Minbar Libya

بقلم حسّان الأسود

يُظهر المشهد الليبي أنّ قوّات اللواء المتقاعد خليفة حفتر تتلقّى دعماً كبيراً من عدّة أطراف دوليّة وإقليميّة تقاطعت مصالحها في خدمة مشروعه السلطويّ خلال هذه المرحلة من الأزمة الليبيّة الممتدّة منذ العام 2011.

ولا يعني هذا بالضرورة توافقاً كلّياً مع السياسات المنتهجة من هذه الأطراف، لأن لكل واحد من اللاعبين الدوليين والإقليميين أغراضه الخاصّة من هذا الدعم.

ثمّة أطراف دوليّة كثيرة فاعلة في ليبيا. يتصدّرها الفرنسيّون، ويشكل دعمهم السياسي والعسكري عاملاً مهمّاً ليس في معركة طوفان الكرامةفحسب، بل وعلى مستوى تمدّد دور هذا الجنرال في العموم، كما لا يخفى على أحد قيادة أميركا من الخلف، واتصال الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحفتر تأكيد على هذا الحضور، وخصوصاً أن الأخير يحمل الجنسية الأميركية.

أمّا دور روسيا التي تخرّج الجنرال من أكاديمياتها العسكريّة، أيّام الاتحاد السوفييتي السابق، فإنها تعتبر عودة الحكم العسكري في بلدان الربيع العربي أولويّة تقرّب أنظمة هذه البلدان منها.

ولا يغيب عن الذهن في المقابل الدور الإيطالي ذو البعد التاريخي في ليبيا والذي يسعى لتثبيت مكاسبه على الطاولة.
الصراع على منابع النفط بين الأطراف الداخليّة وداعميها من الخارج لا يختزل وحده الحالة الليبيّة:

فمشكلة الهجرة غير الشرعيّة عبر المتوسّط، والتي تتحمّل إيطاليا أكبر أعبائها في المرحلة الأولى من وصول المهاجرين،

كذلك موضوع محاربة الإسلام السياسي تحت شعار محاربة الإرهاب الذي يجهر به نظاما الحكم في مصر والإمارات خصوصا،

وتدخّلات دول عربيّة أخرى في الصراع، انطلاقاً من مواقفها المختلفة من ثورات الربيع العربي،

كل ذلك يشكل مؤثّرات مهمة تساعد على استدامة الأزمة، وتعقيد وصولها إلى حلّ قريب.
ولا يمكن تعليق حالة الفشل الليبي بالكامل على الأطراف الدولية المتصارعة، فالقوى الداخليّة لم تستطع أن تنجز الحدّ الأدنى من التفاهمات التي يمكن البناء عليها لتأسيس دولة مدنيّة موحّدة.

وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال الطريقة التي تمّ بها تشكيل المجلس الوطني الانتقالي،،،

فبسبب ظروف التكوين التي تزامنت مع مرحلة سيطرة نظام القذّافي على أجزاء شاسعة من البلاد،

وبسبب عدم وجود آليات واضحة لتمثيل كل القوى الثوريّة فيه،

وبسبب طبيعة العمل السري في مناطق سيطرة النظام التي أدّت إلى نوعٍ من عدم الشفافية،

وبسبب عدم قبول الأطراف المتعدّدة بنسب تمثيلها فيه،

بسبب كل ذلك تأثّرت فاعليّة هذا المجلس، وتعثّر أداؤه.

كما كان لغياب مؤسسات الدولة، ولضعف الموجود منها، دورٌ بارز في تعطيل عمليّة الانتقال السياسي بعد إسقاط نظام القذّافي.

فلم تكن نشوة التحرّر من الديكتاتوريّة والروح الوطنيّة الثوريّة العالية كافية لسدّ النقص الهائل في البنى المؤسساتيّة، وفي الوعي بضرورة التوافق بين جميع الأطراف المتصارعة من جهة ثانية.
الانقسام المجتمعي القبلي من ناحية، والجهوي بين شرق وغرب وجنوب من ناحية ثانية، والتدخّلات الخارجيّة من ناحية ثالثة، أوجدت، من حيث النتيجة، هذا الواقع الليبي الممزّق، والذي يُنبئ بمزيد من التشرذم والانقسام والحروب البينيّة الطاحنة، ويُنذر أيضا بإسقاط حلم الليبيّين بالوصول إلى دولة مدنيّة ديمقراطيّة موحّدة بالحوار بين الأطراف المتصارعة، بدلاً من استعمال السلاح قوّة وحيدة لحسم القضايا العالقة والخلافيّة بين أبناء البلد الواحد.
على الضفّة الأخرى من الأطلسي، تلعب حركة أصحاب السترات الصفراء دوراً مهمّاً في دفع الحكومة الفرنسيّة، والرئيس إيمانويل ماكرون خصوصاً، إلى التحرّك لضمان أكبر حصّة ممكنة من الكعكة.

كما تلعب السياسة الداخليّة للحزب اليميني الحاكم في إيطاليا دوراً مهمّاً في تأجيج الصراع بين الطليان والفرنسيين على الساحة الليبية.
تفاقم أزمات الحكومات الأوروبيّة عموماً،

والمتمثّلة في انخفاض مستويات النموّ الاقتصادي عن مثيلاتها في الصين والهند والبرازيل وأميركا،

بالإضافة إلى حركات الهجرة من دول أوروبا الشرقية وروسيا وأوكرانيا،

وموجات اللجوء من مناطق الشرق الأوسط خلال الأعوام الماضية،

أدّت هذه العوامل إلى تشكّل الأرضيّة الاجتماعيّة المناسبة لصعود اليمين المتطرّف، ولازدياد توجّهات الناخبين نحو اليمين عموماً.

لقد فشلت أحزاب الوسط واليسار على الأغلب في إحداث تغيير كبير في معالجة التحدّيات التي تواجهها هذه المجتمعات.

ومن هذا المنطلق، تسعى حكومات هذه الدول إلى كسب أكبر قدر ممكن من التحالف مع الجنرال حفتر، قبل أن يتمّ الحسم العسكري، وعلّها تثبّت بعض النقاط لصالحها، قبل أن تستولي إدارة ترامب على الساحة بأكملها، كما هي العادة.
لا أحد يعرف على وجه الدقّة كيف ستنتهي هذه المعركة، وليس في الوسع حساب تأثير الدورين، الجزائري والتونسي، المعارضيْن لمحاولة الحسم العسكري، وهو الموقف الذي عبّر عنه وزيرا الخارجيّة، الجزائري صبري بو قادوم، والتونسي خميس الجهيناوي، قبل أيّام في تونس، ويبدو أنّ الموقف الدولي المعلن ليس هو نفسه الموقف الذي تتخذه الدول الفاعلة في الأزمة.

وتبدو الأمم المتحدة عاجزة عن القيام بأي دور في هذه المأساة المتجدّدة، وإلى غاية انتهاء هذه الأزمة، ستبقى معاناة الليبيين مستمرة.

***

حسان الأسود ـ كاتب ومحامٍ وحقوقي سوري، مقيم في ألمانيا

____________