Minbar Libya

بقلم مأمون خلف

يتمنى أطراف أي خلاف سياسي في المناطق التي تدور في الفلك الاستراتيجي الأمريكي تدخلها في الصراع الدائر، وكل طرف يتمنى أن يكون التدخل لصالحه، عله يسرع حسم المسائل.

الجزء الثاني

لكن ماذا عن النفط؟

إذا بدأ الحديث عن النفط فهذا يعني الدخول إلى عالم ترامب الواقعي المبدئي. حيث تجد الدول والكيانات نفسها أمام علقة عملاقة لا تكف عن امتصاصها حتى آخر قطرة حياة فيها. إذ يعتبر ترامب أن وجود تلك الدول مدين له، وحتى يستمر بمدها بأسباب الوجود، عليها أن تعطيه بدورها حد الإنهاك.

فواقعية ترامب المبدئية كما سماها ترى العالم من واقع مصالحها لا من واقع أنها القوة العظمى التي تحقق الأمن والسلم الدوليين. فترامب يعتقد أن الولايات المتحدة أضاعت كثيرًا من طاقاتها ومواردها في الاهتمام بالعالم. وآن الأوان للاهتمام بمصالح البيت الأمريكي للإبقاء على تفوقه العالمي.

والحال هكذا فإن القارة الأفريقية في الوقت الراهن تنتج نحو 11% من النفط العالمي، بما يعادل حوالي 80 إلى 100 مليار برميل من النفط الخام، كما أنها تملك من الاحتياطات النفطية الخام ما نسبته 10% من الاحتياطي العالمي حسب تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية والتجارة، ويعد إقليم أفريقيا الغربي أغنى الأقاليم على الإطلاق الذي يضم دولًا مثل نيجيريا، وتوجو، وساحل العاج والكاميرون إلى جانب دول أخرى.

يستأثر هذا القطاع بإنتاج حوالي 70% من مجمل الإنتاج الأفريقي، ويصل حجم إنتاجه الحالي حوالي 9 ونصف مليون برميل يوميًا، بكلمة أخرى أكثر من إنتاج إيران وفنزويلا والمكسيك مجتمعين.

وبعد الاكتشافات النفطية والغازية الضخمة في خليج غينيا، الممتد بين نيجيريا وأنجولا دفع صناع النفط لتسمية المنطقة بالكويت الأفريقية أو الجنة الجديدة، لقلة عدد سكانها، وغناها الشديد بالنفط والغاز. إلا أن ليبيا تبقى صاحبة الاحتياطي الأكبر من النفط الأفريقي. فمثلًا شكل النفط المستورد من نيجيريا وأنجولا ما نسبته 5% من مجموع ما استوردته أمريكا العام الماضي، أو ما قيمته 7.6 مليار دولار.

أما حجم التبادل التجاري النفطي الأمريكي الليبي عام 2017 فقد بلغ مليار ونصف دولار مقابل 11.2 مليار دولارتبادل تجاري نفطي مع دول جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى مجتمعة. وهي دولة بالرغم من اضطراب الوضع السياسي فيها حافظت على إنتاج مليون برميل نفط يوميًا خلال 2018.  

لهذا لا يمكن لترامب وإدارته أن تترك هذا الكم الهائل من الطاقة شبه المجانية والثروة لغيرها، وعليها حفظ مصالحها جيدًا وحمايتها والعمل على زيادتها تدريجيًا. يبقى أن هناك من يعيق سير تدفق هذه الموارد ويهدد هذه المصالح. وهناك من يريد الحصول على حصة من هذه الثروة بطريقة أو أخرى.

الحرب على «الإرهاب».. ليست لأغراض إنسانية كما يقال

تشكل الاضطرابات الأمنية في المنطقة المعضلة الأساسية في استغلال هذه الموارد الضخمة والمغرية. تحديدًا انتشار الجماعات الإسلامية مثل القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إلى جانب الاقتتال بين القبائل الكبيرة هناك على حدود هذه المنطقة لأسباب مختلفة منها تجارة البشر، وتجارة الهجرة، والتهريب بكل أنواعه حتى تهريب النفط. تسعى الولايات المتحدة بشكل حثيث إلى تأمين احتياجاتها من النفط وتنويع مصادره، خصوصًا في ظل تزايد استهلاكها منه في الوقت الذي تعاني منه تناقص إنتاجها النفطي.

ولأنها دولة تتعلم من تجاربها، ورأت بأم عينها أنه يمكن للنفط أن يكون سلاحًا سياسيًا فتاكًا. لذا فقد ابتدعت الولايات المتحدة سياسة خاصة تسمى مبدأ كارتر، تقوم على منح المؤسسة العسكرية الأمريكية دورًا مهمًا للتصدي لأي خطر أيًّا كان شكله وطبيعته يعوق البحث عن النفط وتأمين مصادره والوصول إليه، والحفاظ على ثبات أسعاره.

كانت شؤون القارة الأفريقية ملحقة عسكريًا بالقيادة العسكرية الأمريكية التي تتخذ من أوروبا مقرًا لها حتى العام 2007. ولكن وبسبب قطاع الطاقة الذي غدا فجأة واعدًا جدًا في القارة الأفريقية تقرر إنشاء قيادة عسكرية أمريكية مستقلة ترعى المصالح الأمريكية هناك مباشرة. لذا جاء تأسيس AFRICOM وهي وحدة مكونة من قوات مقاتلة موحدة تحت إدارة وزارة الدفاع الأمريكية مسؤولة عن العمليات العسكرية الأمريكية وعن العلاقات العسكرية مع 53 دولة أفريقية عدا مصر، التي تقع في نطاق القيادة المركزية الأمريكية.

وقد بدأت القيادة الأفريقية نشاطها رسميًّا في الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، 2008. حسب موقع القيادة الرسميفإن مهمة هذه القوات تتلخص في العمل مع الشركاء المحليين والدوليين على بناء قدراتهم الدفاعية، وتعزيز مقدرتهم على الاستجابة للأزمات، وردع التهديدات العابرة للحدود وهزيمتها من أجل ضمان تقدم الولايات المتحدة، وحماية مصالحها الوطنية وتعزيز أمن القارة الأفريقية الإقليمي وتحقيق استقرارها وازدهارها.

حتى نفهم ماذا يعني هذا الوضع، لنلق نظرة سريعة على خارطة انتشار الجماعات الإسلامية المسلحة في أفريقيا، والتي جميعها بشكل أو آخر في إعلانها عن أهدافها تقول إنها تسعى للتخلص من الوجود الغربي عمومًا، والأمريكي خصوصًا، ومن كل وكلائهم إلى جانب تطبيق الشريعة في الدول الأفريقية. فالجماعات هناك تنقسم حسب ولائها إلى معسكرين؛ جماعات تابعة لتنظيم القاعدة، التنظيم الأم والأب الروحي لها جميعهًا، وأخرى فضلت أن تعطي ولاءها للنموذج «الداعشي».

أما التنظيمات التي تدور في فلك القاعدة فتشمل تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وينضوي تحت لوائه مجموعات عدة منها: المرابطون، إمارة الصحراء الكبرى، حركة أنصار الدين، جبهة تحرير ماسينا، حماة السلفية، حركة الشباب المجاهدين، أنصار الشريعة في تونس وليبيا، وأنصار المسلمين. وتتركز مناطق انتشاره في المغرب العربي، والصحراء الكبرى إلى جانب منطقة الساحل الأفريقي الذي يمتد لألف كيلو متر، ويغطي ما مساحته 5000 آلاف كيلو متر مربع من المحيط الأطلسي حتى البحر الأحمر.

وأما النموذج «الداعشي»، وبالرغم من حداثة عهده، إلا أنه اكتسب أماكن مهمة على الخارطة الجهادية في أفريقيا. إذ تنضوي تحت لوائه جماعات بوكو حرام في حوض بحيرة تشاد ونيجيريا مصدر النفط الأكبر في أفريقيا، تنظيم الدولة فرع ليبيا، جند الخلافة في الجزائر، تنظيم ولاية سيناء في مصر إلى جانب مجموعات أخرى صغيرة بايعت التنظيم في مناطق مختلفة هناك.

تشير أرقام مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية إلى أن الهجمات التي قامت بها الجماعات المسلحة الإسلامية منذ العام 2016 تحديدًا في تزايد مستمر. فمن 90 عملية وهجوم عام 2016، زاد العدد إلى 194 عملية عام 2017، وارتفع مرة أخرى عام 2018 ليصل إلى 465 عملية.

رافق هذا الارتفاع في عدد العمليات ارتفاعًا في عدد الضحايا كذلك في الأعوام الثلاثة. فمن 218 ضحية عام 2016، إلى 529 في العام الذي تلاه، ليصل 1.110 ضحايا بنهاية العام 2018. هذا الارتفاع الملحوظ في الهجمات التي تنفذها هذه الجماعات يصاحبه ارتفاع التكلفة المالية والاقتصادية في مواجهتها ويسبب خسائر فادحة في اقتصاد دول المنطقة. والسبب أن هذه السلعة الاستراتيجية الأهم اليوم، ومصدر الطاقة الأول في العالم هي نقطة الضعف الأكبر للنظام العالمي القائم، والعصب المكشوف لحركة الاقتصاد العالمي.

بكلمة أخرى هي نقطة ضعف العدو بالنسبة للحركات المسلحة. فالنفط هدف ناعم، سهل مهاجمته بالنسبة للمسلحين، وصعب الدفاع عنه بالنسبة للمنتفعين. فمثلًا دولة أفريقية غير نفطية كتونس انخفض فيها الناتج الإجمالي المحلي من 3% عام 2015 الى 1% بسبب الهجمات التي تعرضت لها ذلك العام، وانخفض مردود قطاع السياحة 45% أو ما يعادل مليار دولار. وبحسب مجلة فوربس، فإن إنتاج النيجر من النفط قد انخفض بسبب الهجمات عام 2016 من 2.2 مليون برميل يوميًا إلى 1.4 مليون برميل يوميًا، بمعدل 800 ألف برميل في اليوم الواحد.

إذن هو صداع تسببه هذه الجماعات للدول المتصارعة على ثروات القارة السمراء. وتعيق بتمركزها في قلب الواحة النفطية استخراجه وتدفقه، بل إنها منافس أساسي في بعض الحالات للشركات النفطية الضخمة ببيعه خامًا مهربًا.

فمثلًا أشار مصطفى صنع الله رئيس الشركة الوطنية الليبية للنفط، في مقابلة مع صحيفة «Zeit» الألمانية في مارس (آذار) 2019 أن تهريب النفط الليبي يكلف خزائن الدولة الليبية 750 مليون دولار سنويًا. لكن إلى جانب ذلك فالمشكلة الحقيقية هي أن التهريب يثري المهربين ومنهم الجماعات الجهادية المسلحة بشكل كبير، ما يعني زيادة في مقدرتها على تجنيد عناصر جدد، وتحسين تسليحها، وبالتالي تنفيذ عمليات عسكرية أكثر خطورة على المصالح الحيوية العالمية في المنطقة الأفريقية.

ولهذا السبب يتواجد اليوم في القارة الأفريقية 7500 جندي أمريكي إلى جانب 1000 خبير ومتعاقد أمني لتأمين منابع النفط الأفريقي، وللحد من الجماعات الإسلامية هناك أو القضاء عليها، مقارنة بتواجد 4500 جندي لفرنسا، القوة الاستعمارية الأقدم في أفريقيا، في نفس المنطقة ولنفس السبب بحسب صحيفة إنترسبت الأمريكية.

يدعمها على الأرض عدة قواعد عسكرية أهمها وحدة الطائرات من دون طيار المتمركزة في ثلاث قواعد عسكرية في النيجر تحديدًا، إلى جانب الأسطول الأمريكي السادس المتمركز في المحيط الأطلسي على مدخل البحر الأبيض المتوسط من جهة، والقريب من منطقة الساحل الأفريقي الغني بالنفط.

ومن الجهة الأخرى في المحيط الهندي على مدخل البحر الأحمر، تحديدًا في جيبوتي يتمركز الأسطول الأمريكي الخامس. إذًا في قارة محاصرة، ونفطها محاصر، وكأن لسان حال الأمريكيين يقول افعلوا ما بدا لكم، فكل شيء هنا سيذهب إلى واشنطن، وبالمناسبة شكرًا لتواجدكم اللطيف الذي منحنا شرعية الوجود، والغطاء اللازم.

***

مأمون خلف ـ باحث فلسطيني/ إيطالي

_________