Minbar Libya

بقلم مأمون خلف

يتمنى أطراف أي خلاف سياسي في المناطق التي تدور في الفلك الاستراتيجي الأمريكي تدخلها في الصراع الدائر، وكل طرف يتمنى أن يكون التدخل لصالحه، عله يسرع حسم المسائل.

الجزء الأول

الصين.. الهداف الذي جاء الملعب متأخرًا

لكن هذه الجماعات ليست الصداع الوحيد للولايات المتحدة في القارة الأفريقية فيما يتعلق باستخراج النفط وتصديره. بل إن هناك صداع اللاعبين الدولين الطامحين للحصول على حصتهم من ذهب أفريقيا الأسود. لا يشكل معظمهم أي خطر يذكر لوجود تفاهمات قديمة تعود إلى الحقبة الاستعمارية حيث تم تحديد حصة كل طرف ومناطق نفوذه منذ ذلك الحين. عدا لاعب واحد جاء مؤخرًا، ويبدو أنه يريد ليس فقط حصته بل المزاحمة على حصص الآخرين، وربما إزاحة الجميع ليتربع على عرش المستفيد الأول من موارد أفريقيا النفطية. إنها الصين.

يبدو أن التقارير الأمريكية بدأت تتنبه للتوغل والتمدد الصيني في القارة الأفريقية، ففي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة توجه نظرها إلى محاصرة الصين اقتصاديًا في مناطق نفوذها في آسيا، كانت بكين تبني شبكات الطرق والسكك الحديدية والسدود ومحطات توليد الكهرباء في دول أفريقيا من خلال برنامج مساعدات مالية ومنح مقابل زيادة في حجم التبادل التجاري بين الطرفين. أفريقيا التي احتلت تاريخيًا مكانًا هامشيًا في السياسة الخارجية الأمريكية، لم يزد عن مواجهة محاولات تسلل الشيوعية إلى بعض دولها في منتصف القرن الماضي. واكتفت اقتصاديًا من الاستفادة من مواردها الطبيعية بشكل كسول، بدأت تفتح شهية بكين خصوصًا بعد الاكتشافات النفطية الواعدة.

يقول البنك الأفريقي للتنمية في تقرير صادر عنه عام 2011 أن حجم التبادل التجاري بين الصين ودول القارة الأفريقية قد ارتفع من قرابة الصفر عام 1998 إلى 50 مليار دولار بحلول عام 2008، وقفز الرقم ليصل 200 مليار دولار بنهاية العام 2018، وأنها قد أنجزت أكثر من 800 مشروع في 49 دولة أفريقية حتى عام 2005.

في الوقت ذاته يقول تقرير آخر لمؤسسة «AIDDATA» المعنية بمتابعة ببرامج المنح والمساعدات الدولية في العالم، أن الصين أنفقت بين عامي 2000 – 2014 ما قيمته 351 مليار دولار على شكل مساعدات مالية ومنح في مشاريع تنموية زاد عددها عن 4 آلاف مشروع موزعة على 138 دولة في القارات الخمس، كما أن الصين قد أعلنت في نهاية العام الماضي عن تخصيص 60 مليار دولار لمشاريع تنموية في القارة الأفريقية، ما يدلل على إصرارها في تثبيت موطئ قدم كبيرة لها هناك.

هذا النشاط الصيني الحثيث دفع واشنطن لأن تدق ناقوس الخطر، وتحاول أن تفهم ما الذي تريده الصين من هناك، والأهم هو فهم كيف توغلت بهذا الهدوء في القارة المنسية، وقضمتها بلدًا تلو الآخر دون أن يتنبه أحد لذلك بالشكل المطلوب. يبدو أن الإدارة الأمريكية طرحت سؤالًا جديًا على نفسها فحواه: كيف تسللت بكين إلى قلب أفريقيا المحروم من كل شيء؟ كيف تسلل هذا الغريب إليها دولة بعد الأخرى دون أن يثير أي ضجيج؟

منذ أن أطلق الرئيس الصيني السابق سياسة مغادرة البلاد عام 2005 التي دعا فيها الشركات الصينية إلى الاستثمار في مناطق ما وراء البحار، وبعيدًا عن الديار ووتيرة الاستثمار الخارجي الصيني في تصاعد مستمر. وقد توجت الصين هذه المبادرة بإطلاقها عام 2016 مشروع طريق واحد، حزام واحد الساعي لإعادة إحياء طريق الحرير القديم، حيث كانت التجارة العالمية في القرنين الثامن والتاسع عشر تمر من وإلى الصين قبل انفجار الثورة الصناعية في أوروبا.

المشروع الموعود يغطي 68 دولة في العالم، أي أن 56% من سكان العالم سيستفيدون من هذا المشروع بطريقة أو بأخرى، أو أنه يشكل ما نسبته 40% من الناتج الإجمالي العالمي. مشروع أثار الرعب لكثير من اللاعبين الدوليين. وبحسب الخرائط فإن بعضًا من طرقه تنتهي في أفريقيا. المشروع أساسًا يستثمر كما هو معلن في البنية التحتية والتعليم والسكك الحديدية والطرق السريعة والموانئ والعقارات والطاقة والحديد والصلب. والتقديرات تشير إلى أنه سيكلف من أربعة إلى ثماني تريليونات دولار.

هكذا إذًا، جزء من هذه الميزانية الضخمة تم تخصيصه لتنمية القارة اأفريقية حتى تأتي أكلها بالشكل المطلوب. من خلال اتفاقيات تعاونية رسمية بين بكين ودول القارة الأفريقية تحت غطاء الاتفاقية الموقعة سلفًا بين الطرفين عام 2000، فالصين تلعب دورًا خطيرًا من وجهة النظر الأمريكية من خلال برنامج مساعداتها الذي يحتل به نفوذها أفريقيا. والحال كذلك فإنه من غير الممكن مواجهة الصين عسكريًا، خصوصًا وأن برنامجها يقوم على أساس ربح الطرفين والمنفعة المتبادلة؛ أبني لك طرقًا وسدودًا ومدارس ومنشآت تساعدك على استغلال مواردك الطبيعية، في المقابل تساعدني بالحصول على نسبة من تلك الموارد.

الأمر بكل هذه البساطة، لكنه ليس كذلك بالنسبة لصقور البيت الأبيض الذين يتهمون المساعدات الصينية للدولة النامية ومنها تلك في القارة الأفريقية بأنها أفخاخ لاحتلال الدول حين تعجز عن سداد تلك المنح. لذا وعلى مبدأ داوها بالتي كانت هي الداء، فإن الإدارة الأمريكية قررت تفعيل برامج مساعداتها للدول الأفريقية باعتبارها أداة تواجه التوغل الصيني هناك.

ما علاقة كل ما سبق بملف ليبيا؟

يرتبط الملف الليبي بقضايا السياسة الخارجية الأمريكية الشائكة من عدة جهات. فالبلد العربي هو صاحب الاحتياطي النفطي المؤكد الأكبر في أفريقيا. فهي من جهة تتوفر على 2.9% من الاحتياطي النفطي العالمي المؤكد، إلى جانب أنها صاحبة رابع أكبر احتياطي من الغاز في أفريقيا أو ما نسبته 0.8% من احتياطي الغاز العالمي.

ليبيا دولة بالرغم من استعار الحرب الأهلية فيها إلا أنها حافظت على إنتاج مليون برميل نفط يوميًا من أجود أنواع النفط في العالم وأقله تكلفة. فهو من جهة مصدر تريد الاستئثار به قدر الإمكان، ويخدمها من جهة أخرى، إلى جانب عموم النفط الأفريقي، في حربها على النفط الإيراني وتعويض النقص في العرض الذي ستسببه العقوبات الأمريكية في السوق العالمية. ومن جهة ثالثة، تريد قطع الطريق على الأطماع الروسية خصوصًا أن الوضع في سوريا قد بات يستقر تدريجيًا ما يعني احتمالية انتقال الروس الى النظر باتجاه ليبيا، تحديدًا بعد الدعم الروسي لخليفة حفتر.

كذلك فإن ليبيا تمثل خندقًا متقدمًا للحرب على الجماعات الإسلامية المسلحة في شمال وغرب أفريقيا، كونها أحد الوجهات الأكثر ترجيحًا لانتقال عناصر «تنظيم الدولة» والقاعدة إليها من العراق وسوريا ومصر نتيجة لغياب الدولة والانفلات الأمني ما يشكل بيئة مثالية، ووجهة آمنة نسبيًا لمقاتلي تلك الجماعات.

فقد شاركت وحدات الطائرات المسيرة الأمريكية في 2016 بمعركة طرد مقاتلي «داعش» من مدينة سرت القريبة من الحقول النفطية الليبية. على الجانب الآخر، لليبيا موقع استراتيجي مهم لقوات الأفريكوم الأمريكية التي تشن حربًا شعواء على هذه التنظيمات في عمق الصحراء الأفريقية، والتي تهدد تدفق النفط من دول خليج غينيا. فموقعها القريب من تلك المنطقة وحدودها المشتركة مع دول مثل تشاد ومالي والنيجر الحدودية مع الجنة النفطية الأفريقية يشكل نقطة مراقبة مهمة، وقاعدة استراتيجية لحماية ورعاية مصالحها.

تقع الصين في رأس أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، بينما ولوقت طويل كانت أفريقيا تحتل مكانًا هامشيًا، ومكانة متواضعة. إلا أن تأثير بكين السريع في القارة الأفريقية أجبر صانعي القرار في السياسية الأمريكية على اتخاذ خطوات كالتي حددها جون بولتون في عرضه لاستراتيجية أمريكا الجديدة لأفريقيا. فالرجل صرح أن أفريقيا بما فيها ليبيا ستكون ربما الساحة الأخيرة لمواجهة التوسع الصيني في العالم بشكل عام، وفي أفريقيا بشكل خاص.

لذا فإن الاهتمام الأمريكي بالملف السياسي الليبي آخذ في الزيادة في العامين الأخيرين، ربما لإدراكها ولو متأخرًا أهمية ليبيا في سياستها الخارجية على أكثر من جبهة. فبعد أن كانت تعتمد على وكلائها الأوروبيين والعرب لإدارة شؤون الملف السياسي هناك، يبدو أنها باتجاه الأخذ بزمام الأمور بنفسها لتتفرغ لقضاياها الكبرى.

من إعلان الأمين العام للأمم المتحدة في يوليو 2018 عن تعيين القائم السابق بأعمال السفارة الأمريكية في ليبيا نائبًا للمبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، الذي أريد منه الإعلان عن رغبة الولايات المتحدة بأن يكون لها دور أكبر في العملية السياسية الليبية، إلى الإعلان عن عودة قوات الأفريكوم إلى ليبيا الشهر الجاري، ودعوة الأطراف إلى إيجاد حل سياسي يتفق الجميع عليه، وصولًا إلى حديث بعض التقارير عن الرغبة الأمريكية بإعادة فتح سفارتها في طرابلس كلها مؤشرات تدل على الاهتمام المتزايد بالوضع الليبي، وعلى الدور المهم الذي ستلعبه ليبيا في السياسة الخارجية الأمريكية أفريقيًا.

ولن يقتصر الدور الأمريكي هناك كما صرح ترامب مرارًا على محاربة ما يسميه بالإرهاب فقط. فهي بحاجة لإنهاء الصراع السياسي الليبي أكثر من أي وقت مضى. وبحاجة لوضع حد لشركائها وحلفائها الأوروبيين أو العرب الذين تتعارض مصالحهم باستمرار في ليبيا ما قد يعطل سير الاستراتيجية الأمريكية بالنسبة للقارة الأفريقية.

وعليه فإن الموقف الأمريكي يعنى بالوضع السياسي في ليبيا بقدر ما يخدم مصالحه في القارة الأفريقية عمومًا. وفي إطار الأهداف الاستراتيجية الخارجية الأمريكية المعلنة. لن تتدخل أمريكا ترامب لذلك في ليبيا لتسوية العملية السياسية فقط نزولًا عند رغبة الأصدقاء. إلا إذا ارتأت الإدارة الأمريكية أن الوضع الليبي أصبح يعيق أو يؤثر على مسارها في تطبيق أولوياتها في المنطقة وهي السيطرة على النفط، ومحاربة الإرهاب، ومواجهة التوسع الصيني.

***

مأمون خلف ـ باحث فلسطيني/ إيطالي

_________