة …

3- التيار المدخلي في تونس والمغرب وموريتنانيا

أ في هذه البلدان لم تسلط الأضواء على التيار المدخلي نتاج التركيز الإعلامي على أنشطة “الجهاديين” الذين قاموا بعمليات إرهابية على غرار أحداث مايو 2003 في المغرب وأحداث سليمان 2007 في تونس إضافة لتعدد العمليات الإرهابية بين سنتي 2013و2016،

أما في موريتانيا فالأمر مختلف حيث مازال التيار المدخلي يعتمد التخفي والمواربة بدل الظهور للعلن إلا في بعض مناسبات قليلة ونادرة…

ب توارى التيار المدخلي في تونس عبر أنشطة مدعمة من طرف نظام المخلوع منذ نهاية تسعينات القرن الماضي بداية من بداية الألفية، واختفوا وراء جمعيات وسيطروا قبل وبعد الثورة على مساجد في صفاقس وسيدي بوزيد والقصرين وبعض أحياء العاصمة (المروج – رادس – حي التضامن…)، وبدؤوا منذ 2015 في أنشطة يغلُب عليها الحذر والتأني وساهم بعضهم في الاعتداء على بعض الزوايا …

حول مستقبل التيار المدخلي في المنطقة المغاربية

أ رغم الاختلاف المنهجي بين ولاءات المداخلة من بلد مغاربي لآخر من حيث التواجد ومن حيث الارتباطات وتنزيل مواقف ومقولات وأدبيات “المدخلي”، فان مواقفهم تطورت فعليا وفقا للمواقف السعودية من الصراعات الإقليمية، وخلال السنوات الماضية بقي بعض المُتابعين والمحللين في التسلل في أكثر من مناسبة لفهم تطور الصراعات في ليبيا مثلا أو حتى في متابعة ما يجري في بعض مدن الغرب والشرق الليبيين، حيث تتغير الولاءات والتحالفات ونتائج المعارك والتي عادت ما تكون مآلاتها بناء على التدخل المستمر لدول الخليج العربي في الشؤون الأمنية في ليبيا أو في سياسات البلدان المغاربية…

ب حضور التيار المدخلي ضعيف كميا وسياسيا في الجنوب الليبي وفي الجزائر وموريتانيا، لأن المُدن والقُرى في هذه الربوع تغلب عليها عوامل “القبيلة” و”الغلبة” و”الغنيمة”، كما أن مستقبل التيار الإسلامي الوسطي فيها سيكُون قويا وفاعلا لأسباب سوسيولوجية وإقليمية، كما أن أهالي الجنوب الليبي مثلا هم أقرب للاعتدال وأقرب لخصوصية وطنية تتناقض مع ماهية المنتسبين للتيار المدخلي…

ت لن يتوقف خطر البعض من المنتسبين للتيار “المدخلي” المشحونين بالمقولات التكفيرية للمدخلي، عند بعض جرائمهم السابقة في ليبيا أو في كافة الأقطار المغاربية على غرار جريمة اغتيال الشيخ نادر العمراني في ليبيا سنة 2015 .

ولن تتوقف تلك الجرائم في كل الإقليم، إلا إذا تداعى علماء الأمة وقادتها ومُفكروها للتحذير منهم ومن ضلالاتهم وانحرافاتهم دون مُواربة بل لابد من انجاز تحقيقات أمنية واستقصائية لجرائم الاغتيالات التي حدثت في مدينة بنغازي الليبية سنوات 2012 و2013 و2014…

ث–  إن بعض القوى الإقليمية والدولية من الممكن أن تُوظف مستقبلا أتباع التيار المدخلي بناء على توظيف شيوخهم الإقليميين على غرار “الرسلاني” أو”البرهومي” أو مُنظري التيار (المدخلي والجامي) كمقدمات موضوعية لضرب استقرار الجزائر ولو على مدى بعيد.

كما يمكن توظيفهم في إعاقة ناعمة لتجربة الانتقال الديمقراطي في تونس وتعطيل تجديد الفكر الديني وتطوير الشأن الديني عبر الدفع للخيار المصري عبر استنساخ تجربة حزب النور من خلال الدعم اللوجستي والمالي وعبر أدبيات فكرية وسياسية وإعلامية وتوجيه مدقق استخباراتيا عبر لافتات إعلامية واقتصادية وعبر مجالات الفنون والفلاحة والسياحة والعلاقات الخارجية وعبر استراتيجيات الانقلاب الناعم على مسار الثورتين الجزائرية والتونسية…

***

علي اللافي – كاتب وباحث ومحلل سياسي

____________

المصدرصحيفة 24/24 عدد 7 ماي 2019