Minbar Libya

بقلم مأمون خلف

يتمنى أطراف أي خلاف سياسي في المناطق التي تدور في الفلك الاستراتيجي الأمريكي تدخلها في الصراع الدائر، وكل طرف يتمنى أن يكون التدخل لصالحه، عله يسرع حسم المسائل.

الجزء الأول

الليبيون، والفاعلون الرئيسيون على الساحة الليبية من حلفاء الولايات المتحدة على تعارض مصالحهم هناكالكل يدفع لأن تأخذ إدارة ترامب دورًا أكثر فاعلية بخصوص الملف الليبي.

لكن الرجل في تصريحه الشهير عام 2017، مع رئيس الوزراء الإيطالي السابق باولو جينتيلوني حين طلب منه دورًا أكبر في الملف الليبي قال أنه لا يرى «دورًا لأمريكا في ليبيا». وأضاف أن الولايات المتحدة «تقوم حاليًا بالعديد من الأدوار بما فيه الكفاية في أماكن مختلفة من العالم». ومع إلحاح الحلفاء على ضرورة التدخل لما فيه من نفع لمصالحهم ولما يروا أنه مصالح أمريكية أيضًا على السواء، وضح الرجل مرة أخرى أن الدور الأمريكي هناك يقتصر على محاربة الإرهاب، والجماعات المسلحة فقط.

الخوض في بحر تحليلات مراكز الدراسات حول الدور الأمريكي هناك، أو قراءة مئات المقالات عن الموضوع ستقودك كلها إلى وجهات نظر متباينة حول لماذا ترى الولايات المتحدة مندفعة في الملف الليبي، كما كان الوضع في عهد أوباما، الذي دفع لاستصدار القرار رقم 1970 من مجلس الأمن ممهدًا لإسقاط الدكتاتورية الليبية وشن حرب ضد القذافي، وإلى وجهات نظر أخرى تحاول فهم سبب إعراض إدارة ترامب غير المفهوم عن الملف الليبي، والاكتفاء بالحفاظ على الوضع كما هو عليه. فكيف نفهم الدور الأمريكي في الملف الليبي؟ ما هي منطلقات الإدارة الأمريكية في التعاطي مع الصراع الدائر في ليبيا؟ وما هو الموقع الذي تعطيه إدارة ترامب لليبيا في سياستها الخارجية؟

اسمع من أمريكا بخصوص ليبيا ولا تسمع عنها

دع عنك سيل التحليلات، وحبر الصفحات الإخبارية في الموضوع ولنر ونسمع ماذا يقول الأمريكيون أنفسهم حول الأزمة الليبية. لنعود قليلاً إلى الوراء في الوقت.

تحديدًا إلى الثالث عشر من ديسمبر (كانون الأول) عام 2018. كانت الثلوج تتساقط بكثافة على مباني واشنطن العاصمة وشوارعها، وتنذر بإغلاق الطرق حين كانت إحدى السيارات الرئاسية تشق التراكمات الثلجية مساء ذلك اليوم باتجاه عنوان محدد في العاصمة؛ شارع ماساتشوستس 214.

ترجل من السيارة رجل ذو بشرة بيضاء، وحاجبين كثيفين وشارب كث أبيض أمام مبنى طويل، مقوس الواجهة، ولديه شيء مهم ليقوله للعالم بخصوص القضايا الأفريقية المختلفة ومنها الليبية.

حتى تتخلص الإدارة الأمريكية من ضغوط الحلفاء للتدخل في بقاع مختلفة كل لمصلحته لكن باستخدام الرافعة الأمريكية. ولأن بالنسبة لترامب وإدارته، كما أعلن أكثر من مرة، أن عهد ما اعتبره «الشهامة والنخوة» الأمريكية المجانية قد ولى بلا رجعة، وأن من يحتاج للمساعدة الأمريكية فعليه أن يدفع. لذا كانت أمسية سياسية بامتياز لتضع النقاط على الحروف. ولتوضح للجميع ما الذي تريده الإدارة الأمريكية الجديدة من أفريقيا.

خلال 50 دقيقة من الحديث المتواصل عرض مستشار الأمن الوطني الأمريكي جون بولتون في قاعة محاضرات المركز الفكري المحافظ الأكثر تأثيرًا في رسم السياسات الأمريكية الداخلية والخارجية «Heritage Foundation» ما عرف حينها بـ«استراتيجية جديدة لأفريقيا» أمام 52 وسيلة إعلامية، و16 كاميرا تلفزيونية.

لتنشر أثناء حديثه فقط 65 مادة صحافية، وفي صباح اليوم التالي كان العرض الذي قدمه للاستراتيجية الأمريكية الجديدة في أفريقيا قد حصد 20 ألف تغريدة على تويتر شكلت ترند ذلك اليوم بحسب تصريحات Heritage نفسها.

ولنوفر عليك قرابة الساعة من الاستماع للمحاضرة، والكثير من دقائق القراءة، نورد لك ما قاله ملخصًا، إذ إن الحديث كله قد تمحور حول ثلاث نقاط أساسية تشكل الاستراتيجية الأمريكية في القارة الأفريقية، بما فيها ليبيا مرتبة حسب ورودها في السياق:

1- زيادة معدل التجارة في المنطقة الأفريقية.

2- الاستمرار في محاربة الإرهاب.

3- التأكد من أن الدعم المالي الأمريكي في القارة يستخدم بأكبر قدر من الفعالية، وفي الأوجه الصحيحة.

هذا فقط؟ نعم هذا هو لب ما قاله. لكن مهلًا، هذا كلام عام للاستهلاك السياسي اليومي للبيت الأبيض. حسنًا، حتى تكتمل الصورة نعود للوراء عامًا آخر سابقًا على هذا التاريخ. تحديدًا في ديسمبر 2017 والذي حدد فيه ترامب نفسه هذه المرة معالم «الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي.. حقبة جديدة»، اختار عرضها على الشعب الأمريكي والعالم من قاعدة عسكرية أمريكية.

تتلخص محاور الاستراتيجية في أربع نقاط كما أوردها موقع البيت الأبيض الرسمي وهي: حماية الوطن والشعب الأمريكي وطريقة الحياة الأمريكية، وتعزيز الرخاء الأمريكي، والحفاظ على السلام من خلال القوة، وتعزيز النفوذ الأمريكي في العالم. لذا من المهم قراءة الموقف الأمريكي من القضية الليبية بتراتبية معينة حتى لا تأخذ المسائل أكبر من حجمها، فتكبر خطأً معها توقعات الفاعلين من الإدارة الأمريكية فيما يخص الملف الليبي.

فقضايا ليبيا على جدول مهمات ترامب تقع تحت بند السياسة الخارجية الأمريكي، باب تعزيز النفوذ الأمريكي في العالم، وباب تعزيز الرخاء الأمريكي.

ليبيا.. رقعة في الأحجية الأفريقية

من المؤكد أن المقاول النيويوركي الذي جاء إلى سدة الحكم في البيت الأبيض في يناير كانون الثاني 2017 يرى إدارة الشؤون الأمريكية بعقلية مختلفة عن سابقيه.

وباعتباره رجل أعمال تشير سياساته أنه يدير المسائل هناك بعقلية الربح، ولا شيء دون مقابل، وتقليص النفقات وبالتالي الخسائر إلى الحد الأقصى. فيما يخص أفريقيا، فإن إدارة ترامب تتعاطى مع قضايا شائكة في سياستها الخارجية من خلال القارة السمراء كما سنرى لاحقًا، خصوصًا أن الرجل كان قد نبه لصراع جبابرة سيبدأ قريبًا إن لم يبدأ بالفعل منذ وقت مبكر. مواضيع الصراع عديدة، وجبهاته أكثر عددًا.

ولقدر أفريقيا أن واشنطن ترامب تنبهت ولو متأخرًا لأهميتها في ملفات شائكة على جبهات بعيدة. ولقدر ليبيا أنها تقع في أفريقيا، لتشكل بذلك جزء من أجزاء الأحجية السياسية الأمريكية الكبرى في أفريقيا.

قالوا تسعة أعشار الرزق في التجارة

إن كان حال السياسات الأمريكية متكاسلة هكذا في أفريقيا حتى اللحظة، إلا أن حال سياستها الاقتصادية هناك ليست كذلك. فالأمر تغير بعد عام 2000. فقد قررت الولايات المتحدة، بعد ملاحظتها تصاعد حجم الاستثمار والحضور الصيني هناك، أن تدعم تجارتها مع دول جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى بقانون النمو والفرص في أفريقيا (أغوا AGOA) الذي يهدف إلى إقامة علاقات تجارية قوية مع القارة الأفريقية، ويؤسس لاتفاقية تجارية تفضيلية بين الولايات المتحدة وبلدان مختارة في المنطقة.

وقد وقَّع الكونجرس على هذا القانون، في 18 مايو (أيار) 2000، ووافقت عليه إدارة أوباما في 25 يونيو (حزيران)  2015 على تمديد العمل به لعشر سنوات أخرى، ما يعني أنه سيستمر حتى 30 سبتمبر (أيلول) 2025.

نعود هنا للنقطة الأولى من الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لأفريقيا، والتي تُعنى بزيادة معدل التجارة في المنطقة الأفريقيةتشير الأرقام الأمريكية الرسمية إلى أن حجم التبادل التجاري الأمريكي غير النفطي بلغ 39.0 مليار دولار في إجمالي تجارة البضائع (استيرادًا وتصديرًا) مع دول جنوب الصحراء الأفريقية خلال عام 2017. حيث بلغ إجمالي صادرات السلع 14.1 مليار دولار؛ وبلغت واردات البضائع 24.9 مليار دولار. بعجز تجاري للسلع الأمريكية مع دول جنوب الصحراء بلغ 10.8 مليار دولار في عام 2017.

كانت فئات التصدير الأمريكية الرئيسية هي الآلات (2.3 مليار دولار) والمركبات (1.6 مليار دولار) والطائرات (1.5 مليار دولار) والوقود المعدني (1.4 مليار دولار) والآلات الكهربائية (864 مليون دولار). بينما استوردت الوقود المعدني (11.2 مليار دولار) والمعادن الثمينة والحجر (البلاتين والماس) (4.1 مليار دولار) والكاكاو (1.2 مليار دولار) والمركبات (1.2 مليار دولار) والحديد والصلب (950 مليون دولار).

***

مأمون خلف ـ باحث فلسطيني/ إيطالي

_________